2020/02/24
www.akkanet.net

 
       
     
 

الصفـحة الرئـيسـية

وعاد الحصان وحيدا... بقلم: إيمان بكر حمدان شفاعمرو

وعاد الحصان وحيدا... بقلم: إيمان بكر حمدان شفاعمرو

 2020-01-06 10:45:17 :  آخر تحديث   l   عكانت  

 

وعاد الحصان وحيدا..

مهداة إلى روح الشهيد عادل خطيب

شهيد الحب الراحل عن قاموسنا وأجندتنا.

  

على هامش الحكاية

هذه حكاية خرافية، لا يمكن أن تحدث في واقعنا..لذلك فهي لن تعتذر من القلوب الهشة، فهذه كذلك لا تسكن في ذات الواقع..

  

هو الليل الأخير، ليل انتحرت نجومه حين سقط فيه القمر وانطمس في وحل أرضنا مهزوما..زلزلني سقوطه فانزلقت من تزاحم الروتين ، وهويت في غياهب العدم..

وقفت كعادتي، شبحا واجما في ساديّة الظلام، منتظرة عودة فارسي الأسمر،أرتعش خلف نافذتي الملونة..لقد تأخر عن موعده اليومي، تاركا ضجيج النهارات المشرقة يقتحم زوايا الذاكرة النازفة، ويلدغها بسمّه الذي يقتل ولا يميت.

فارسي العالي، يركض مصطنعا السرعة أمام شقيقتيه،بعد أن ربط ضفيرتيهما معا، فاشتبكتا قسرا، واجتمعتا عليه، ركضتا وراءه فتعثرتا، فانقلب أمامهما، نخلة ركعت لتقبل جبهتي حبيبتين قد احتواهما يوما ،ذات رحم احتواه قبلهما..

تضج رائحة الثوم والليمون،تعانق جدران البيت،راقصة رقصتها المغرية فوق مائدتنا الصغيرة الدافئة، أركض لأتأكد من خلعهم أحذيتهم عند العتبة..متوسوسة من بقايا تلوث كريهة احتلت خطواتهم لتخترق بيتي..يواصلون ركضهم متسابقين نحو غسل الأيدي،قبل اجتياح المائدة،لتتناقل رغيفا، يمرّ بين أصابعهم إصبعا إصبعا، تقتطع كل يد قطعة ،تنغمس الأصابع الناعمة في الصحن الساخن الرابض وسط مائدتنا.. تتجنب الأصابع جميعها قطع الثوم،وتكثف من عصر الليمون..

يتزاحمون على الكراسي وكأنها لن تكفيهم،تضيق بهم الطاولة،تتذمر صغراهن : " ابعد قدمك الطويلة عن قدمي"، يقرص وجنتها مداعبا.. تبكي، أرفع سبابتي قبل صوتي مصدرة ألف حكم ووعيد.. أحكام وشرائع باهتة سرعان ما تُنسى.. حين تنزوي الصغيرتان على ركبتيه مشدوهتين نحو شاشة هاتفه..تضحك العيون ، تعبس ، تصاب بالذعر معا..تدغدغني ضحكاتهم التي تزلزل حجارة البيت وترفعه..ليصير قلعة فرح..

اعتدت عند المغيب أن أنتظر عودته ، أزيح الستار خلسة عن نافذتي الملونة،أترقب عودته لأنتشي بهامته العالية فوق سرج فرسه البيضاء " رماح"،مباهيا الريح بشموخه ،تعدو الفرس ، فتتسلق غرة الغالي أدراج السماء..تلمع مبعثرة حول نسيج الشمس تنسكب ملء حريرها..حوافر الحصان تعزف ،وغرته ترقص فيضوع شذى الصباحات المتألقة.. لحنا جديدا للحياة..

أه كم كنت سريع النمو كسنبلة امتلأت ومالت ،وتذهّبت، وحُصدَت بلمحة عيني المركونة خلف ستارة النافذة الملونة.صار عاشقا ومعشوقا..وكيف لا تتهافت العاشقات على الفوز بقلبه، وبنظرته المتدفقة نورا، وعطرا؟ يضيع الضوء المنسكب من لوزتين رابضتين على قمتي وجنتين سمراوين رقيقتين،تكاد عظمتاهما تثبان لتقبلا خصلات تدلت من فوق الناصية العالية، متموجات كذيل فرس طليقة،كلما تنهّد أو تكبر..وينتشر عطر حكاية لا تنتهي.. بل ها هي تنهي..

