قراءة تقريظية لكتاب «متعة النقد في لذة النص – بين الإبداع والنقد» للدكتورة لينا الشيخ حشمة

منير توما

قراءة تقريظية لكتاب «متعة النقد في لذة النص – بين الإبداع والنقد»

للدكتورة لينا الشيخ حشمة

بقلم : الدكتور منير توما

كفرياسيف

لقد أصبح النقد الأدبي في العصر الحديث نوعًا من المعرفة خاصًا ، مرتكزًا على قواعد ونظريات ومناهج غدت تتطوّر وتنمو مع الأيام عن طريق الممارسة والتطبيق حيث لعِبَ التفاعلُ والتأثرُ بمختلِفِ العلوم والمعرفة الانسانية كعلوم اللغة وعلم النفس والاجتماع دورًا أساسيًا لافتًا في ميدان النقد الأدبي والفني على حدٍ سواء . وبذلك فقد أخذ النقد الأدبي يؤثرُ تأثيرًا ملموسًا في الأدب والأدباء وانتاجِهم مُسْهِمًا إسهامًا كبيرًا في نهضةِ وتطوّرِ فروعِ الأدب في العالم أجمع . ومن هنا صارت قراءةُ الأدب وتذوُقهُ أمرًا ليس يسيرًا دونَ الاعتمادِ على فهمِ نظرياتِ واسس النقد الحديث والإحاطة بأصولِها خصوصًا فيما يتصلُ بالقارئ المتخصص أو الناقد المهني المحترف ؛ وهكذا فإنّ الدكتورة لينا الشيخ حشمة قد أظهرت كعادتِها مهنيةً ومهارةً بارزة في مقالاتِ كتابِها النقديةِ الذي يحملُ عنوان «متعة النقد في لذة النص – بين الابداع والنقد» . فلها منّا خالص التحيات وبالغ الإطراء والثناء على ما قدمتْهُ من مقالاتٍ رصينةٍ في هذا الكتاب الذي سنتناولُ جانبًا من محتوياتهِ بالدراسةِ والتعليق فيما يلي من السطور هنا .

