رسائل الشرفات الإنسانية

رسائل الشرفات الإنسانية
قراءة في ديوان: “الشرفات الأربعون”- للشاعر المغربي محمد السكتاوي

بقلم: صالح أحمد (كناعنة) / فلسطين

///

ديوان انيق، يضمّ أربعين قصيدة (شرفة) تقع في 140 صفحة من الحجم المتوسط ، صادرة عن منشورات التوحيدي في مدينة الرباط، المملكة المغربية.
///

إنّها شرفات الوعي، تطل منها الروح على منافذ الوجود، تتابع ألوان الحياة، أنفاس العابرين، نبضات القلوب، صور الشارع، حفيف أجنجة المحلقين في فضاء الوجود بحثا عن ملاذ لأرواحهم في فضاء الكينونة، تجمّع حجارة التكوين، وحروف المنطق في زحف الأيام…

إنها شرفات تطل على أسرار الوجود، تكشف بعضها بحزن وألم، وتستر بعضها بإشفاقٍ وحب، وصبر مشفوع بأمل التغيير…

إنها شرفات تعري الواقع، عله يبوح بكل الأسرار والأخبار… أخبار سيرورة الوجود المنحرف عن مسار نبض الحياة… ما يجعل المدينة “مصابة بالحزن“ص22 ، لأن إنسانها بات في حيرة، يخنقه الضيق، ويثقل على نفسه وحسِّه ووعيه الظلام المخيّم… يجعله يصرخ في أعماق قلبه الباحث عن نبض يعيد الحياة لقلب الحياة “عليّ لملمة بعض الضوء” ص23.. لأدرك أن لا فراغ في الوجود، وأن الوجود ليس سوى صوتي الذي أطلقه، فيحملني إلى الإصرار على تحقيق الوجود بفعلي واجتهادي، موقنًا أن “هذا الفراغ المرئي” ص31- لم يكن سوى إرهاصات الواقع المشوَّه الذي أحدثه، وأوجد عناصره، أولئك الهاربون من مواجهة الحقيقة الكاشفة بأن الحرب وقوانينها ليست سوى وليدة الفراغ؛ فراغ الوجود من عناصر الكينونة الإنسانية، والحس الإنساني الرحيم… ما جعل الحياة الإنسانية تعيش حربًا لا تنتهي، بل تستمر بآثارها وعناصر شرورها… “انتهت الحرب/ ولم ينته زمن الطورارئ“ص33- فالفراغ يولد الفراغ، ولا ينبت في أرضه إلا الخواء والعبث المدمِّر… والحرب عبث الإنسانية المؤكِّد على خوائها، الحرب خواء الإنسانية من نبضها، وقوانين الطوارئ ليست سوى الفراغ الأكبر المتولِّد عن خواء نفوس صانعيها ومفتعليها من بصيص إنسانية ووعي… فصانع الحرب وقوانين الطورائ الحاضنة لكل ألوان القهر للإنسانية “هو لا يرى إلا الخواء ينمو / كما الأعشاب البريّة / في حقول الصمت / وأمامه يمتد الطريق فاغرًا فاهُ / يبتلع كل شيء“ص136-

إنّه الفراغ المظلم، فراغ الحياة من معاني الإنسانية، وروح الرحمة، وأفق الوعي… إنه فراغ تولّد عن صمت الإنسان في وجه صانع الحرب والقهر والموت… ليجعل طريق الحياة ملوّثًا بالخواء… ما يجعله يبلع كل شيء… لتغدو “المدينة مصابة بالحزن“ص22- وليست المدينة سوى وجه الإنسانية، وصورة الوجود والحياة… فالمكان يعكس صورة إنسانه، ويحتضن واقع الحياة والوجود فوقه، والمدينة التي رآها شاعرنا من فوق شرفاته لم تحتضن سوى الحزن المخيم الذي يجعل إنسانه بحاجة إلى “لملمة بعض الضوء“ص23، ليحصل على بصيص أمل يمكنه من المضي في الحياة مع الحياة. ولكي يدرك أنه حتى يتمكن من شق طريق له في الحياة، ضمن واقع مدينة مصابة بالحزن، محكومة بالحرب وقانون الطورائ… عليه “أن يخترق حقول الألغام المزروعة فيه“ص36 ، و “أن لا يحمل قضبان السجن على كتفيه” ص105

عليه أن يخترق حصار الذات للذات؛ بترك ونبذ مخاوفها، كما عليه رفض حصار الفراغ للحياة، بل الخروج منه والثورة عليه، ليجد في قلبه بصيصًا من نورالحياة، ويعيشه بوعي وحب… عندها سيدرك أن الوعي يستوجبُ أن  ترتعش الكلمة / تعري المعنى / فوق صفحة بيضاء / قبل أن تهوي المقصلة / على وردة الأمل“ص66

