لا لأوكراينا ولا لحرب بوتين عليها… بقلم جواد بولس

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
جواد بولس

 

حاولت ألا أكتب حول قضية الحرب الدائرة بين روسيا وأكراينا؛ وذلك تجنبًا منّي للخوض في ما تستدعيه هذه المسألة من أسئلة صعبة، ومن تناقضات لم يعد الحسم فيها واضحًا أو شبه تلقائيّ كما كان بالنسبة لي ولكثيرين مثلي، في زمن كان العالم فيه مقسومًا إلى معسكرين: واحد يمثل الخير بمفهومه المبسّط والفطري، والثاني يجسّد الشر بمفهومه المطلق. فالاتحاد السوفياتي وحلفاؤه في العالم كانوا بالنسبة لنا، نحن الشباب اليساريين، “شمس الشعوب” ومظلته الواقية؛ بينما اعتبرنا الغرب، بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها من دول وأنظمة مستبدة، عدو تلك الشعوب وناهب خيراتها ومفسد أوطانها.

ولكن كيف لكاتب مقال اسبوعي أن يغفل حالة حرب تؤرق تداعياتها حيوات مئات ملايين البشر في جميع أرجاء المعمورة ؟

ما زلت أذكر حرقة الدمع على خدّي في تلك اللحظة، قبل أربعة عشر عامًا، حين وقفت الحافلة التي كانت تقلّنا وسط الساحة الحمراء، قلب موسكو الساهرة، وعروس أحلامنا الخالدة. بكيت كرجل يحقق أمنية طفولته السحيقة. أحسست أنني غيمة من ندى أرجواني تطير نحو ذاك البعيد، حيث لا ينام من سقوا الفولاذ وعلّموا المشانق كيف تجدل ضفائر العزة والكرامة. كانت الساحة أوسع من حلم، والمباني تحيطها كنجوم سابحة في فضاء مسحور؛ كل شيء حولي كان مدعاة لشهقة، والقباب، بألوانها الزاهية، ترتفع كالرماح حتى حلق السماء.

عشت لحظات على وقع الصدى ودردبات الطبول في ساحات بلداتنا في مسيرات الأول من أيار. تذكّرت ، وبسمة موجعة تسيح من أطراف وجهي، كيف كنّا في فورة شبابنا،  ننتشي ونحن نشاهد استعراضات طوابير دبابات وصواريخ الجيش الأحمر وهي تهز أركان العبث في احتفالات ثورة اكتوبر وتمجيدًا للانتصار على النازية في نفس المكان الذي كنا نقف فيه. ضحكت في سرّي عندما تذكّرت كيف كنّا نتغزّل كالسكارى “بجبروت” حواجب “الرفيق بريجينييف” الغليظة، وبحذاء نيكيتا خروتشوف وهو يضرب به وجه العالم القميء؛ وكيف كان ينتصب بقية قادة الحزب الشيوعي السوفياتي كأعمدة من رخام أوليمبي ويتصدرون المنصات الحمراء العالية كآلهة يونانيين؛ ونحن على قناعة أنهم قادرون على تحقيق كل معجزة وسحق كل عدو وتذليل كل خطر .

مرّت اللحظات وأنا سارح في نفق ذلك الزمن الرمادي. لم أصغ لما قال مرشدنا السياحي بخصوص برنامج زياراتنا في اليوم التالي؛ ولكنني فهمت، من أحد أصدقائي في المجموعة، أنه لم يأت على ذكر  زيارة ضريح لينين، علمًا بأنه أحد أهم المعالم البارزة الموجودة في الساحة الحمراء. في الباص سألته لماذا لن نزور الضريح ؟ فأجاب بأنه مجرد “قبر” وهنالك مواقع أجمل منه وأهم في روسيا الحديثة. كان مرشدنا، كما أفهمنا المسؤولون في المكتب السياحي، الذين رتبوا لنا اجراءات الرحلة، محاضرًا سابقًا ومتخصصًا في تاريخ روسيا تحديدًا، ويعدّ من أبرز المرشدين السياحيين وأنجحهم، لأنه يعرف المدينتين، موسكو وبطرسبورغ، حق معرفة. لم أقبل بإجابته وطلبت أن يضيف زيارة الضريح إلى برنامجنا، ففعل ذلك بعد أن صوتت المجموعة كلّها على المقترح.

