2019/12/13
www.akkanet.net

 
       
     
 

الصفـحة الرئـيسـية

عكا: توفيق عبدالعال... من أزرق عكا نحو التجريد والصوفية

عكا: توفيق عبدالعال... من أزرق عكا نحو التجريد والصوفية

 2017-07-08 00:00:00 :  آخر تحديث   l   عكانت  

 

مليحة مسلماني 7 يوليو 2017

عبر مسيرةٍ تشكيليةٍ عمرها ثلاثون عامًا تمتد منذ أواخر الخمسينيات وحتى أواخر الثمانينيات، قدم الفنان الراحل توفيق عبد العال، (عكّا 1938 ـــ بيروت 2002)، للإرث البصريّ الفلسطينيّ مئات اللوحات الزيتية والمائية، بالإضافة إلى أعماله في النحت، وأعماله في التخطيط بالحبر الصينيّ والرصاص. وعدا عن تعدد الأدوات الفنية، فإن تجربة عبد العال تُظهر بحثَه الدائم في المدارس الفنية المختلفة، الانطباعية، والسريالية، والتعبيرية، والتعبيرية التجريدية، والتجريدية، وفي اللون والضوء والظلّ والتكوين العام للوحة. وهو استطاع عبر هذا البحث مراكمةَ خبرةٍ امتلك بها القدرة على خلق لغته التشكيلية الخاصة وأسلوبه المتميز، ما يضعه في مكانة خاصة ومهمة في مشهد الفن التشكيلي الفلسطيني بعد النكبة، وهي مكانة استحقها بجدارة عبر الأسلوب والمضمون المطروح في العمل الفني، وعبر مسيرة معرفيّة ـــ تشكيلية غنيّة تفرض حضورها في هذا المشهد.

غير أن التجربة البصرية، المتنوعة والقلقة والغنية، التي تركها الفنان توفيق عبد العال، تضع دارسي الفن التشكيلي الفلسطيني والمهتمين به ومتذوّقيه أمام تحديات عديدة تفرضها الظروف التي واجهها رواد الحركة التشكيلية الفلسطينية، باعتبارهم جزءًا من الشعب الفلسطيني الذي مرّ بعد النكبة بتجربة استثنائية هي التهجير، واللجوء، وتقطّع الأوصال، واختفاء المراكز المدينية في فلسطين، التي كانت تشهد قبل النكبة تطورًا ثقافيًا في مختلف المجالات الإبداعية، بما فيها حقل الفن التشكيلي. تتمثل هذه التحديات في القَطْع الذي خلّفته النكبة في مسيرة تطور الحركة التشكيلية الفلسطينية، ليتم استكمال هذه المسيرة بعد عام 1948 على أيدي فنانين في الوطن والشتات، قدموا تجاربهم التشكيلية ضمن ظروف خاصة فرضتها الطبيعة الخاصة بالمكانِ وثقافةِ المكانِ الذي أقام فيه كل من هؤلاء الفنانين. 

بالإضافة إلى ما سبق، هناك صعوبات جدّية تواجه عملية جمع الإرث البصري لروّاد الفن الفلسطيني قبل وبعد النكبة، وهو جمع ضروري لأهداف تصنيف هذا الإرث وتوثيقه ودارسته وتحليله، كما هو الحال مع أعمال توفيق عبد العال التي تعرضت للدمار أربع مرات في أربعة أماكن؛ فالفنان الذي نشأ طفلًا في عكا واستقرّ بعد النكبة في بيروت بالقرب من مخيم برج البراجنة، مرّ بظروف عدة، استثنائية وقاسية، فعدا عن تجربة التهجير وفقْدِ الوطن وحياة اللجوء، شهد أيضًا الحروب والصراعات التي مرّ بها لبنان على مدى العقود الماضية، وتعرض هو نفسه عام 1987 لاعتداء ومحاولة إعدام على أيدي مليشيات لبنانية، وفي حادثة الاعتداء هذه، تحطم زجاج نظارته ليصيب عينيه ما تسبب في تدمير الشبكية.