بادئ ذي بدء ، لا بُّدَ لنا أن نشيرَ الى أنّ النقدَ يجبُ أن يصدرَ عن ذوقٍ أدبيٍّ رفيع ، وذلك لأنّهُ ليس في الأدبِ قواعدُ عامة نستطيع أن نطبّقَها آليًا ، وانّما هناكَ ذوقٌ هو أساسُ كلِّ نقدٍ أدبي . وهذا ما تحلّتْ به الدكتورة لينا في مقالاتِ كتابِها هذا واتسمتْ بها طريقتُها التحليلية التي اتفقُ معَها في الكثير من توجهاتِها النقديةِ التي تبنّتها في الأعمالِ الأدبية التي تعرّضتْ لها في هذا الكتاب ، فنحنُ نلحظُ أنَّ الطابعَ الذي يلازمُ نقدَ الدكتورة لينا هو الطابعُ التفسيري التأويلي التحليلي الذي يقومُ على الفهمِ والمعرفةِ انطلاقًا من مذهبينِ كبيرينِ على هذا الأساس : أحدهِما النقد الذاتي أو التأثري (subjective or impressionistic criticism) والآخر النقد الشيئي أو الموضوعي (objective criticism) . وقد حافظتْ الناقدة في نقدِها على المبدأ البديهي بأنّهُ لا اجتهاد مع النص الواضح الصريح الذي يفسِّر نفسَهُ بنفسِهِ . وعلينا أن نشيرَ هنا الى أنَّ النقدَ بالغُ المشقةِ والخطرِ ، ولا يستطيعُ أن يتصدّى له إلا مَنْ أُوتيَ تقافةً واسعةً وذوقًا مصقولًا ، وقد أثبتتْ الدكتورة لينا أنّها تتمتعُ بهذهِ الصفات ، فقد وجدنَا في العديد من مقالاتِها النقدية في كتابها مستوىً نقديًا سيميائيًا على تجلّيات نصيّة ، لفظية منها وغير لفظية ، وفي هذهِ الحالات ، فإنّ الأمرَ يتعلقُ بحالةٍ من حالات التوازي بين المجرّد والملموس ، الممكن والمتحقق ، الصوري والمشخّص . وها نحن نقرأها في نقدها لرواية «جوبلين بحري» لدعاء زعبي (ص245) وهي تقول إنّها باتبّاعها النهج السيميائي في قراءتِها النقديةِ للنصوص ، وفي كونِ الشكل عندَها لا ينفصلُ عن المضمون ، والمعنى عن المبنى ، فإنَّ قراءتَها تعتمدُ على اختزالِ كلِّ المعطيات النصية وتحديدِها في منظومةٍ من الشيفرات والرموز والمفاتيح التي تصيرُ مرجعًا تعود إليهِ عند التأويل وتحديدِ الدلالة . ويمكنُنا أن نقول في هذا السياق أنَّ مثلَ هذه المنظومةِ في نقد الدكتورة لينا تقودُنا الى مصطلحي الرمز والقناع لتشابُهِهما في الإيحاء والتأويل ، إضافةً الى أنّ الرمزَ داخل النص يأخذ أشكالًا مختلفة . فاستخدام الناقدة للرمز الأدبي في مقالاتِها قد بقيَ في حدود التأثيرِ النفسي العميق في المتلقي ، وخلقِ جوٍ الايحائيةِ والخفاء والغموض أي الابتعاد عن المباشرة والسطحية . وكما تذكر الناقدة في مقالِها عن رواية «نوّار العلت» لمحمد علي طه أنّ العنوان يُعتبَر من أهم العتبات في دراسة النص الأدبي ، وأنّ العنوان يعتبر في المنظور السيميائي إشارةً ومفتاحًا لسَبْرِ أغوارِ العمل الأدبي وتأويلهِ لتشكيلِ الدلالة . ونحن نتفقُ تمامًا مع الدكتورة لينا في ذكْرِها أنّ ذلكَ جزءٌ لا يتجزأ من النص . وعند هذه النقطة ، نَوَّدُ أن ندلي بدلونا فيما يتعلق برمز نوّار العلت وشجرة الكمثرى اللتين أوردتهما الناقدة في مقالها حول هذه الرواية ؛ ومع منطقية الترميز في المقال بشأن نوّار العلت ولونهِ الأزرق الذي تَنْسبُهُ الناقدة الى هذه النبته ، فإنّنا نوّد أن نكونَ أكثرَ دقةً في هذا الأمر وننوّهُ أن لون نوّار نبتةِ العلت هو اللون البنفسجي (violet) القريب الى الأزرق ؛ واللون البنفسجي هو لون أنثوي في دلالتِهِ ورمزيتِهِ ، فكما منحت الأم فاطمة ليافا لقبًا قائلةً لها : «عيناكِ مثل نوّار العلت» فإننا نورد هنا حقيقةً كونِ رمز لونِهما البنفسجي تمثيلًا للاشتهاء «lust» وللرغبة (desire) في الحب وفقًا لإلاهتهِ أفروديت . ومن الزاوية الأخرى ، فإنّ الناقدة تذكر أنّ سارة أم يافا اطلقت عليها «شجرة الكمثرى» أي الأجاص . وتعتقد الدكتورة لينا أنّ الكاتب برأيها هنا أرادَ أن يوازي ذلك على المستوى السياسي على خريطة الواقع ، فالكمثرى من حيث الكبر كاسرائيل على حد ترميز الناقدة في مقالها . وعن رأينا في هذا الصدد ، فإننا نضيف على ما قالته الناقدة ونتشعب في موضوع ما ترمز إليه يافا ونقول إنَّ يافا تعكسُ وتؤكد تمثيلًا للجانب المحوري للأنثى في الرواية ، فالكمثرى أي الأجاص ترمز الى مبدأ الأنثوي ويتماهى ذلك مع رمزية نوّار العلت بلونه البنفسجي كما أشرنا آنفًا . والكمثرى الثمرة تشبه بشكلها الى حدٍ كبير رحم المرأة تشريحيًا ، فهي ترمز الى الحسيّة ومصدر السعادة والهناءة والى العاطفة (affection) والى الأمل والقلب الإنساني أيضًا ، وكذلك الخصوبة والولادة الجديدة (rebirth) .