إصطففنا، في الصباح التالي، وراء عشرات المواطنين الذين حضروا لزيارة الضريح قبلنا. كانوا يقفون في الساحة الحمراء بخشوع ويتقدمون على وقع حفيف أغصان شجرات عاليات تحيط بإحدى جهات المكان. في الداخل تسكن الرهبة وقليل من الضوء. كانت الغرفة باردة وفي وسطها مسجى جثمان فلاديمير الييتش لينين، وحوله يقف، على الجانبين، حرّاس يهيبون بالزائرين أن يتقدموا بدون تلكؤ، وهكذا فعلنا. كانت لحظات مؤثرة حتى أنني ما زلت أتذكر قسمات وجهه المائلة إلى الصفرة وأنه كان قصير القامة. أنهينا الزيارة بصمت، وأذكر أننا لم نتحدث عنها إلا بعد وقت ، فالمكان لم يكن، بالنسبة لبعضنا، مجرد قبر، كما قال مرشدنا السياحي.

خرجت حزينًا، فلينين، ذلك المارد الأحمر ، الذي جئنا لزيارته، لم يكن موجودًا هناك، وأعني في روسيا الحديثة التي صارت غالبية شعبها تؤمن “بفلاديميير” الآخر، أو قل “بأبي علي”، وتعتقد أن فيها عدة أماكن ومواقع ورموز أهم من المعلم لينين وأجدر منه.

كانت محطتنا القادمة زيارة أحد الأسواق العصرية التي تحتضنها روسيا الاوليغارخية ورأس المال الفاحش. وصلنا المركز التجاري الذي يقع على أطراف الساحة الحمراء، وهو عبارة عن مجموعة من المباني الفخمة المبنية على طراز معماري عصري هجين على روح المكان،  تملؤ ساحاتها مئات السيارت الفارهة التي يسوقها، أو يخرج منها، الروسيّون الجدد، أبناء حلفاء بوتين وشركائه في إدارة الدولة ونهب نعمها وخيراتها؛ انهم حرّاس حلم روسيا الجديد، ينامون على نفط وحرير، ولا يعرفون كيف تمسك المناجل ولمن تدق المطارق.

عدت من روسيا التي لم أحلم بها. لم أكره ما شاهدت، فكثير من عظمة تاريخها ما زال شاخصًا في الشوارع والساحات؛ والحنين الذي كنا نبحث عنه ما زال ينادي من يفتش عن أنفاسه الضائعة هناك؛ لكنني عدت من دون أن أحبّها كما هيأت قلبي لملاقاتها وطلبت منه أن يستعد لها. عدت منها متيقنًا أن روسيا اليوم هي دولة مثل باقي الدول المتجبرة، وإن بقيت “شرقية” بالميراث، إلا أنها أصبحت “غربية” حتى النخاع، بأطماعها وبجشع قادتها وباتقانهم للعبة المصالح، ولهاثهم وراء استلام حصصهم من خيرات سائر الدول الضعيفة والمستضعفة. روسيا فلاديمير بوتين، لم تعد “شمس الشعوب” التي رقصنا تحت وبحماية دفئها ، ولا حليفتهم، إلا إذا اقتضت مصالحها أن تلعب هذا الدور،  كما لعبته في العراق وليبيا وسوريا وفلسطين وتؤديه اليوم في أوكراينا، سواء كانت مكرهة على ذلك، كما يعتقد مؤيدو بوتين، أو حفاظًا على مصالحها كدولة عظمى، كما يعتقد المعارضون لبوتين.