وأتكوم حطاما بعيدا عن النافذة، متوسطة الصالة ،حانية الرأس فوق نعشك الأخضر، أبحث عن كلام في عينيك المفتوحتين،أحاول استحواذ نظرتك الصامتة، علّها تشتعل، لكن نساء الكون تزاحمنني وتسترقن الدمع على أحباب لهن ، منتهزات حضور موتك وموتي.. لإحياء مواسم أحزانهن..

أغمر وجهي في زجاج وجهك باحثة عن شذرات رائحة قديمة لأودعها، تضيع من حواسي العطور.. تذوي كأعقاب شمعة استنفدت فتيلها قبل أوانه. فبقي الشمع البليد على حاله لم يحترق ولم يبدد ظلاما..

ما أقساك من قدر! لو تركتني أعانق عينيه قبل أن يأفل بريقهما، لأدوخ وأنتهي..لماذا لم تمنحني نظرة ألفت أبجديتها بلا برد..؟

نظرته الأخيرة من زجاج تحطم على قلبي، ليذبحه مرارا دون أن يميته، ثم ترك القلب الممزق يحتضر طويلا..وتبخر كأثير نادر..

قلبي الذي سهر محموما رغم برد كانون،واجما خلف نافذة فقدت ألوانها، حتى تأرجح حضور الشمس مستحيا،لأنه لم يحملك على راحتيه الدافئتين،تسمر القلب، لم أتحرك حتى رحلت الشمس مجددا، وتركت لحاف الليل يواصل طعن القلب المحتضر.. خجل الليل وأغمض عينيه لئلا تطاله أصابعي المرتعشة وهي تحطم ألوان الزجاج بعد أن أرهقتني بلادة صمته..ورحل ليل آخر ، وحل غريمه الصبح خاوي الوفاض مجددا، بل ها هو يحملك إلي نعشا، بعد أن نمتَ طويلا دون أن تغفوَ، أو يغمض لك جفن،وتركتَ سريرك الوثير الذي هيأته لك بالدفء والفل.وحرير الوسائد، لئلا تنخدش وجنتيك أو ينكسر المخمل المتدفق من أعلى ناصيتك على سريرك كنت أربي لك الأحلام عل مهلي ،وأجود في ريها ،أشذب ما جف من فروع الأمل وما شحب من أوراق التفاؤل ..من أين كنت أقطف تفاؤلي وألقمك إياه؟..كم من العدل كان يحتاج عالمنا كي يدعك تنام ورأسك على وسادتي هذه ،وليس على وسائد الصخر ..؟ سدى، أعددت لك طقوس حلم مقمر، ثمره شجر من الحب والفرح..بخوره شذى اعتاد أن يضوع من ثنايا وسادة تحتضن رأسك، تتبعثر فوقها خصلات الحرير الفاحم لتكسر نقاء الفل المنثور تحتها،فتتشكل لوحتي الأصيلة من الأبيض والأسود، تزهر أيامي وينفجر ربيعها نبع ابتسامات...لم أخله سينضب يوما..

من هؤلاء الجالسات بيني وبينك،يشاركنني نظرتي الأخيرة المقدسة؟يخترقن احتضان يدي ليديك الغائبتين تحت ثوبك الأبيض..

كنت سأَعد أزرار قميصك زرا زرا يوم تخرجك ومع كل زر دعوة، ها هي الأزرار تنام صامتة في صف عيون محملقة، توسط الثوب المكوي المركون فوق صدرك.. دون أن تحتوي ياقته المنتصبة عنق غزالي .

لم انتبه أن الشوق إلى احتضان أصابعك سيقتلني يوما،كنت ارتشفتها إصبعا إصبعا، قبل أن تذبح وهي تقاوم سكين القتلة المغروس في قلبك... كانت أصابعك الطرية تشد السكين تحاول منعهم من اقتلاعه وغرسه مجددا في الصميم ،وكانت محاولاتك تخيب والسكين يتجول وَغْدا بين قلبك وأصابعك ،فتذبح ألف مرة..