هذه الحادثة التي تسببت في أن يفقد توفيق عبد العال بصره تدريجيًا فيما بعد، أسدلت الستار على ثلاثين عامًا من مسيرة الفنان التشكيلية، ليجد بعدها في الكتابة والشعر عالمًا إبداعيًا بديلًا عن الرسم والتصوير يستكمل به مسيرته الإبداعية، فكتب عشرات القصائد والخواطر التي يمكن اعتبارها بحقّ تعبيرًا أدبيًا عن تجربة عبد العال البصرية، بل هي استمرارية لهذه التجربة بأدوات جديدة استمدّها الفنان من عالم الشعر والأدب.

يتعرض هذا المقال إلى محاور رئيسية في مسيرة عبد العال الفنية، وهي: المرحلة الزرقاء التي تمثل رؤيته البصرية للذاكرة حول الوطن الأول ــ عكّا، والمرأة ــ كأيقونة متعددة الدلالات تختزل الهوية بزخمها وتنوّعها، والثورة، وأخيرًا التجريد والصوفية.

 

المرحلة الزرقاء ــ الهويّة الأولى

المرحلة الزرقاء عند توفيق عبد العال هي التعبير البصريّ المعرفي عن "ذاكرة المكان" التي سرّها عكّا البحرُ والشاطئُ والبيتُ والزقاق، وهي الوطن المفقود الذي حاول الفنان استكمال استكشافه وبناء العلاقة معه عبر جبال وينابيع برجا وميناء طرابلس ومختلف الأمكنة في لبنان ــ كوطن بديلٍ في المنفى، ساعده في ذلك التشابه الكبير بين الطبيعة في كل من فلسطين ولبنان. وفي الأعمال من هذه المرحلة عناصر بصرية تتكرر ضمن حالات وتراكيب لونيّة مختلفة، وتأتي كمعالجة تشكيلية تحتفي بمشاهد الصيد المختزلة في الذاكرة حول عكا.

في لوحة "أحلام الصياد" (1966)، يسيطر الأزرق على العمل الذي يتراوح بين سريالية الحلم وتعبيرية اللون والانفعال، وهو كذلك أقرب إلى تكوين زخرفي لوني يخلق نظامه الخاص والعلاقات بين العناصر البصرية التي يتضمنها؛ ففي مركز اللوحة تحضر شباك الصيادين وسط الأزرق كمساحة زاهية من الأبيض الذي تتخلله ضربات شفافة من الأصفر والبني والأزرق السماوي، في حين يتحول كل من السمكة والقارب إلى وحدتيْن زخرفيّتيْن على جانبيْ اللوحة، وفي القسم العلوي يشقّ الفضاء الأزرق تكوين لونيّ يعتليه قمرٌ شفّاف. "أحلام الصياد" هي المرادف البصري لعكّا التي أصبحت في المنفى حلمًا بعيد المنال.

زرقة البحر والسماء، وقوارب توفيق عبد العال، والأسماك الملونة، والصيادون وشباكهم، والزخارف، والتأرجح بين النور والظل والزرقة والألوان الزاهية، كلها حروف تشكيلية وأدوات أراد الفنان الإشارة بها الى اسم ووطن واحد هو "عكا"، موظِّفًا في هذه المعالجة التشكيلية للمكان والوطن المفقود مختلفَ الأساليب الفنية ودامجًا بينها، ما يجعل المرحلة الزرقاء عصيّة على أن تُنْسَب لأسلوب فنيّ واحد، فهي تنتمي لأسلوب الفنان وحده، ولإحساسه ورؤيته للعلاقة بين الألوان والانفعال، وبين الضوء والظل في اللوحة وفي الذاكرة، وبين التكوينات على القماش وفي طبقات الذات.

