هل يفلت قادة الكيان من العقاب؟… بقلم: حسن عبادي

هل يفلت قادة الكيان من العقاب؟

حسن عبادي/ حيفا

واكبت في حينه بحكم كوني مستشاراً قانونياً في أمنستي- منظمة العفو الدولية- إقامة محكمة الجنايات الدولية ICC (نظام روما الأساسي الذي اعتمد عام 1998 ودخل حيز التنفيذ في تموز 2002 وانضمت إليها 124 دولة) لمحاكمة مجرمي الحرب من الأفراد الذين يتورطون في المشاركة بارتكاب إحدى الجرائم الأربع الأساسية التي تدخل تحت ولاية المحكمة: جريمة الإبادة الجماعية، وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان. (خلافاً لمحكمة العدل الدوليةICJ ؛ الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة. وتتولى المحكمة الفصل في النزاعات القانونية التي تنشأ بين الدول، وتقديم آراء استشارية بشأن المسائل القانونية التي تُقدّم إليها).

تجري المحاكمة في حال فشل النظام القضائي الداخلي لدولة المجرم/ المتهم من محاكمته محاكمة عادلة في بلده، أو في حال عدم توفر النية من قبل سلطات الدولة المعنية بمحاكمة من ارتكبوا مثل هذه الجرائم، وهذا ما نلمسه جلياً لدى الكيان، رغم الانتهاكات الجسيمة في غزة، وحتى ما يجري في الضفة الغربية من قبل المستوطنين، لا يجري التحقيق فيها، أو مقاضاة المجرمين، بل العكس تماماً، نشاهد أن قادة الكيان يشجّعون القيام بتلك الجرائم وينادون علناً بالتجويع ومنع المساعدات والإغاثة والإبادة ويتباهون بها جهاراً.

طلب مؤخراً المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان (محام بريطاني متخصص في القانون الجنائي الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان) إصدار أوامر اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالانت نظراً لكونهما “يتحملان المسؤولية الجنائية عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبت في قطاع غزة” خلال الحرب الإسرائيلية المتواصلة على القطاع منذ 8 شهور” على حد قوله.

من الاطلاع على طلب الاعتقال نرى أنّه يشمل جرائم الحرب، ينسبها المدّعي العام خان لنتنياهو وغالانت، وتجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب، وتعمد إحداث معاناة شديدة، أو إلحاق أذى خطير بالجسم أو بالصحة، والقتل العمد أو القتل، وتعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين. أما الجرائم ضد الإنسانية فتشمل الإبادة و/ أو القتل العمد بما في ذلك في سياق الموت الناجم عن التجويع، والاضطهاد، وأفعال لا إنسانية أخرى ومنها حرمان السكان الغزيّين من مياه الشرب، ومن الكهرباء، وتهجير السكان من بيوتهم، وعدم السماح لهم بالعودة إليها، وهدم المستشفيات.

تلك الجرائم ارتكبت في إطار نزاع مسلح دولي بين إسرائيل وفلسطين، وتعتبر بموجب القانون الدولي جرائم ضد الإنسانية تم ارتكابها في إطار هجوم واسع النطاق وممنهج ضد السكان المدنيين الفلسطينيين عملا بسياسة الدولة وقراراتها.

الخطوة العملية القادمة؛ أن يبحث القضاة الأدلة والمستندات التي قدّمت لهم، وفي حالة توصّلهم لقناعة بتوفر أسباب معقولة ومقنعة بالاعتقاد بأن نتنياهو وغالانت ارتكبوا جريمة تدخل في اختصاص المحكمة، وتأكدوا أن المعيار اللازم لإصدار أوامر الاعتقال قد استوفي، فإنهم سيقومون بإصدار مذكرات اعتقال بحقهم.

