أميركا ضد تيكتوك.. هل تستخدم الصين منصة الفيديو الأشهر للتجسس على الولايات المتحدة؟

تيكتوك

يقضي مستخدمو الإنترنت وقتا أطول على تيكتوك اليوم أكثر مما يقضونه على أي تطبيق آخر، ولكي يجبر التطبيق مستخدميه على قضاء فترات أطول، يجمع تيكتوك معلومات حول كيفية استهلاك المستخدمين لمحتواه، من الجهاز الذي تستخدمه، إلى المدة التي تشاهد فيها المنشور والموضوعات التي تعجبك، ويستخدم هذه المعلومات لضبط الخوارزمية؛ لتظهر لك فيديوهات مخصصة ومناسبة لك على الصفحة الرئيسية للتطبيق.

 

بالنسبة إلى أي شخص لديه معرفة عابرة بكيفية عمل منصات مثل فيسبوك وإنستغرام وجوجل، فإن عملية جمع البيانات هذه ليست ظاهرة جديدة، وهي شائعة في كافة منصات التواصل التي تحولت إلى حيتان تتغذى على البيانات، المشكلة هنا أن تيكتوك هو تطبيق تابع لشركة “بايت دانس (ByteDance)”، وهو ما يعني أن لديه رقابة أقل على استخدام البيانات مقارنة بالتطبيقات الغربية، فيما يخشى الأميركيون تحديدا من أن الكم الضخم من البيانات التي يجمعها التطبيق يقع في نهاية المطاف في يد الحكومة الصينية، وهي توظفه لخدمة طموحاتها الجيوسياسية.

 

تعود هذه المخاوف الأميركية المتفاقمة تجاه تيكتوك إلى عهد الرئيس السابق دونالد ترامب الذي سبق أن أصدر أمرا تنفيذيا بحظر استخدام تيكتوك في الولايات المتحدة، وهو أمر مدفوع بمخاوف من أن الشركة قد تسلم بيانات المستخدم إلى السلطات الصينية(1). الآن، وبعد أن برز التطبيق مؤخرا بوصفه لاعبا حاسما في الخطابات الانتخابية والمدنية، أصبح الصراع على تيكتوك إحدى أكبر المواجهات في الإنترنت الحديث، قوتان عظميان عالميتان في طريق مسدود للتنافس على قوة ناعمة تُقدر بمليارات الدولارات يمكن أن تحدد مستقبل الثقافة والترفيه لجيل كامل.

 

الحق يقال، لم يسبق لأي برنامج أن أثار الكثير من هذا القلق في واشنطن. تعرض تيكتوك للهجوم باعتباره “أداة مراقبة متطورة” تتجسس على الأطفال ومجنونة بالبيانات، وهو ما أطلق عليه السيناتور تيد كروز ذات مرة “حصان طروادة الذي يستطيع الحزب الشيوعي الصيني القيام به تستخدم للتأثير على ما يراه الأميركيون ويسمعونه ويفكرون فيه في النهاية”(2). أصبح تيكتوك إذن هو الجاسوس الصيني الأكثر نشاطا كما تنبأ ترامب يوما ما.

 

دولة الجواسيس

للوهلة الأولى، قد يبدو من السخف أن تقوم لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة التابعة لوزارة الخزانة الأميركية بالتحقيق في تطبيق صيني يستخدمه المراهقون أساسا لنشر مقاطع فيديو رقص سخيفة، على الرغم من أنه يستضيف أحيانا محتوى سياسيا واجتماعيا جادا، لكن بنسب ضئيلة مقارنة بالمحتوى الترفيهي.

 

نعم، اتهم تيكتوك بقمع مقاطع فيديو حول حقوق الإنسان في الصين، لكن العديد من الشركات الأميركية اتُّهمت بارتكاب أعمال أسوأ بكثير. قد تكون مخاوف الخصوصية والخوارزميات المنحازة سياسيا مزعجة، ولكنها لا ترقى إلى مستوى تهديدات الأمن القومي. المهتمين بالشأن الأميركي غالبا ما يتعثرون في إيجاد أسباب لحظر تيكتوك، دائما ما يشعرون على ما يبدو بأن هناك مشكلة، ولكنهم يفشلون في وضع إصبعهم عليها، لكن بعد تجميع ووصل النقاط ببعضها يمكن أن تتضح الخطوط إلى حد ما.

