بين الأسطورة والحقيقة الغائبة.. الدوغون في مالي أبناء السفوح وحراس النجوم

بين رعي النجوم ومتابعة سير النيِّرات الزاهرات، وبين أحراش موغلة في أخاديد الجبال والأدوية عاشت قومية الدوغون في مالي؛ قدمٌ في وهاد السفوح، وعيونٌ ترنو إلى النجوم، وتدير معها قصة حياة موغلة في الغموض.

وفي خصوصية عميقة، اختار الدوغون أن يعيشوا بعيدا عن الناس، وبعيدا عن الحداثة، لكن يد الإنسان والقيم المخالفة لمعتقدات الدوغون دبت إليهم دبيب الشمس إلى أدغال الغابات وكهوف الأدوية.

خلال عقود عديدة احترقت كثير من قيم الدوغون الوثنية، ولبس كثير من أبنائهم جلباب الإسلام الضافي بعد سنوات من ارتداء “الأسمال” العريقة التي هي جزء أساسي من تراث وحضارة الدوغون، وانتقل كثير منهم من سفوح الجبال وكهوفها إلى سهول أرحب وأودية أوسع؛ بحثا عن حياة أسهل، مثل سهل سينو غوندو.

كما شهدت العقود الأخيرة تحولات كثيرة في البيئة التي يقطنها الدوغون؛ فالحياة البدوية العريقة لم تعد كما كانت، ولم تعد سوانح الظباء ولا حائمات الطيور قريبة المنال، ولم يعد الصيد سهلا كما خبره الأسلاف، ولأن وسائل تحصيل القوت تعددت، وتعددت الاتجاهات والمشارب في الحياة؛ خرج كثير من أبناء الدوغون من كهوفهم، وهجروا قراهم التي لم تكن تتسع لأكثر من 500 نسمة، تاركين وراءهم صمتا مطبقا وأكواخا خالدة شاهدة على تراثهم الوثني الصامد رغم عاديات القرون.

أبناء الشعرى.. من الدوغون؟

يثور جدل كبير حول أصول الدوغون وتاريخهم، فالشعب الغارق بين سفوح الجبال وأخاديد الأودية لم يفصح عن كثير من تاريخه وآثاره، وإن كان قدماء الدوغون يؤمنون بأنهم مخلوقات من العالم الفضائي، ألقت بهم رحلة مجهولة الدوافع إلى الأرض، حيث خرجوا من سلة فضائية عميقة القاع، وانتقلوا إلى أخاديد جبال مالي، وأنشؤوا هنالك حضارة وتاريخا وثقافة وعالما آخر من عوالم الغرابة، وخصوصا في هضبة “باندياغارا” في منطقة موبتي (وسط مالي).

ويعتقد هؤلاء أن أسلافهم قدموا إلى الأرض في “مركبة” فضائية قادمة من كوكب يدعى “سيريوس ب” (Sirius B) المعروف عربيا بالشِّعرَى اليَمَانِيَّة، والمذكور في القرآن الكريم من بين الآلهة التي كانت تعبدها العرب قديما ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ (سورة النجم: الآية 49).

ويتحدث الدوغون لغة تحمل اسمهم، وهي اللسان الجامع لهذه القومية التي يصل عدد أبنائها إلى حدود 300 ألف نسمة وفقا لبعض الإحصاءات، في حين تتحدث مصادر أخرى عن أرقام أكبر، وداخل هذه القومية ألسنة ولهجات متعددة، تتحدث بها العائلات الكبيرة داخل القومية الموحدة.

ومع ذلك، قد تفرض خريطة التنوع العرقي والإثني في مالي إكراهات أخرى؛ إذ يشير عالم الاجتماع الموريتاني وأستاذ الأنثروبولوجيا بجامعات فرنسية عبد الودود ولد الشّيخ -في كتابه “القبيلة والدولة في أفريقيا”- إلى أن هناك قرى تنتمي إلى جماعة الدوغون المالية، ولا يفصل بينها أكثر من 10 كيلومترات، وهي مع ذلك مضطرة للتحدث باللغة الفولانية كي تتمكن من التواصل في ما بينها نظرا للتباعد الشديد بين أنواع الدوغون.