أجل، على الانسان الباحث عن العيش الكريم في ظل جودة الحياة، أن يدرك أن لا كرامة تبقى حين تخرس الكلمة، ويشوَّه المعنى، وتهوي مقصلة قانون الحرب والطوارئ على وردة الأمل الإنساني لترديها…

على الإنسان الواعي الباحث عن حريته أن يدرك أنَّ دليل وعيه –بل إنسانيته- الحقيقي؛ أن لا يغيب عنه صوت الإنسانية الحامل لروح إنسانها، بل يجب ان يجعل من صوت الإنسانية صوت ذاته لذاته ، الأصل والروح “صدى صوتي ما زال يأتيني / من البدايات الأولى” ص40 ، حيث كانت الإنسانية حضن الروح الطيبة النقية البهية، ” وقبل أن يصبح الفقر وحشًا جائعًا” ص71، وقبل أن يضج صوت الحياة في وعيه “الغربة صارت من لغتي” ص69 ، ووقبل أن يدرك أنه لا يمكن أن يعانق إنسانيته إلا إذا تحدى ذاته، ليصرخ مكابرًا “لأخرج ذاتي / من ذاتي / فتجردت من بعضي / ثم كلي / حتى صرت شفيفًا“ص70

أجل، يجب التخلص من الذات المرتعشة، ومن كل عوالق الخوف والخضوع لمنطق الحرب والطورارئ… من الذات المستكينة المستسلمة لواقع القهر، لتمتلك الشفافية التي تمكنها من رؤية الحياة بكامل جمالها المفارق لكل إرهاصات واقع الحرب والطوارئ الخوائي…

أجل… افعلها يا إنسان مدينتي، وانطلق، فأنت “دليل الروح وسط الخراب“ص8 – و”لا يزال جذر الشجرة في صلبكص9 – دليل الحياة على الحياة، ومدينة الإنسان التي لن تزدهر، ولن تشرق فيها شمس الحياة وأنوار الإنسانية.. حتى تكون محلقة في فضاء من حرية وانطلاق… كطيور أفريقيا الحرة، وعندها “كل طيور أفريقيا ستحلق معك” ص10… “تملأ صدري المفتوح / لتراتيل كل الأديان / ثم تفيض نبعًا / وتصير بستان تفاح“ص104 – لترتل الإنسانية لحن المحبة والتآخي والتآزر… ما سيجعل الإنسانية تحلق في فضاء الروح هاتفة بصوت كل عاشق للحياة “أنا وحبيبتي / صرنا معًا / واحدًا في واحد” ص80 … ويضج الوجود حبورًا وبهجة “لقد فتحت سفر العودة” ص76… لتعود الطيور إلى أعشاشها… النجوم إلى سمائها… الورود إلى رياضها… الحياة إلى إنسانها.

***

هكذا نجدنا أمام شاعر حداثي مبدع… يمزج بين الرومانسية قالبًا وروحًا وفنّا… والواقعية فكرًا، والتعبيرية خيالا ورمزًا وتصويرًا… أنه شاعر يتقن التعبير عن نفسه، وعما يدورفي وعيه وحسه… كما يتقن التعامل مع الحروف وكأنها كائنات حية، يوظّفها في مكانها الصحيح… لتؤدي المعنى والصورة المتوخاة منها بدقة وروعة.

كما نجدنا أمام شاعر مثقف، واسع الثقافة والخيال… ما يثري فكره، ولغته ويثري نصوصه ويدعم شاعريته بتنوع فكري ثقافي… فنجده يغرف من موروث الحضارات العالمية، ومن تراث الشعوب… كما نجده يغرف من الموروث الصوفي الكثير الكثير… ما جعل شرفاته تطل بنا على عالم ثقافي حسي جمالي واع وراقٍ فكرًا وخيالًا وحسًّا… مشفوعًا بأفق رحب من الوعي الفكري والحضاري والإنساني… ورقي الانسان فكرًا وحضارة ووعيًا يبقى عنوانه ومقصده بالعموم.

رموز تراثية وحضارية في المجموعة:

يتعمد شاعرنا إثراء نصوصه بالرموز التراثية ليدلل على قوة تأثير الفكر التراثي والاسطوري على تفكير الإنسان، وأنه مهما تقدمت به الأيام وتطورت الحضارات، يبقى في خياله ووذهنه الكثير من الأثر الأسطوري والتراثي ما ينحرف به إلى الفكر الغنوصي أحيانا… فنجده يغترف من أساطير اليهودية في العهد القديم وفي سفر الملوك… قصة داوود وجوليات التي ما زالت تعشش في عقلية الشعب اليهودي وتؤثر في فكره وسلوكه.