ومن اللافت عند قراءتِنا لمقالات الكتاب أنّ الدكتورة لينا قد أبدتْ وأولتْ اهتمامًا خاصًا بالمضمون الفكري أو معنى العمل الأدبي أو الرسالة الإنسانية التي يريد الأديب توصيلها الى المتلقي ، خاصةً وأنّ المضمون الفكري كان الوجه الآخر للشكل الفني الذي كان – ولا يزال – ملازمًا دائمًا لتطوّر الأدب بصفةٍ خاصة . وتقدِّم لنا الناقدة في مقالتها حول ديوان «حبر على قلق» لفردوس حبيب الله تجسيدًا وتمثيلًا لذلك حيث تورد في نقدها للديوان أنّ فردوس حبيب الله «تكشف في قصائدها عن شعرية التضاد كملمح حداثي حيث تتشكّل القصائد من لوحات ذات ثنائية متناقضة ، كاشفةً عن الشرخ والانشطار الذاتي» ، وتضيف قائلةً في السياق ذاتِهِ أنَّ «القصائد ترسم صراعات النفس في متاهاتها وتساؤلاتها الكئيبة ، مغتربة عن ذاتها وعن عالمها القبيح ، ليكون الحلم في السّعي الى الخلاص نحو عالم الخير والحق والجمال» . ومن المهم هنا أن نؤكِّد أنَّ تحليل الدكتورة لينا وفكرها في هذا الشأن ، يؤدي بنا الى ايراد الحقيقة بأنَّ المضمون الفكري – حتى لو كانَ فكرةً شائعةً أو قضيةً يعلمُها الجميع – متى تفاعلها مع الشكل الفني للعمل الأدبي أصبح خاصًا بهِ ، وليس له امتدادٌ خارجَهُ ، أو اتصالٌ بأي شيءٍ آخرَ ، حتى لو كان الفكرة الشائعة أو القضية التي يعلمُها الجميع ، والتي أوحتْ بهِ . وخلاصةُ القول في ختام هذه المداخلة أنَّ الناقدة الدكتورة لينا أحسنتْ وأجادتْ في توجهاتها النقدية في هذا الكتاب ، والتي تُعَدّ . بمثابة مفاتيح لمغاليق العمل الأدبي للأدباء التي تتمحور حول (1) الهدف الذي يسعى إليه الأديب أو الفنّان كي يتحقق من خلال عمله الأدبي أو الفني . (2) الوسيلة التي استخدمها الفنّان في تحقيق هذا الهدف وتوصيله الى المتلقي . (3) السؤال فيما اذا نجحت الوسيلة في توصيل الهدف ولماذا؟ وانني على ثقة تامة أنّ الناقدة الدكتورة لينا قد استطاعتْ ونجحتْ بكل جدارةٍ أنْ تجيبَ عن التساؤلاتِ المطروحة بخصوص الأعمال الأدبية التي عالجتْهَا في الكتاب بموضوعيةٍ تحليليةٍ ، وبذلك تكونُ قد وضعتْ يدَهَا على مصادرِ الجمالِ والابداع في العمل المطروح للتحليل والتقويم ممّا يساعد المتلقي على الاقترابِ من العمل وتذوقِهِ ، بل والمرورِ بنفس التجربةِ الجماليةِ والسيكولوجية التي مرَّ بها الأديبُ أو الفنّان خلالَ ابداعهِ لعملهِ ، وترجمة الإنفعال الفطري الى انفعالٍ فكري ، أو ما يُسمى بالانفعال الجمالي ، الذي لا يسبقُ في الوجود مرحلةَ التعبيرِ عنهُ ، فهو الشُحنةُ الانفعالية التي تصحب تجربةَ التعبيرِ عن أي انفعالٍ مُثار .

فللدكتورة الكريمة لينا الشيخ حشمة أجمل التهاني والتحيّات مقرونة بأطيب التمنيات بدوام التوفيق والتألُّق وبالمزيد من الإشراق والعطاء .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد الأخبار