المعرفة “الخارقة” بالنجوم

ويشتهر على نحو خاص مجتمع الدوغون بالمعرفة الدقيقة بالنجوم، لا سيما نجم “سيريوس ب” الذي يعتقد على نطاق واسع أن للدوغون السبق في اكتشافه وتقديم معلومات دقيقة عنه، قبل أن تتقدم البحوث والدراسات حول هذا الكوكب.

ولا يعرف بالتحديد إذا كانت المعلومات المتداولة عن معارف الدوغون وخبرتهم في النجوم أكيدة تماما، أم أنه تم تضخيمها من باحثين ودارسين غربيين زاروا الدوغون قبل عقود من الزمن، وكتبوا عن ثقافتهم الغريبة بمداد المبالغة وقلم التهويل.

ومن أقدم النصوص التي تناولت “العلم الفلكي” للدوغون وخبرتهم “الرائدة” في المنظومة الشمسية ما نقله الكاتب الأميركي روبرت تمبل في كتابه “لغز سيريوس”، نقلا عن عالمي الأنثروبولوجيا الفرنسيين مارسيل غريول وجيرمين دييترلون، اللذين زعما أن تقاليد الدوغون تقدم معلومات دقيقة وموسعة عن النجم “سيريوس ب” المعروف بالشعرى.

وأثارت المعلومات المنسوبة إلى الدوغون ضجة في العالم، وتحدث كثيرون عن “خارقية” هذا الشعب المتمكن من قدرات كشف هائلة، أو رؤية بصرية غير محدودة، أو اتصال غير مألوف -ومشكوك فيه عند كثيرين- مع كائنات فضائية أخرى، خاصة أنه قد نسب إليهم أن لنجم سيريوس رفيقا مظلما يكمل دورته كل 50 سنة، لكنه غير مرئي.

وتتعدد تفسيرات هذه الظاهرة، ويقترب فيها الاستنتاج العلمي من الأسطورة، إذ يزعم تمبل وآخرون أن الدوغون حصلوا على معلوماتهم من كائنات برمائية تسمى “النومو”، وعليها تتلمذ الدوغون وأخذوا معارفهم الفلكية.

بيد أن هذا التفسير وغيره ينهار أمام نتائج رحلة العالم الأنثروبولوجي البلجيكي والتر فان بيك، الذي قاد فريقا من علماء الأنثروبولوجيا سنة 1991 لدراسة قبيلة الدوغون -حسب موقع مرصد تشاندرا الفضائي- وبعد كثير من البحث والاستقصاء لم يجد الأفكار السائدة والتفاصيل التي قدمها الفريق الفرنسي الذي درس الدوغون في ثلاثينيات القرن الماضي، وأدخل العالم حينها في ضجة “المعرفة الفلكية الخارقة” لمجموعة الدوغون.

وبالنسبة للعالم الفلكي والإعلامي الأميركي كارل ساغان فهو يجزم بأنه لا يمكن لشعب الدوغون اكتساب تلك المعارف من دون اتصال بحضارة أكثر تطورا، ويرجح ساغان أنها من داخل كوكب الأرض وليست من خارجه.

ولا يستبعد ساغان -وفقا للموقع ذاته- أن يكون الفريق الفرنسي الذي زار الدوغون في ثلاثينيات القرن الماضي هو مصدر تلك المعارف، فقد كان العالم الفرنسي مارسيل غريول على علم باكتشاف “سيريوس ب”، وربما يكون قد فسر ردود الدوغون على أسئلته وفقا لما لديه من معرفة سابقة بحكم دراسته لعلم الفلك.

طقوس وتقاليد وتراث على قوائم اليونسكو

ومنذ عام 1989، أصبحت تقاليد ومنحوتات الدوغون جزءا من التراث العالمي، إذ أدرجت اليونسكو هضبة باندياغارا وما تحويه من تراث وتقاليد على قائمة التراث العالمي.

وأشارت اليونسكو إلى أن ذلك الموقع -الذي يقطنه الدوغون- يملك “تقاليدَ اجتماعية مدهشة ما زالت تُمارَس حتى اليوم”، فضلا عن “مناظره الطبيعية الخلابة المؤلفة من الصخور والهضبات الرمليّة التي تتميّز بالهندسات الجميلة (كالبيوت ومخازن الغلال والمعابد والملاجئ)”.