 

المرأة ـ أيقونة للجمال والهوية

تحضر المرأة في أعمال توفيق عبد العال في حالات عدة تختزل في مجملها دلالات كثيرة تشير إلى الذات، الجسد، الوطن، الأرض، الثورة، والحب، والحرية. ويرى الناقد خليل صفية أن حضور المرأة في أعمال عبد العال رمزيّ، بل هي الرمز الأساسي عنده، بالإضافة إلى الحصان وعناصر أخرى استوحاها عبد العال من الإرث المكاني والثقافي. وإذا كانت المرأة في مجموعة من أعماله، قد ارتدت الزي الفلسطيني، واكتست بألوان المشهد الطبيعي في فلسطين وتماهت معه، فإنها تحضر في الكثير من اللوحات الأخرى أنثى طاغية الحضور، يقلقها العشق والانتظار، في حين يبقى جسدها موضوعًا للجمال والتأمل.

حتى في أعماله الزيتية التي تصور الجسد الأنثى عاريًا، لم يبتعد توفيق عبد العال عن جدليّة العلاقة بين الجسد ــ الأرض ــ الذاكرة في تمثيل رؤيته المعرفيّة للمرأة؛ ففي سنوات طفولته في عكّا، كان مسموحًا للأطفال بمرافقة النساء إلى حمام الباشا، وهو ــ كما يروي علي خلف ــ الحمام الشرقي المشهور بقبابه المزينة بالزجاج المطعّم، وأباريقه النحاسية وداوشقه وشدروانه الدائري، وقد استمدت عشرات اللوحات موضوعها من هذا الحمام.

الجسد في أعمال أخرى حاضر بقوة وثقل، بألوانٍ أقرب إلى طين الأرض، وبخطوطه وانحناءاته الحادة والبارزة، في حالات من الانتظار والعشق والعناق والشبق، والملل والانكسار أيضًا. وبينما كانت المرأة استعارة للوطن والأرض في أعمال الرواد، وتظهر ــ غالبًا ــ بغطاء الرأس وبالزي التقليدي الطويل، ما جاء على حساب صورة المرأة ــ كإنسان وأنثى وجسد، فإن توفيق عبد العال أظهر جرأة مبكرة في تصوير المرأة مُبْرِزًا أنوثتها وإنسانيّتها ومختلف حالاتها بقوتها وضعفها، وفي ذات الوقت، فإنه وعلى الرغم من عريّ الجسد إلا أن العلاقة مع الأرض حاضرة أيضًا، فالأنثى في هذه الأعمال هي الوطن المفقود والمرتجى.

في أعمال توفيق عبد العال التخطيطية، تنفتح صورة المرأة في مخيّلة الفنان على عالم فانتازي مزخرفٍ ومكتظٍّ بالمعاني ما يفتح الباب على تعدد التأويلات لرمزية الأنثى في رسوماته؛ وظلت المرأة موضوع مسيطرًا لدى عبد العال حتى في مجموعة من الأعمال النحتية التي نفذها بالخشب في الفترة ما بين أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، التي يُظهِر فيها تأثرًا بفنون النحت في حضارات الشرق القديمة. تطلّ المرأة في معظم هذه الأعمال كتكوين هندسي طولي وكأيقونة تختزل في رمزيّتها المجردة فسيفساء الهوية التي تستمد وجودها من إرثها الثقافي والحضاري والوطني والشعبي؛ في عمل بعنوان "العذراء والولادة"، يظهر في داخل الجسد وأسفل الصدر تكوينٌ لطفل، إذ يستعير الفنان الأيقونة المريميّة لتمثيل المرأة الفلسطينية التي تحمل بداخلها البشارة ــ الحياة. وهو يوظف أيضًا صورة عشتار، إلهة الحب والخصب والحرب عند شعوب المشرق العربي القديم، من خلال التركيز على إظهار أعضاء الحياة والخصوبة، ما تشير إليه دائرتان بارزتان في أعلى الجسد تمثلان الصدر، ومثلث بين تكوينات دائرية ونصف دائرية في جزئه السفلي؛ تنطوي هذه المنحوتة على مقاربة بين التاريخ والحاضر، بين آلام العذراء والمسيح ومأساة المرأة الفلسطينية التي تكلّلُ ولادتَها الأطفالَ احتمالاتُ استشهادهم. وعلى الرغم من الشكل الهندسي والطولي المستقيم الذي اتخذته معظم هذه المنحوتات، إلا أنها استوعبت في تكويناتها الأشكالَ الدائرية والانحناءات التي تشير كلها إلى ما يرتبط بالمرأة من رقةٍ وجمالٍ وخصوبةٍ وحُنوٍّ وأمومة.