ليتني لم أقلم أظافرك بالأمس،كنتَ تمكنتَ من خدش تراب جاف يدّعي أنه قبرك..

أي برد احتواك يا حبيبي وأنت تتوق للتقلب، أنت الذي لا تخلد إلى حلمك، إلا وأنت تتخذ انحناءة على جانبك الأيمن.. وقد ألقوك على ظهرك، سمعت عظام ظهرك تصطك بالصخر والحصى.ولمحت في بحر الدم أظافرك تغوص في الوحل ، الفراش ضيق، وأصابعك بعيدة عن قلبك المتدفق مبلِلا صمت التراب، بعد تشرين ناشف .. وغرتك تنام فوق عينيك تحجب الضوء والأكسجين، أما عيناك ، نافذتي إلى الفرخ، فقد كانتا مصوبتين نحو بصيص الضوء الأخير . وكان كانون المترجل على عجل قد جاء بالمطر، وأنت ترهف السمع لوقع تدفقه ظانّا أنها خطوات أبيك جاء ليحملك إلى البيت.. لم تستطع شفاهك أن تصرخ أو أن تهمس: "يابا هياني هون، تحت اجريك"..

أعادك الغرباء إلي، بعينين صامتتين، بشرتك خمرية كما كانت،أنفك الرقيق ينام تحت عينين من وجع وصمت غادرهما الدمع والفرح..

بحثت عنك فيك.. لم تكن هناك..

ثم رفعوك يا شيخ الشباب على الأكتاف.. في صندوق.. وهربوا قبل أن أحنّي كفيك، أو حتى أحتفل بتخريجك..سارقين ماضيّ وحاضري وغدي..

مضوا واحدا تلو الآخر . وحدي بقيت والنافذة..

اقتلعوك مني ولم أقاوم، وهل تقاوم شجرة اللوز أيدي الغاصبين وهي تقطف زهرها ؟

هل تصرخ بهم:" زهر اللوز شمّه على إمّه!" ..دعوه ينمو ويخضر ويجف مخمله، فيصلب وينتصب، ويخمش قاطفه..

قطفوك فحرموا الكون كله من عطر زهر اللوز وسحره..ومن أشهى الثمار ..

ستصمت الألسن قليلا عن الثرثرة، ستصغي لأقاصيص من وهم ، ستروي قصصا محكمة الحبك عن حياتي.. سيصدقون ما رووا وينسون ما رأوا..سيصورون مشهد وداعنا منتهكين حرمة خلوتنا الأخيرة ، مخترقين غبش عيوني وهي تودع بقايا ذكرى لحرير منسكب فوق الجبين، وذراعين تحتضنان الريح شامخة تارة ،هابطة تارة وهي "تتروس" حلقة دبكة فتلهبها..وتشعل المدى حياة وصخبا..

سينهشون تفاصيلي وملامحي،ودمعي، إن جف، ويتداولونها مع أصدقاء افتراضيين ،لا يشمون رائحة العبارات ،لا يحرقهم بريق الصوت أو حشرجته، سيصورون رأسي عندما سقط فوق النعش متعربشا حول رائحة افتراضية حانت لي على غفلة..وما كانت إلا وهما.

ستتشح مدينتك بالسواد..وسيضيء زملاؤك في المدرسة الشموع.وسيقف المدير ، ويشيد بأخلاقك وخصالك النبيلة، سينتبه في خطابه إلى غيابك، وهو الذي لم يكن يفرق في الأيام العادية بين حضورك أو غيابك.. وسيصفق له الجمهور،وتشكره الصحافة الورقية والألكترونية،على رقة كلماته وعلى حزنه،وعلى وقفته...

لن يذكر أحد أنك كنت من المسببين للخزي الذي كشفته نتائج امتحانات "البيزا"..وأن انتزاع اسمك من قائمة الممتحنين كان سيعود بالمجد على المظهر العام لوزارة التربية والتعليم، وقد يرفع النتائج المعيبة قليلا،لأنك كنت تتأتئ في الامتحان..!