أقول ذلك وأعرف أنني أفتح على نفسي جبهة من المعارضين الذين لا يوافقوني اليوم ولم يوافقوني وقتها على هذه القسمة؛ وجبهات من المعارضين الذين لن يقبلوا ما سأقوله بناءً على زوال أسس هذه القاعدة، ساعة انهار الاتحاد السوفياتي العظيم واختفى معه حلف وارسو، الذراع العسكرية الرادعة في مواجهة الغرب وذراعه العسكرية، حلف الناتو، الذي ساهمت قوته في اخضاع دول العالم، إلى هيمنة ” القطب الواحد” وإلى معاملة روسيا كقوة ثانوية، أو في أحسن الأحوال كقوة اقليمية عجزت، لسنوات، على مواجهة عدة أحداث عالمية بندّية متوازنة .

لن نجد أوضح مما يقوله بوتين بنفسه عن دوافع بلاده من حربه الحالية ضد  أوكرانيا؛ فهو، بعد أن يسرد ماذا حصل من لحظة انهيار الاتحاد السوفياتي وتعاظم دور أمريكا وحلفائها الاوروبيين واعتداءاتهم على كثير من الدول المستقلة وتدميرها والفوز بمقدراتها، واستمرار مساعيهم في محاصرة روسيا، والشروع باتخاذ خطوات فعلية تهدد أمنها ووحدة أراضيها، مثل ما حدث من جانب أوكراينا خلال السنوات الماضية، يعلن أن روسيا عازمة على التصدّي لجميع ما يحصل، حتى تسترد مكانتها كقوة عالمية، لها ما لها وعليها ما عليها، في بنى النظام العالمي الذي لن يرسم إلا معها وبمشاركتها التامة.

فهل، والحال كما يصرّح بوتين بنفسه، يتوجب على كل انسان أن يتخذ موقفًا معه أو ضده ؟ وهل يكفي من أجل تفضيله في المنازلة الحالية بينه وبين أوكراينا الدمية، حليفة أمريكا الامبريالية، ما نسمعه من مؤيديه بيننا بأن الفارق يكمن بكون أمريكا دولة إمبريالية مارقة، بينما لم تزل روسيا بوتين، حتى يومنا هذا، مجرد دولة رأسمالية كبرى تأوي عتاة الرأسماليين الذين سطوا على خيرات الاتحاد السوفياتي، وروسيا تحديدًا، ويتحكمون في رقاب دولة كانت ذات يوم امبراطورية عظمى؟

أنا ضد سياسة أوكراينا واعتداءاتها على الأراضي الروسية وتحرّشاتها الوقحة بالسيادة الروسية؛ وضد سياسات أمريكا التوسعية وتدميرها للدول ونهب خيراتها وسحق شعوبها ومحاولاتها للتحكم المنفرد في النظام العالمي؛ لكنني لا أستطيع تأييد حرب بوتين الحالية على أوكراينا، حتى لو بررتها مصالح روسيا كما ساقها بوتين علنًا، فالذي سيدفع فواتير هذه الحرب هما شعبا أوكراينا وروسيا، ويكفي بذلك دافعًا ألا أقف معها.

أسمع من سيهزأون بإنسانية هذا الموقف وتقريعه، لا سيما أولئك الذين يعيشون على حد مسطرة واحدة اسمها أمريكا، فاين تكون أمريكا يكونون ضدّها. هذا حقهم وليؤمنوا به؛ لكنهم لا يستطيعون أن يدّعوا امتلاك ناصية الحق وحدهم، فهم ينامون في حضن “دب” كان قد عض “أثداء أمه” ، تلك التي كنا نسميها “شمس الشعوب”.

ستنتهي هذه الحرب وستبقى الحقيقة غائبة بين فلاديمير لينين وفلاديمير بوتين.

 

* ملاحظة: المقالات المنشوره على مسؤولية الناشر ولا تعبر بالضروره عن رأي موقع عكانت

 

guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض كل التعليقات
جديد الأخبار