أعيشك عكا… بقلم: وسام دلال خلايلة

 

أعيشك عكا
بقلم : وسام دلال خلايلة

 

ح (21) : ضوى الجامع
حينَها كُنتُ في العاشرةِ من عمري، كان ذاك اليومُ مميزًا عن باقي الأيّام، سُكونٌ يَشوبُه تَحدٍّ وعزمٌ وإيمانٌ.
المطبخُ كانَ أولى القِبلتيْن للْخُطواتِ الأولى في كلّ صّباحٍ ..لكن ذاكَ اليوْمَ لم تكُنْ أمّي في المطبخِ تُحَضِّرُ الفُطورَ، لا كؤوسَ شايٍ ولا حَليبَ على الطاوِلَةِ تَنتظِرُنا حتى البسكوت غاب! أُخوَتي في ارْتباكٍ، فالحَظْرُ على المَطْبَخِ هو الحُكْمُ.
يمُرُّ النَهارُ بَيْن قِراءَةٍ وقَيْلولَةٍ، والجَميعُ بِهُدوءٍ وخُشوعٍ يَنتَظِرونَ الغُروبَ.
تحمرّ شمس الظهيرة فتدْخُلُ أُمّي “الفنّانةُ” إلى ممْلكَتِها (المطبخ) وتُباشِرُ في إبداعاتِ ما تَطالُ يَداها المُبارَكَتانِ خَلْقَ ما لَذَّ وطابَ مِن أشْهى المَأْكولاتِ… أمّا مهمّتي، فَكانَتْ تَقْتَصِرُ على تَرتيبِ وتَزيينِ الطاوِلَةِ، فما أُنْجِزُهاَ حتى تَبدُوَ المائدة للْعَيْنِ لَوْحَةً فَنِيّةً لِقَصْرٍ مِن قُصورِ الخَيالِ.
تغوص الشمسُ في الأفق لتدْنوَ ساعَةُ الغُروبِ، نَتسابَقُ أنا والتوْأَمُ “سامرُ وماهرُ” – يَصْغُرانني سِنًا – وكانت فرصتي للأمر والنهيّ وَقْتَ الْلَعِبِ .. نَتسابَقُ على دَرَجاتِ البَيتِ وعَدَدُها (48) نزولًا، نَرْكُضُ ونَقفِزُ في الهَواءِ الطَلْقِ حتى نَصِلَ زاوِيَةَ الرّصيفِ، هُناكَ تَتَجلّى رُؤيَةُ مِئْذنَةِ جامعِ باشا الجزّار – فصوْتُ المؤذّنِ تعذّر سماعه بحُكْم مسافة السور والخندق – نتّخذُ مواقعنا الاستراتيجيّة، فما أنْ نَرى نورَ مَصابيحِ المِئذنةِ المُتزامِنَ مَعَ آذانِ المَغرِبِ، حتى نَعودَ أدْراجَنا صُعودًا ونحْنُ نَصيحُ بأعْلى صَوْتٍ: ضَوى… ضَوى… ضَوى…
وتبدأ قرقعة الصحون والملاعق مُرافقة للدّعاء :
“اللّهم لكَ صُمنا وعلى رِزقكَ أفْطرنا وبكَ آمَنّا وعليكَ توكّلنا، ذهَبَ الظمأُ وابتلّتْ العروقُ وثَبُت الأجرُ انْ شاء الله” بسْم اللهِ الرَحمن الرّحيم” نردّدُها جميعًا ونتابعُ قرقعةَ الصحون.

 

 

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007. يرجى ارسال ملاحظات لـ [email protected]
استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007. يرجى ارسال ملاحظات لـ [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد الأخبار