ستزور معلماتك قبرك الطري،وتبكيك معلمة لم تعلمك،وستشكر الله أنها لم تكن تعرفك، ثم تعود إلى بيتها لتحضن أولادها طويلا، ستخبر طلابها حرفيا بأنها تحبهم وتخاف عليهم ، وستطلب منهم أن ينطقوا كلمة " أحبّ" قبل أن تنقرض ،ستتلو مربية صفك التي أحبتك الفاتحة على قبرك، بعد أن اعتادت أن تتلو قائمة أسماء يتوسطها اسمك ، وتبحث عنك حين لا تسمع صوتك يهتف " حاضر" وستسكب الماء لتروي الحبق المنثور فوق مخدعك الأخير ..سترفع أخرى يمينها في إشارة الصليب، وتسكب دمعة..

ستتسلل فتاتك خلسة عندما يذهب الجميع ، وتجهش في البكاء أمام الضريح.. ولن يحاسبها أحد على جريمة الحب..

سيدافع عن قاتلك أدهى المرافعين ، وسيمنع نشر التفاصيل ،ومع ذلك ستنتشر كمنشار مجنون..

عند النعاس سيأوون جميعا إلى الفراش،إلا أنا وأنت و " ورماح"..

سيرافقني صفير الريح المتسللة من ثقوب زجاج غابت ألوانه..ستعود ، يا صغيري، فرسك "رماح"، هزيلة لا سرج ولا فارس، ستحرك ذيلها وينحني جسدها النحيل ،مطرقة رأسها، لتنهمر دموعها فوق شظايا الانتظار الغائرة في الوحل.

إيمان بكر حمدان شفاعمرو

 

 

  جديد الاخبار في موقع عكا نت

التعليقات : (التعقيبات‭ ‬على‭ ‬مسؤولية‭ ‬المعقب‭ ‬ولا‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬راي‭ ‬ادارة‭ ‬الموقع)

  • رائعه باحساسك وقمه روعه كلامه رائعه بكل معنى الكلمه جميل ومعبر شكرا جزيلاً

  • مؤثر ومؤلم جدا جدا ، رائعة من خطت هذه الكلمات .. معبرة عن مأساة وواقع مؤلم يعيشه الوسط العربي .

  • فعلا قصة من نسج الخيال ..لا يمكن لعاقل ان يصدقها ..تفاصيل كما لو انها وهم مبالغ في احداثه...معلمة ايمان انت انسانة رائعة وتأثرك بمقتل ابننا عادل رحمه الله رحمه واسعة واضح ومحسوس بمفرداتك العميقة وما تعكسه من مشاهد تدمي القلب ...نسال الله له الرحمه ولكل من افتقده الصبر والسلوان ان شاء الله..

  •  

    دليل عكا نت

    ستائر وديكور دلال
    عكا - ديرخ هاربعاه 20
    وسيم: 0522697892

    مطابخ جانيرو
    يركا - المنطقة الصناعية
    04-9561902

    كراج حسين حتحوت מוסך השלושה
    04-9915626
    عكا، المنطقة الصناعية

    مصطفى تيتي
    عكا - مكتب حسابات
    04-9918242

    موقع عكانت
    نصف مليون مشاهده
    0505649618

    البريد الالكتروني لموقع عكانت
    ------------------
    akkanet.net@gmail.com

    للاعلان في موقع عكانت
    آلاف المتصفحين يوميا
    0505649618

    البريد الالكتروني لموقع عكانت
    ------------------
    akkanet.net@gmail.com

    موقع عكانت أفضل وسيلة للاعلان
    أفضل وسيلة اعلان دائما
    0505649618

    اعلان لمدة سنة
    فقط 1 ش.ج
    0505649618

    واتس اب موقع عكانت
    واتس اب موقع عكانت
    0505649618

    فقط 1 ش.ج
    للاعلان في دليل عكانت
    0505649618

    منير قزموز
    مكتب للتصميم الغرافي والاعلان
    0505649618

    للاعلان في الفيس بوك عكانت
    اكثر من مئة الف متابع
    0505649618

    الاعلان على مسؤولية المعلن ، ولا يعبر عن رأي ادارة الموقع