الوطن غالي يا بهجة

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp

كان حسين مزارعًا ميسور الحال في قرية الدامون، يزرع مقاثي البطيخ والشمّام، وفي الموسم يجول في عكا وحيفا وقرى الجليل على حنطوره يبيع المنتوج، بنى له منزلًا وخطّط للزواج.

صباحيّة طُلبة العروس حلّت النكبة وهُجّر إلى سوريا مع الكثيرين من أهله وأهل بلدته، وحين وصلها حطّ ترحاله بجانب مزبلة قمامة انتشرت فيها الكثير من خيام اللجوء، وقف يتأمّل المشهد فتأفّف قائلًا: “والله ريحة مزابل بلدنا أطيب”. حمل بقجته وبدأ بالعودة جنوبًا مشيًا على الأقدام، وحيدًا دون وداع. وصل الدامون بعد عشرة أيّام ليُصدم ويُجنّ جنونه، وجدها مدمّرة عن بِكرة أبيها وتحيطها دوريّات عسكريّة تمنع أهلها من الاقتراب منها.

تجوّل حولها في البراري عدّة أيّام لجأ بعدها إلى شفاعمرو المجاورة ووجد له ملجأً في مقبرة البلدة. أقام فيه بين القبور حتّى بنى له كوخًا صغيرًا يأويه، يهذي ليل نهار، لا يخالط أحدًا غير أهل القبور، يُسمعهم حكايته ويستمع لأحاديثهم، يتناجوا ليلًا ممّا أخاف الناس وتجنّبوه وسمّوه “مجنون التُربِة”.

خلال هذيانه وترديده اسم بهجة ليل نهار، سمعه بائع متجوّل من كفر ياسيف فتقرّب منه وأخبره أنّ له جارة وحيدة دامونيّة فقدت أهلها زمن النكبة، شقّة توأمها يُدعى حسين الداموني. ذُهل لسماعه اسمها وقرّر مرافقته على حماره ليتعرّف عليها. حين رآها تعانقا وبكيا لساعات دون أن ينبس بكلمة.

حضّرت له طعام العشاء فارتجف قائلًا: “الوطن غالي يا بهجة” وولّى عائدًا لكوخه دون رجعة.

*** نُشرت القصّة في العدد الأوّل، السنة الثامنة، آذار 2022، مجلّة شذى

       الكرمل، الاتّحاد العام للأدباء الفلسطينيّين – الكرمل 48)

بِدّي أقدّر عصايتي

     كان مصلح فلنكحيا وكسولا، عُرف عنه بأنّه ملك القيل والقال في بلدته وجوارها، يحاول الإيقاع بين الناس بالغش والخداع والمراوغة، يقضي لياليه في الكُبانيّة التي أقيمت على أراضي قريته التي صودرت زهقًا وبهتانًا، له علاقات وطيدة ومشبوهة مع الغريب، أخبر في حينه ووشى بالكثير من المتسلّلين، ويحاول تجنيد المتعاونين والسمسرة لتسريب ما بقي من أراضٍ، حتى أُطلق عليه، وبحق، “الوسواس الخنّاس”، ورغم ذلك إيدو طايلة، وبإمكانه التوسّط لتسهيل المعاملات في الدوائر الحكوميّة وترتيب تصاريح السفر والعمل والتنقّل.

حاول أهل الشر إثارة الفتنة الطائفيّة في القرية الوادعة بسبب افتعال صغائر الأمور، حيث ميّزتها الألفة بين أهلها، “خوريها مسلم وشيخها مسيحي”. تدخّل أهل الخير وأصلحوا ذات البين، وخلال وليمة الصلح في بيدر البلدة أطلّ مصلح يلوّح بعصاه، مزمجرًا ومحرّضًا محاولًا إشعال النار في الحطب من جديد، تنطّح له كبار البلدة محاولين ردعه وأخبروه أن الأمور سويّت فأجاب بخبث: “بِدّي أقدّر عصايتي”!

حسن عبادي/حيفا 

guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض كل التعليقات
جديد الأخبار