هل سيشهد العالم انتشارا متزايدا للفيروسات التنفسية خلال الشتاء؟

انفلونزا

عمان –

شهد كثير من دول العالم مؤخرا نشاطا كبيرا في الفيروسات التنفسية تزامن انتشارها في وقت واحد، مما دعا الكثيرين للتساؤل ما الذي اختلف بعد جائحة كورونا؟ هل سيشهد العالم انتشارا متزايدا للفيروسات التنفسية خلال الشتاء؟ وما الفجوة المناعية؟ وكيف نتعامل مع الفيروسات التنفسية جميعها وأهم وسائل الوقاية؟

 

هل يتحضر العالم لنشاط الفيروسات التنفسية؟

قال أستاذ ومستشار علاج الأمراض المعدية الأردني الدكتور ضرار بلعاوي في تصريحات خاصة للجزيرة نت، إن العالم كله، وخصوصا نصف الكرة الأرضية الشمالي، يتحضر مع دخولنا لفصلي الخريف والشتاء لنشاط في الفيروسات التنفسية، وفيروس الإنفلونزا، وهي المجموعة التي تسبب لنا الالتهابات التنفسية الفيروسية، وبالتالي ستزيد عدد حالات الزكام أو الإنفلونزا، إضافة لفيروس كورونا كوفيد-19 الذي أضيف إليها في آخر 3 سنوات.

 

 ما أنواع الفيروسات التنفسية؟

ويوضح الدكتور بلعاوي أن أنواع الفيروسات التنفسية كثيرة، مثل الإدينو فيروس، والراينو فيروس، والفيروس المخلوي التنفسي، وفيروس الإنفلونزا الذي تتم إزالته أحيانا من خانة الفيروسات التنفسية، بسبب تسببه بأعراض أخرى غير الأعراض التنفسية في الجهاز التنفسي العلوي والرئة، حيث يؤدي إلى أمراض أخرى بالجسم، كما أن هناك 7 أنواع من فيروس كورونا تسبب أعراض الزكام.

 

لماذا انتشرت الفيروسات التنفسية في نفس الوقت؟

أشار الدكتور بلعاوي إلى أن جائحة كورونا انكسرت في عام 2022 تعريفا، لأن “سارس كوفيد-2” تحور وطرأت عليه طفرات ليست بصالح الفيروس وأضعفته، وبالتالي وصل إلى نسخته من أوميكرون “بي إيه 5” (BA5)، وهي نسخة ضعيفة لا تستطيع أن تدخل الناس للمستشفيات بسهولة، ولا أن تزيد أعداد الوفيات كما كان الفيروس ومتحوراته السابقة الشرسة.

واعتبر أنه رغم أن نسخة أوميكرون جعلت جائحة كورونا تنكسر، لكن الفيروس لا يزال موجودا، وإن بقيت جائحة فهي جائحة غير المطعمين والأشخاص ذوي المناعة الضعيفة، مثل كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة كالضغط والسكري غير المضبوط، والأمراض المناعية.

وبيّن بلعاوي أن الأثر الذي يمكن أن تلعبه نسخة أوميكرون “بي إيه 5” بات أقل سيطرة، لذا كان متوقعا الآن أن تظهر الفيروسات التنفسية التي كانت معروفة قبل بداية جائحة كورونا، مثل الفيروس التنفسي المخلوي والإنفلونزا، وهما معروفان منذ زمن وليسا جديدين علينا، لكنهما خلال الجائحة تراجعا، حيث كان الفيروس الطاغي هو فيروس كورونا، لذلك لم نلحظهما بتلك الفترة، بالإضافة للإجراءات الوقائية التي اتخذت حينها من تباعد وحجر وعزل صحي، وارتداء الكمامات.