 

الثورة ـ فرسٌ وصبّار

ظلت الثورة أملًا وبشرى في الكثير من أعمال توفيق عبد العال، التي تبدو أنها تعالج مواضيع أخرى من تلك التي سبق الحديث عنها؛ ففي أعماله المستلهمة من شاطئ عكا والريف الفلسطيني لم تُخْفِ رومانسيةُ الحنينِ إلى الوطن­ المفقود رغبةً ملحّةً في استعادته، وكذلك فإن أعماله حول الأمومة بالعلاقة مع مجزرة تل الزعتر، وأعماله حول المرأة عامةً، انطوت على إشارات واضحة إلى معاني التمرد والاحتجاج والثورة على الواقع.

تصور لوحة "الانطلاقة" (1973)، موقف الفنان المُعلَن بصريًا تجاه قضيته وما يرتبط بها من أحداث تاريخية عاصرها؛ وهو موقف الثائر أو الداعي بصراحةٍ إلى الثورة وتجديدِ الثورة: الحصانُ الأبيض المُصوَّر بشفافية لونية في فضاء من الأزرق السماوي، ورأسه المرتفعة نحو السماء بما يوحي بالصهيل، ورشاقة الجسد ووضعيته التي تحيل إلى الاستعداد والتأهب، والسلاسل التي تقيد إحدى قدميه، بينما الأخرى تلتصق بتكوين دائري أحمر اللون وأشبه بكرة اللهب، كل هذه العناصر هي إشارات بصرية تختزل دلالات زمنية تشير إلى لحظة ما قبل الانطلاق، أو الصراخ، أو التحليق والطيران، أو الصهيل بأغنية للحرية. فحركة الرأس المرتفعة نحو السماء هي الصرخة الثورية المرتقبة، وشفافية الجسد هي المرادف للنقاء الثوري المجرّد من أية شوائب أو مطامع، فلا أهداف للثورة سوى استعادة الحقوق وتصحيح المسار. ورشاقة الجسد كذلك هي إشارة إلى الخفّة وسرعة الحركة التي يتطلبها العمل الثوري، أما السلاسل فتحيل إلى القيود التي تمنع أية ثورة من الانطلاق، بينما ترمز الكرة الحمراء إلى الثورة التي تشتعل ككرةٍ من لهب، وربما هي إشارة إلى الدم ــ أو لعبة الدم ــ التي يمارسها المستعمرون والطغاة لكبح جماح الثورة، وقدرة الحصان ــ الثورة وثوّارها ــ على الخوض فيها بهدف التحرر. كما يستلهم الفنان في تصويره للحصان ــ سواء في هذه اللوحة أو في أعمال أخرى موضوعها الحصان كرمزٍ للثورة ــ من صفاتِ الخيول العربية، ومن بينها صِغَر حجم الرأس، وطول العنق، وطول شعر الذيل وارتفاعه عند ملاقاة العدو، ما يجعل اللوحة تحتمل دلالات تشير إلى ثورةٍ عربيةٍ شاملة، أو إلى ترقّبٍ أو دعوةٍ أو توقّعٍ لهذه الثورة الشاملة.