كما نجده يستحضر قصص متنوعة من الموروث الديني كقصة بلقيس، والهدهد… وقصة النمل مع سليمان عليه السلام: (هذا المساء سمعت نفرا خفيفا / يزورني بنبأ سعيد / عن عودة بلقيس / قال انها آتية تخترق الهواء / على صهوة البرق / وتحمي مسارب النمل من حوافر الخيول)ص53

وكأني به يصرح في وعينا: هل باتت الشعوب مسارب نمل تحتاج إلى معجوة قادمة على صهوة البرق لتنقذها من حوافر خيول الوهم المسيطرة على عقولها قبل بلادها؟

وهكذا نجده لا يتورع عن تزيين نصوصه وتغذيتها بعناصر من العمق التراثي مستلهما إيحاءاتها الرامزة بقوة.. وتاركا للقارئ أن يستوعب مقاصدها بما تثير في وعيه من دلالات متنوعة ومتعددة ومتشعبة… ومن هذه الرموز: قصة الخلق في سبعة أيام، في البدء كان الكلمة،  قصة الألواح العشر وداوود وسليمان… “تحوت” ربة الحكمة عند الفراعنة… كتاب الملوك عن الفراعنة، أسطورة اللقالق الإغريقية ، التفاحة ولذة التمرد الأولى… ويختمها عامدأ وبإصرار مقصود بقوة –على ما أعتقد- وتحت عنوان “قدر يجثو على رقبة العالم” بكثافة رمزية منتقاة بذكاء من عمق الثراث الأسطوري الديني والتراثي: (رقصة فورتونا) الهة القدر عند اليونان، (أبو حيان التوحيدي) وهو الفيلسوف المتصوف الذي يغلب عنده العقل على كل شيء؟… بعكس معظم الصوفية التي تغلب عندها القدرية على العقل. قصة (قابيل وهابيل)… (كارمينا بورونا): مجموعة القصائد اللاتينية من القرن الثلث عشر والتي تحكي مرارة الحياة في ظل الصراع النفسي والخلقي بين الدين والقدر، وبين المجون والحب… ويجتمها أخيرًا قصص الألواح وداوود وجوليات التي ما زالت تتحكم في مصير التاريخ والفكر المشوه… ليهز وعي الشعب… ان الأسطورة ان لم تكن عبرة… ستشكل كارثة ونقمة…

وهو هنا لا يفوته أن يعرج على قضية فلسطين، قضية العرب والإنسانية الكبرى، فيذكر بيت لحم، وبير زيت، وثورة الشهيد القائد البطل عبد القادر الحسيني.

ولا ننسى رمزية الرقم أربعين، وما تحمل من تنصيص دلالي عميق، فالرقم أربعون ليس رقمًا زمنيّا، بقدر ما كونه رقمًا روحيّا، يدلّ على التغيير والتحوّل والإنتقال من حالٍ إلى أخرى، كالتحوّل من حال الموت إلى حال القيامة مع يسوع المسيح عليه السلام، كانت أربعين يوما…  وصام المسيح أربعين يومًا، لذا أصبحت فترة الحداد المتعارف عليها في تراث الشعوب أربعين يوما…

وفي القرآن الكريم: {وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ} سورة الأعراف/142 –

(وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (الأحقاف /15)

(قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ) (المائدة /26).

وفي الحديث النبوي الشريف : ما رواه مسلم في صحيحه (6672) من حديث ابن مسعود قوله عليه الصلاة والسلام: (بأن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح.)

وإن مدة حمل المرأة للوليد: 280 يوما، أي- 40 * 7 يوما.

هذه الدلالات والاشارات… لا أظن شاعرنا غفل عنها حين جعل شرفاته أربعين.

***

كما نجده يقبس من قصص التاريخ ما يحفز الذاكرة لتغذي الوعي بموروث حضاري يستنهض روحها وينبه حسها، ويستفز طموحها … كقصة القيصر الأكبر، وقصة حني بعل يغزو روما..

وقد أبدع في اقتباساته وتنصيصاته من التراث الصوفي، فنجده يرمز إلى قصة قتل الحلاج، وما تحمل من معاني رفضه (شاعرنا) الشديد لفكرة القتل على خلفية الفكر واختلاف الرأي والاجتهاد…

ثم يعرج على حزانة الرمز الصوفي فيقطف من حدائق جمالياتها باقات تبعث الأمل، وتشحن الإيجابية وروح الجمالية في النفس مثل: الظاهر والخفي ، سكرة الفناء ، حدائق الحلم والأُنس ، مدينة الحلم ، مشكاة أنوار النبوّة ، أنا وحبيبي صرنا معًا واحدًا في واحد (عقيدة الاتحاد والتماهي عن الصوفية)

حقًا… إنها شرفات تطل على عالمنا بكل عمق وصدق، تصور واقعنا، وتعري دواخلنا، وتضعنا وجها لوجه أما أنفسنا وذواتنا، لننظر إلى حقيقتنا المجردة، ونتخذ قرارنا بشأن مسيرة حياتنا القابلة بوعي…

شكرا صديقي الشاعر الراقي محمد السكتاوي… لقد اتحفتنا بصدق، وهززتنا بقوة… وأثريتنا بعمق…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد الأخبار