ومن بين الطقوس التاريخية والتقاليد التي يشتهر بها الدوغون -والتي تثير اهتمام الباحثين والزوار- تقاليد الرقص المقنّع، التي تأتي احتفاء بمطر أو انتصار أو فرح بحدث ما، أو تأتي حزنا جراء أزمة أو هزيمة أو جفاف أو غير ذلك مما يؤلم سكان الجرف الصخري العميق.

وتقتني متاحف فرنسية وغربية عشرات القطع والمنحوتات والأثواب المزخرفة التي تعكس جوانب من ثقافة وحياة هذا الشعب ذي التقاليد اللافتة والغريبة.

وإلى جانب الرقص، يشتهر الدوغون بالمنحوتات الخشبية والأقنعة التي تحولت من وسائل حماية وتقاليد هوية ذاتية إلى فن تشكيلي يدر المال الوفير جراء بيعه للسياح الذين تناقصت أعدادهم كثيرا جراء الحروب والاضطرابات الأمنية التي تعيشها مالي منذ نحو عقد من الزمان، وكذلك أدى انتشار الإسلام في صفوف هذه القومية الوثنية التي كانت تعبد إلها يدعى “لام” إلى تغير في هذه الهوية التي تميز بها الدوغون.

الهوغون.. رهبان في طريق الانقراض

يقوم مجتمع الدوغون على تنظيم دقيق، يحتل فيه الهوغون رتبة القديس أو الراهب أو “الإمام الولي”، لكنه ذو اعتبار خاص؛ فلا يمكن لأي شخص أن يلمس جسد الهوغون، ولذلك فإن عليه من باب أحرى أن يعيش حياة العزوبية حتى نهاية حياته.

ومع أن الهوغون زعيم روحي بالدرجة الأولى، فإنه يقوم بأدوار “وظيفية” عديدة؛ إذ يتولى القضاء والفصل في الخصومات، وهو إلى ذلك عراف وقائد سياسي يتصف بالحكمة وسداد الرأي ويحظى باحترام الجميع، ومن يحصل على هذا اللقب بعد اختيار شيوخ القرية، فإن عليه أن يعيش على بعد مسافة من السكان، وله أن يحظى بطقوس حماية وحراسة مهمة، كما أنه يحتفظ بمنصبه ذلك مدى حياته.

ورغم أهمية ومكانة الهوغون، فإن دورهم آخذ في الانحسار والاضمحلال أمام ازدياد أعداد الداخلين في الإسلام من هذه القومية، بل إن عددا من أبنائهم استقر في مكة المكرمة بجوار الحرم، وفق ما تؤكده مصادر متعددة تحدثت عن سيرة وحياة مجتمع الدوغون.

وإلى جانب المواجع التي يعيشها تراث الدوغون من انقراض قيمهم وتصاعد نسبة الإسلام والمسيحية بين أفرادهم، فإنهم يواجهون أيضا نيران الأزمات الأمنية في مالي، سواء تعلق الأمر بالحروب المستعرة مع الجماعات الإسلامية المسلحة، أو عبر الصراع العرقي العابر للقوميات في مالي.

ويتهم عدد من معارضي الحكومة المالية قومية الدوغون بالانخراط في تنظيمات مسلحة، نفذت مذابح متعددة في حق قومية الفولان، بعد أن نالت تسليحا نوعيا من الحكومة المالية، وخصوصا تنظيم دان نان امباساغو، الذي يزعم عناصره أنه نشأ ردة فعل على الاعتداءات التي تعرض لها الدوغون، قبل أن يتورط هو الآخر في جرائم وحشية بحق عرقية الفلان التي عرفت بحمل راية الإسلام في أصقاع واسعة من قارة أفريقيا، وشكلت رأس حربة في مواجهة الاستعمار الفرنسي.

وقد تشكلت مليشيا دان نان امباساغو -وفقا لوكالة الصحافة الفرنسية- في البداية بوصفها تجمعا لقرويين يريدون الدفاع عن منازلهم، ثم تحولت إلى مليشيا، واتُهمت بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ورغم أنه تم حلها رسميا فإنها ما زالت ناشطة.

وأدت الصراعات الدامية والنيران المتعاكسة في منطقة وسط مالي إلى نزوح مئات الآلاف ومقتل المئات من الفولان والدوغون ومن مختلف القوميات المتعايشة على ضفاف الدم في مالي.

المصدر : الجزيرة + وكالات + مواقع إلكترونية + مواقع التواصل الاجتماعي
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض كل التعليقات
جديد الأخبار