 

هل سيشهد العالم جائحة ثلاثية الأبعاد؟

أوضح بلعاوي أنه وفق المقالات الطبية فإن العالم يشهد ما يسمى “جائحة ثلاثية الأبعاد”، فلدينا فيروس “سارس كوفيد-2” بنسخته أوميكرون، والفيروس التنفسي المخلوي، والإنفلونزا، وبالتالي لدينا 3 فيروسات تحدق بنا، لا سيما لدى الفئات التي لديها عوامل خطر عالية، وهم صغار السن الأقل من عامين، وكبار السن الأكثر من 65 عاما، والأشخاص الذين لديهم مناعة إما خلقيا أو لأنهم يتناولون أدوية مثبطة للمناعة، مثل أمراض السرطان، ناهيك عمّن لديهم أمراض مناعية أو مزمنة غير مضبوطة مثل السكري والضغط.

وشدد على أنه كان من المتوقع أن تنشط الفيروسات التنفسية المختلفة التي كانت خامدة خلال جائحة كورونا، وهذا ما نراه حاليا على أرض الواقع.

فيروس كورونا

وفيما يتعلق بفيروس كورونا، يقول بلعاوي إن العالم مر هذا العام بصيف هادئ وآمن، لكن مع دخول فصل الشتاء، بدأ ارتفاع الحالات والوفيات وفق تقارير وأرقام منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة، خصوصا في الأميركيتين، ومنطقة غرب الأطلسي، ويقدر الارتفاع من 2 إلى 8% مقارنة بالأسبوع الماضي.

وأشار إلى أن فيروس كورونا لم ينته على الرغم من انكسار الجائحة، ووفق السلسة الجينومية كان المتحور أوميكرون بنسخته “بي إيه 5” هو المسيطر بنسبة 80-90%، ولذلك هناك توقع بارتفاع أعداد الإصابات، في الوقت الذي ستكون فيه حالات دخول المستشفيات أو الوفيات ليست كبيرة، محذرا من غير المطعمين الذين لم يتلقوا اللقاح خصوصا كبار السن، ما يزالون في مرمى نار كورونا حتى بنسخته الضعيفة.

وبالنسبة للذين تلقوا لقاحات كورونا، نصحهم بلعاوي بتلقي جرعة من المطعوم المحدث للفيروس، لافتا إلى أن المشكلة الأكبر لكورونا هي متلازمة ما بعد كورونا، والتي أثبتت دراسات بأنه حتى لو بعد عامين من الإصابة، من الممكن أن يبقى الأشخاص معرّضين للإصابة بضبابية الدماغ والجلطات وأمراض كثيرة.

الإنفلونزا

وأوضح الدكتور بلعاوي أن فيروس الإنفلونزا ينشط في فصل الشتاء وهو ليس جديدا علينا، لكن بسبب التنافس بين الفيروسات والإجراءات الوقائية خلال جائحة كورونا؛ لم نره في السنوات الثلاث الماضية، وقد خف ظهوره، لكن وفق أرقام منظمة الصحة العالمية الحالية، وبعد إجراء تحديد للعينات من 105 دول، أظهرت بأنه هناك ارتفاعات في الإنفلونزا “إيه” (A) خصوصا من النوع “إتش 3 إن 2” (H3N2)، لا سيما في نصف الكرة الأرضية الشمالي، كالأميركيتين وغرب الأطلسي وجنوب شرق آسيا، بما فيها الشرق الأوسط.

وفسر عدم ظهور ارتفاعات بالإنفلونزا في بعض الدول كالأردن ولبنان وغيرهما، بعدم إجراء الفحوصات، فلو يتم الفحص بشكل عشوائي وممثل لجغرافيا تلك الدول، لظهرت الارتفاعات. موصيا بإعادة التقصي العشوائي ورفع مستوى الفحوصات بنسب لا تقل عن 15% من السكان في هذه المرحلة من فصل الشتاء، وعلى الأقل 5% من إجراء فحوصات السلسلة الجينومية للتأكد من أنواع سلالات الإنفلونزا الموجودة.

ولفت إلى ارتفاع حالات الإنفلونزا والفيروس التنفسي المخلوي فوق المعدل الذي كان في السنوات الماضية، وأنه لن تكون هناك سلالات أشرس، لكن بسبب مرور 3 سنوات من انتشار الكورونا، أصبح هناك ما يسمى الفجوة أو الفراغ المناعي، أي أن أجسامنا لم تتعرض لهذين الفيروسين خلال الجائحة، ولذلك ستكون الإصابة بهما أصعب قليلا، لأن ردة الفعل المناعية للأجسام ستكون أشد وكأن المناعة لأول مرة تتعرف إليهما.