أخيرًا، كثيرًا ما قام توفيق عبد العال بتوظيف نبتة الصبّار في أعماله كرمز دالٍ على الصمود والمقاومة والثورة، فمن بين مجموعة أعماله في الطبيعة الصامتة التي لم تُعرض من قبل، ويصور فيها ورودًا وأزهارًا موضوعة في مزهريّات، لوحةٌ تمثل نبتة الصبّار موضوعة في أصيص كُتب عليه الرقم "65". وحضر الصبّار كذلك في الكثير من أعماله حول المكان وفي رسوماته بالحبر الصيني، وهو الرمز الذي اتخذه العديد من الفنانين الفلسطينيين لتمثيل رؤيتهم للهوية الفلسطينية بعد النكبة، وأبرزهم الفنان الراحل عاصم أبو شقرة من مدينة أم الفحم (1961 – 1990). إن اللوحة الوحيدة التي تركها توفيق عبد العال، التي تمثل صبارًا في أصيص، تثير الدهشة بالفعل أمام هذا التخاطر المعرفي ــ البصري بين فنانيْن من جيل ما بعد النكبة رسم كل منهما النبتة ذاتها موضوعة في أصيص، فقد رسم عاصم أبو شقرة في عقد الثمانينيات العديد من اللوحات التي تمثل نبات الصبار موضوعًا في أُصُص، وأُخضعت أعماله هذه لقراءات نقدية إسرائيلية لم تخرج من دائرة الأيديولوجيا والرؤية الصهيونيتيْن للفلسطيني ولمسألة اقتلاعه من أرضه واحتلالها، إذًا، نحن هنا أمام فنانيْن، أحدهما من فلسطين المحتلة عام 1948، والآخر كان يقيم في المنفى، من الصعوبة التوقع بأنهما قد التقيا أو بأن أيًّا منهما قد اطلع على أعمال الآخر، رسما الرمز ذاته بالطريقة ذاتها، فالصبار لم يعرفه الفلسطيني كنبات منزليّ يُزرع في الأصص بل كنبات برّي ينمو ويمتد في الريف.

فتح صبّار عاصم أبو شقرة الباب أمام النقّاد الإسرائيليين باتجاه محاولة أسرلة الرمز بِرَدِّهِ إلى الثقافة الإسرائيلية، ودافع نقّاد فلسطينيون في المقابل عن فلسطينية الرمز وتجذّره في الثقافة العربية، وعن دلالاته التي تختزل معاني القدرة على التحمل والصمود والبقاء رغم قسوة الظروف. في المقابل، فإن صبّار توفيق عبد العال ــ الذي صوّره في الستينيات أي هو سابق على صبّار عاصم أبو شقرة بعقديْن من الزمن ــ يرمز بلا أي شك إلى هذه المعاني التي تمثل قوة الفلسطيني وقدرته على الحفاظ على الوجود والهوية رغم التهجير والشتات من ناحية، ومحاولات أسرلة المكان والهوية من جهة ثانية. فالرقم "65" المرافق لصبّار عبد العال يشير إلى تاريخ انطلاقة الثورة الفلسطينية في الأول من كانون الثاني/ يناير عام 1965، وذلك بعد تنفيذ عملية عيلبون ــ أول عملية فدائية قامت بها المقاومة الفلسطينية[1]. وبذلك يؤرخ عبد العال لهذا الفجر الثوري الفلسطيني عبر عنونة الهوية الفلسطينية صبّارًا قادرًا على البقاء والإثمار والتفتّح بالزهر رغم الاقتلاع من الأرض، فالهوية بذلك هي طبيعة صبّارية ليست صامتة أو ساكنة.


الصوفيّة والتجريد ــ الملاذ الأخير

كان التجريد بدايةً ونهايةً في مسيرة الفنان توفيق عبد العال، حيث رسم خلال عقد الستينيات لوحات اقترب فيها من التجريدية بشكل كبير، وهو ما يشير إليه ناصر السومي في سياق حديثه حول الفنان وحول العلاقة بين الفن والقضية في أعمالهما. ثم خلال الثمانينيات، وبعد أن خاض عبد العال في كافة طبقات الذات التي تشكلت في المنفى، واستمدّت معرفتها الأولى من ذاكرة الحنين إلى شواطئ عكّا وريف فلسطين وبيوتها وقراها وصبّارها، واستلهمت من الأنثى ما فتح العوالم البصرية للفنان على تمثيل أوسع للرؤية المعرفية ــ التشكيلية للوطن والمنفى والهوية والأرض والأمومة والخصوبة والعشق، وانطلقت تبشر بالثورة والهزيمة معًا، وبالسلام المنكسر والفارس الجريح، بعد كل هذا، كان لا بدّ من خاتمة تشكيلية تنفتح على الكونيّ وعلى رؤية تصالحية مع الهوية بكل أزماتها والوجود بكل أضداده وتناقضاته، وكأن فناننا في النصف الأول من الثمانينيات كان يدرك أنه على وشك إسدال الستار على مسيرته الفنية، فترك مجموعة من الأعمال في هذه الفترة تنضم إلى مجموعته التجريدية في الستينيات، لتشكل جميعها المرحلة الصوفيّة في مسيرته.