 

في وقت سابق، عكر اكتشاف بسيط على “لينكد إن” صفو المزاج العام للمهتمين بالخصوصية، بل وأجهزة الاستخبارات الأميركية نفسها. كان الاكتشاف هو أن 300 موظف حالي في تيكتوك عملوا سابقا في وسائل الإعلام الحكومية الصينية، وفقا لحسابات الموظفين العامة على لينكد إن، كما أن 23 من هذه الملفات الشخصية قد أُنشئت بواسطة مديري “بايت دانس” الحاليين، الذين يديرون الأقسام التي تشرف على شراكات المحتوى والشؤون العامة والمسؤولية الاجتماعية للشركات والتعاون الإعلامي.

 

المفاجأة الأكبر أن 15 من موظفي بايت دانس الحاليين لا يزالون يعملون لدى بعض وسائل الإعلام الحكومية الصينية، بما في ذلك وكالة أنباء شينخوا وراديو الصين الدولي وتلفزيون الصين. كل ما سبق يشير إلى روابط مهمة بين الشركة الأم لتيكتوك، بايت دانس، والذراع الدعائي للحكومة الصينية، التي استثمرت بكثافة في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لترويج المعلومات التي تخدم الحزب الشيوعي الصيني(3).

 

أشارت التقارير الأميركية أيضا إلى أن بايت دانس كانت تخطط لاستخدام المعلومات التي تجمعها لمراقبة المواطنين الأميركيين الأفراد، وليس لاستهداف الإعلانات أو أي من هذه الأغراض المزعومة الأخرى. في مواجهة كل ذلك، حاول تيكتوك أن ينأى بنفسه عن أصوله الصينية، وتوظيف مدير تنفيذي سابق لشركة ديزني رئيسا تنفيذيا جديدا، وإشراك جماعات الضغط المرتبطة بحملة ترامب، كما تعهدت بإضافة 10 آلاف منصب في الولايات المتحدة من الأميركيين(4).

 

وكي ينقذ تيكتوك نفسه من الحجب التام من الولايات المتحدة، أخبرت الشركة المشرعين الأميركيين أن الوصول إلى بعض بيانات المستخدم في الولايات المتحدة سيكون “مقصورا فقط على الأفراد المصرح لهم، وفقا للبروتوكولات التي يتم تطويرها مع الولايات المتحدة”، لكنّ هناك تاريخا من انعدام الثقة يمنع الولايات المتحدة من الثقة في تعهدات الشركة الصينية.

 

فقد وعدت شركة تيكتوك سابقا بتبديد كل الشكوك حول استقلاليتها، وتعهدت في أوائل عام 2020 بفتح “مراكز شفافية” مادية، حيث يمكن للخبراء مراقبة قرارات الإدارة في الوقت الفعلي للشركة وفحص كود الخوارزميات الخاصة بها، لكن الشركة أوقفت الخطة إلى أجل غير مسمى بعد فترة وجيزة، متذرعة بالوباء، وقدمت بدلا من ذلك جولات افتراضية إرشادية للصحفيين والموظفين السياسيين(5).

 

الجاسوس الصيني الأشهر

حتى الآن، يُصرّ تيكتوك على أن التطبيق مستقل، مع فريق قيادي خاص به، بما في ذلك الرئيس التنفيذي في سنغافورة، ومدير العمليات في الولايات المتحدة، والرئيس العالمي للثقة والسلامة ومقره في أيرلندا”، كما تقول المتحدثة باسم التطبيق. لكن حتى لو افترضنا حسن النية، وإن لم يكن هناك دليل على أن تيكتوك يفعل أي شيء ببيانات المستخدم بخلاف ما تقوم به منصات الوسائط الاجتماعية الرئيسية الأخرى، فإن وجود الصين في الخلفية سيظل صعبا على المتشككين، خاصة في ظل تطبيق الحكومة الصينية لبرامج مراقبة ضمن الأكثر صرامة في العالم.

 

هناك ما هو أكبر من ذلك، حيث تولدت شكوك كبيرة عن قانون الاستخبارات الوطنية الصيني لعام 2017، والذي ينص على أن جميع المنظمات والمواطنين يجب أن “يدعموا ويساعدوا ويتعاونوا” مع جهود الاستخبارات الوطنية؛ ما يعني أن الشركات يمكن أن تجد نفسها ملزمة بتقديم بياناتها إلى الدولة الصينية، فالقانون مطلق والحكومة لا تخجل من معاقبة أولئك الذين يفشلون في الامتثال. في هذا الصدد، يقول “جيمس لويس”، نائب الرئيس الأول في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، وهو مؤسسة فكرية أميركية: “تعد صفحات وسائل التواصل الاجتماعي مصدرا رائعا للتفاصيل الشخصية لوكالات التجسس”، مضيفا أن الذكاء أصبح الآن “لعبة بيانات ضخمة”(3).