الفيروس المخلوي التنفسي

لطالما كان الأطفال يصابون بالفيروس المخلوي التنفسي كما ذكر بلعاوي، فهو ليس جديدا، لكن الارتفاعات بالإصابات والدخول للمستشفيات الآن أصبحا أكثر، خصوصا الأطفال أقل من عامين والذين ولدوا خلال جائحة كورونا، حيث إن 95% من الأطفال عندما يصبح عمرهم عامين يكونون قد أصيبوا بهذا الفيروس.

وشرح بأن “المخلوي التنفسي” يصيب الأطفال بالتهاب القصيبات، ومن الممكن أن يصيب كبار السن أيضا، لكن ذلك كان نادرا، أما بعد كورونا فبتنا نرى أنه أصبح يصيب الكبار -سواء البالغون الأصحاء أو كبار السن- بشكل أكبر وأكثر مما اعتدنا عليه، كما أن الدخول للمستشفيات أكثر من المعدل المعروف، وعلى الرغم من أن الفيروس معروف لكن الآن أعراضه ستكون أشد، وسيصيب فئات لم نكن نراها سابقا.

وبالنسبة للقاحات، فإن فيروس كورونا لديه لقاحات تعطى للأطفال من 6 أشهر فما فوق، أما الفيروس المخلوي التنفسي فلا يوجد لقاح له لغاية الآن، إلا أن شركة فايزر أعلنت بأنه في نهاية 2022 ستقدم لمؤسسة الغذاء والدواء الأميركية طلبا لاعتماد لقاح جديد للفيروس المخلوي التنفسي، حيث أثبتت دراساتهم بأنه يوفر حماية بنسبة 82% خلال أول 92 يوما للطفل الرضيع، و69% حماية في أول 6 أشهر.

كيف نتعامل مع جميع الفيروسات التنفسية؟

ركز الدكتور بلعاوي على أنه لا يجوز استخدام المضادات الحيوية للفيروسات التنفسية، حيث لدينا مشكلة في الدول العربية بالاستهلاك الخاطئ وغير المناسب للمضادات، ومن الخطأ إعطاء مضادات حيوية لكورونا أو الإنفلونزا أو الفيروس المخلوي التنفسي.

وأكد على ضرورة معالجة الأعراض فقط عند إصابة الأطفال بـ”المخلوي التنفسي”، عن طريق إعطاء خافضات للحرارة عند ارتفاعها، ومساعدة الطفل بإراحته، وتناول الغذاء الجيد، وعمل تبخيرات للجهاز التنفسي، وإعطاء بعض الأدوية التي يصفها الطبيب لتخفيف السعال، بالإضافة للإجراءات الأخرى بعدم اختلاط الكبار بالطفل المصاب، وعدم إرسال الطفل للحضانة أو المدرسة، لضمان عدم نشر العدوى للأطفال الآخرين، والحفاظ على النظافة من غسل اليدين والتعقيم.

ودعا الأهالي إلى الانتباه لـ3 أعراض عند الطفل، وإذا ظهرت لديه يجب الذهاب فورا للطوارئ، وهي عدم انخفاض الحرارة خلال 48 ساعة على الرغم من إعطائه خافضا للحرارة، وحدوث نهجان بالنفس مع صعوبة بالتنفس، وهذا يدل أن لديه التهابا رئويا وغير قادر على التنفس، وإذا كان هناك ازرقاق بالشفتين وقواعد الأظافر فإن ذلك يدل على نقص بالأكسجين لديه، ويحتاج للتدخل الطبي بالمستشفى.