يختم عبد العال مسيرته التشكيلية بأعمال اقترب فيها بشكل أكبر من التجريد المعرفيّ والبصري؛ تصور لوحة بعنوان "بوابة الحياة"، (1986)، بابًا مقوّسًا مغلقًا وإلى جانبه تكوين أشبه بشجرة تظلّله، تختزل اللوحة، بعنوانها، وموضوعها، وأسلوبها التجريدي، دلالات تشير إلى الأسئلة المحيطة بالحياة وما يلفّها من غموض ومجهول وأضداد وتناقضات، وكذلك هي المعرفة التي لا سبيل إليها إلا بالدخول عبر بوابة الحياة. أما لوحته "يعدو نحو النور"، فيمكن اعتبارها سيرة ذاتية بصرية للفنان وتمثيلًا تجريديًا لمسيرته التي بدأها من الذاكرةِ المنتميةِ للأزرق في عكّا، وواصلها أزمةً تلو أزمةٍ يراكمُ الخبرات بخطىً تعدو نحو الخلاص ــ النور ــ المعرفة. عام (1990)، وبعد أن فقد توفيق عبد العال قدرته على الرؤية، أعاد رسم لوحة "يعدو نحو النور" بتقنية السكين، وبينما اختفى الأزرق هذه المرة، بقي الشخص مواصلًا مسيرَهُ محاولًا الانفلات من ضيق الأمكنة والهويات، مسرعًا نحو النور، ونحو أزرقٍ كونيٍّ لا يُدرك ولا يُرى إلا بعينٍ قلبيّة.

* هذا المقال مستخلص من دراسة مطوّلة أعدّتها الكاتبة حول الفنان توفيق عبد العال تُنشر قريبًا.

بلطف عن ضفة ثالثة

 

 







 

  جديد الاخبار في موقع عكا نت

التعليقات : (التعقيبات‭ ‬على‭ ‬مسؤولية‭ ‬المعقب‭ ‬ولا‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬راي‭ ‬ادارة‭ ‬الموقع)

اضف تعليق
 

الاسم

 

 البلد

 

  التعليق

 

 

دليل عكا نت

ستائر وديكور دلال
عكا - ديرخ هاربعاه 20
وسيم: 0522697892

مطابخ جانيرو
يركا - المنطقة الصناعية
04-9561902

كراج حسين حتحوت מוסך השלושה
04-9915626
عكا، المنطقة الصناعية

مصطفى تيتي
عكا - مكتب حسابات
04-9918242

موقع عكانت
نصف مليون مشاهده
0505649618

البريد الالكتروني لموقع عكانت
------------------
akkanet.net@gmail.com

للاعلان في موقع عكانت
آلاف المتصفحين يوميا
0505649618

مطعم المرسى
عكا القديمة - ميناء الصيادين
04-9019281

البريد الالكتروني لموقع عكانت
------------------
akkanet.net@gmail.com

موقع عكانت أفضل وسيلة للاعلان
أفضل وسيلة اعلان دائما
0505649618

اعلان لمدة سنة
فقط 1 ش.ج
0505649618

واتس اب موقع عكانت
واتس اب موقع عكانت
0505649618

فقط 1 ش.ج
للاعلان في دليل عكانت
0505649618

منير قزموز
مكتب للتصميم الغرافي والاعلان
0505649618

للاعلان في الفيس بوك عكانت
اكثر من مئة الف متابع
0505649618

الاعلان على مسؤولية المعلن ، ولا يعبر عن رأي ادارة الموقع