على مذكّرة الاعتقال، بموجب الدستور، أن تتضمن تفاصيل المشتبه به، ووصف الجريمة المشتبه بالقيام بها، والأسس القانونية التي اعتمدتها المحكمة لإصدارها، وبعدها يتم إرسال أوامر الاعتقال إلى الدول الأطراف في “نظام روما الأساسي” المؤسس للمحكمة الجنائية، وهي 124 دولة، التي تكون ملزمة بالتعاون مع المحكمة لتنفيذ أوامر الاعتقال، مما يتعيّن على نتنياهو وغالانت تجنّب السفر إلى تلك الدول، خشية تعرضهما للاعتقال، حيث يصبح لزاما على جميع الدول الأعضاء في المحكمة القبض على المتهم في حالة دخوله حدود تلك الدول وإحالته إلى لاهاي لاستكمال محاكمته.

من الجدير بالذكر أنّ المحكمة لا تملك القوّة الفعليّة والعملية لتنفيذ قرار الاعتقال، ويعتمد الأمر على تعاون الدول الأعضاء، والدولة التي تمتنع من تنفيذه تكون عرضة لعقوبات اقتصادية وغيرها.

مما يلفت الانتباه امتناع المدعي العام عن تقديم لوائح اتهام وطلب اعتقال بحق قادة الجيش المتورطين في ارتكاب تلك الجرائم، وهذا من حقّه، ومأخذ يؤخذ عليه.

من الجدير بالذكر أن قضاة المحكمة الجنائية الدولية قد أصدروا في 17 آذار 2023 مذكرة اعتقال بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمفوضة الرئاسية لحقوق الطفل في روسيا ماريا لفوفا- بيلوفا بسبب التهمة التي وجّهت لهما بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بسبب نقل مجموعة من الأطفال (نحو 550 طفلا) من أوكرانيا إلى الأرض الروسية (كانت هذ المذكرة من أسرع المذكرات التي أصدرتها المحكمة، وبعد سنة وأقل من شهر من بدء الحرب على أوكرانيا، لأسباب سياسيّة واضحة) فكان بالحري في حالة قتل عشرات الآلاف من الأطفال والنساء الأبرياء في غزة، وتجويع وتهجير مئات الآلاف من الغزيّين أن يكون أسرع من ذلك.

شاهدنا في السنوات الأخيرة ملاحقة محكمة الجنايات الدولية للأفارقة بالأساس، وامتنعت عن مقاضاة قادة الولايات المتحدة والكيان بسبب جرائم الحرب التي ارتكبوها، وما زالوا يرتكبونها، من قتل وإبادة جماعية وعقوبات جماعية ممنهجة وتجويع متعمد واستهداف للمرافق الصحية والتعليمية وقتل عمال الإغاثة والموظفين الدوليين والصحافيين، وحصار تام وعرقلة وصول المساعدات وتطهير عرقي على مرآى العالم في وضح النهار.

نشاهد مخاوف إسرائيلية من التداعيات التي ستترتب على صدور مذكرات الاعتقال وتشكّل ضربة قاسية لإسرائيل على المستوى الدولي، لهذا شنّت معركة للتصدّي لها بكلّ الوسائل، ومنها محاولة التأثير على قادة الدول الغربية الأعضاء بالمحكمة من أجل منع تنفيذ القرار، والحصول على دعم أمريكي، وتوجيه التهديدات البلطجيّة للمدّعي العام، وفريق عمله، ولقضاة المحكمة. وتخوّفهم من تأثير صدور مذكرات الاعتقال وتداعياته، وأهمّها تشجيع محكمة العدل الدولية على إصدار قرار بوقف إطلاق النار، كذلك أن الدول الأوروبية الأعضاء بالمحكمة الجنائية الدولية ستكون ملزمة بتنفيذ القرار، ولا يمكنها تجاهله والتغاضي عنه.

قرار الجنائية الدولية يعني، أخيراً، نهاية إفلات المسئولين والقادة الإسرائيليين من العقاب.

***نُشرت المقالة في صحيفة “المدينة” الحيفاوية يوم الجمعة 24.05.2024

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007. يرجى ارسال ملاحظات لـ akkanet.net@gmail.com
استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007. يرجى ارسال ملاحظات لـ akkanet.net@gmail.com
جديد الأخبار