ما التغيرات التي طرأت على الفيروسات التنفسية؟

يقول مختص الأمراض التنفسية والصدرية والعناية الحثيثة الدكتور محمد حسن الطراونة إنه بعد مرور عامين ونصف على جائحة كورونا، وبسبب الإجراءات الوقائية التي كانت متخذة من التباعد وارتداء الكمامات والتعقيم، التي حدّت من التعرض للفيروسات التنفسية بشكل عام، مثل فيروس الإنفلونزا والفيروس المخلوي وغيرها؛ انخفضت تراكيز الأجسام المضادة داخل أجسام البشر.

وأشار في تصريحات خاصة للجزيرة نت، إلى أننا بدأنا نشهد انتشارا لهذه الفيروسات بشكل أكبر وأكثر حدّة، حيث إنها جاءت مجتمعة قبل موعدها، وفي غير أوانها، وظهرت في أماكن لم تكن تظهر فيها في هذا الوقت قبل جائحة كورونا.

هل سيشهد العالم انتشارا متزايدا للفيروسات التنفسية خلال الشتاء؟

يرى الدكتور الطراونة أن الفجوة المناعية والتي تعني انخفاض تراكيز الأجسام المضادة لفترة من الزمن، وتؤدي إلى أن تكون استجابة الجسم للتعرض لمسببات الأمراض المعدية مختلفة، تدل على أن هذا الشتاء سيكون شتاء قاسيا بسبب الظهور المتوالي والمجتمع في بعض الأحيان لمجموعة من الفيروسات.

وأضاف أنه إذا التقى على الجسم البشري فيروسان تنفسيان في نفس الوقت، فإن ذلك يزيد من احتمالية المضاعفات وشدة وحدة الأعراض وإلى إضعاف المناعة، وبالتالي زيادة احتمالية الإصابة بالالتهاب الرئوي، الذي قد يستدعي الإدخال إلى المستشفيات، مما قد يؤدي إلى ضغط على المنشآت الصحية وزيادة الإنفاق على الصحة.

 

ما تأثير الفيروسات على الأمراض الصدرية والالتهابات التنفسية؟

تتشابه الفيروسات التنفسية في الأعراض التي تحدثها وفق الدكتور الطراونة، فهي تصيب الجهاز التنفسي كاملا من الأنف والحنجرة والقصبات والقصيبات والرئة، ومن أهم الأعراض التي تحدثها هي السعال الجاف وآلام الحلق وسيلان الأنف وصعوبة التنفس، والتعب العام في الجسم وارتفاع درجة الحرارة وآلام المفاصل.

وتابع أنه في فصل الشتاء تكثر مراجعات المرضى للعيادات وأقسام الطوارئ، بسبب هجمات الربو والانتكاسات في الحالات المرضية لدى مرضى التهاب الجيوب الأنفية المزمن والتحسسي والانسداد الرئوي المزمن والتليف الرئوي وذلك نتيجة الإصابة بالفيروسات التنفسية.

 

 كيف يمكن الوقاية من الفيروسات التنفسية؟

بيّن الدكتور الطراونة أن من أهم الإجراءات التي تساعد في منع انتقال عدوى الفيروسات التنفسية، هي غسل الأيدي بشكل مستمر بالماء والصابون، وتهوية المنازل والغرف الصفية في المدارس، لتقليل نسبة انتشار الفيروسات التنفسية بنسبة 80%، بالإضافة للحصول على مطعوم الإنفلونزا الموسمي، فهو مطعوم آمن ويعطى من سن 6 أشهر وكذلك للسيدات الحوامل، واتباع عادات السعال والعطاس عن طريق تغطية الفم والأنف، وعدم المصافحة والتقبيل في المناسبات.

وحث الطراونة على عدم مشاركة الأواني والأغراض الشخصية مع الآخرين، والنوم لساعات كافية، فالنوم يساعد الجسم على التخلص من عوامل الالتهاب وبالتالي يعيد ضبط جهاز المناعة، وممارسة الرياضة 3 مرات في الأسبوع لمدة لا تقل عن 20 دقيقة، والحصول على غذاء متزن غني بالفيتامينات والمعادن وتناول الخضار والفواكه، ناهيك عن الإقلاع عن التدخين وتجنب التعرض للتدخين السلبي.

المصدر : الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد الأخبار