 

حتى هذه اللحظة، ليس من الواضح أن بايت دانس وتيكتوك سينفذان تعهداتهما بالحد من وصول الموظفين المقيمين في الصين إلى بيانات المستخدمين في الولايات المتحدة. إحدى النقاط الرئيسية في هذا الصدد هي تخزين البيانات في خوادم خارج سيطرة الصين(6)، يعرف هذا الجهد باسم “مشروع تكساس”، الذي يهدف لتخزين بيانات الأميركيين على خوادم داخل الولايات المتحدة، وفي حين يمكن أن ينجح هذا المشروع في معالجة المخاوف بشأن وصول الحكومة الصينية إلى المعلومات الشخصية، لكنه لا يتناول الطرق الأخرى التي يمكن أن تستخدمها الصين لتسليح المنصة، مثل تعديل خوارزميات تيكتوك لزيادة التعرض للمحتوى المثير للانقسام، أو تعديل النظام الأساسي لبذر حملات التضليل أو تشجيعها(7).

 

علاوة على ذلك، تُظهر محادثة صوتية مسربة من يناير 2022 أن قيادات تيكتوك في بكين كانوا يجمعون معلومات إضافية عن مشروع تكساس، تحديدا حول موقع وتفاصيل خادم أوراكل، وهو جزء رئيسي من المشروع المصمم للحد من وصول الأجانب إلى بيانات المستخدم الشخصية في الولايات المتحدة(5)، وهو ما يثير المزيد من الغبار حول نوايا بكين في هذا الصدد.

 

حاولت الكثير من الشركات الأميركية مثل فيسبوك مسبقا إساءة استخدام البيانات، لكن يظل تيكتوك أكثر جرأة في جمع البيانات من منافسيه. يطلب التطبيق باستمرار قائمة جهات الاتصال الكاملة للمستخدم، حتى بعد الرفض، كما وجد فريق البحث الأميركي الأسترالي “Internet 2.0” في يوليو/ تموز. اكتشف باحث آخر، هو “فيليكس كراوس”، رمزا يمكنه تسجيل كل شيء يكتبه المستخدم في متصفح الويب الداخلي للتطبيق، بما في ذلك كلمات المرور(8). في يناير/كانون الثاني، أعلن فريق من الباحثين الأمنيين أنهم اكتشفوا العديد من نقاط الضعف في تيكتوك تسمح للمهاجمين بالتحكم بالحسابات، وتغيير إعدادات الخصوصية على مقاطع الفيديو، وتحميل مقاطع الفيديو دون إذن، والحصول على بيانات المستخدم مثل عناوين البريد الإلكتروني(9).

 

تشعر السلطات الأميركية بالقلق من أن الحكومة الصينية تتخذ نهجا “فسيفسائيا” لجمع البيانات، حيث تواصل جمع مجموعات صغيرة وغير متناهية من البيانات التي تبدو في ظاهرها غير مهمة، ولكنها تشكل مجتمعة قوة كبرى، وهو نهج طالما ميز طريقة عمل الاستخبارات الصينية حتى قبل عصر الإنترنت. ويبقى السؤال الأكبر في هذه المواجهة يتعلق بإذا ما كانت واشنطن تستطيع التحكم في منصة واسعة الاستخدام تدار من أراضي أبرز خصومها، أم أنها ستضطر في النهاية إلى تجربة الطريقة التي تستخدمها الصين نفسها مع مواقع التواصل الغربية، وفرض المزيد من القيود ربما تصل لحظر تيكتوك بشكل كامل في نهاية المطاف.

———————————————————-

المصادر:

1- Trump Signs Executive Order That Will Effectively Ban Use Of TikTok In the U.S

2- TikTok is a Trojan horse

3- LinkedIn Profiles Indicate 300 Current TikTok And ByteDance Employees Used To Work For Chinese State Media—And Some Still Do 

4- TikTok Parent ByteDance Planned To Use TikTok To Monitor The Physical Location Of Specific American Citizens 

5- Leaked Audio From 80 Internal TikTok Meetings Shows That US User Data Has Been Repeatedly Accessed From China 

6- Inside Project Texas, TikTok’s Big Answer To US Lawmakers’ China Fears

7- TikTok May Be More Dangerous Than It Looks

8- Penetrum Security Analysis of TikTok versions 10.0.8 – 

9-TikTok is a national security threat, US politicians say. Here’s what experts think

المصدر : الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد الأخبار