البروفيسور نيك ريمر: مقاطعة إسرائيل واجب أخلاقي وينبغي الاحتجاج ضد هابرماس

نيك ريمر محاضر أول في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة سيدني الأسترالية (مواقع التواصل الاجتماعي)
.

عثمان أمكور

تعد المقاطعة الأكاديمية للاحتلال الإسرائيلي فرعا من فروع “حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات” “بي دي إس” (BDS) المدافعة عن حقوق الفلسطينيين، لكنها لم تكتسب شهرة كافية مقارنة بالشهرة التي اكتسبتها أشكال المقاطعة الأخرى، رغم أهميتها وخطورتها لأنها تتحدى الهيمنة والتغول الإسرائيلي في الجامعات والفضاءات الأكاديمية، التي تسعى إسرائيل لاختراقها عبر “قوتها الناعمة” المتمثلة بإغراء الأكاديميين الغربيين بتنظيم أنشطة مشتركة وتمويل فعاليات أكاديمية من أجل كسب تعاطف شريحة عريضة من أساتذة الجامعات الغربية.

هذا التمدد “للقوة الناعمة” الإسرائيلية ظهر بشكل كبير مؤخرا بعد حرب إسرائيل الحالية على قطاع غزة، حينما تفاجأ العالم الثقافي من الموافق اللاأخلاقية الصادرة عن عدد من الأكاديميين والمفكرين أمثال عالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس، وكذا ضغط اللوبي الإسرائيلي على مجموعة من رؤساء جامعات عريقة للاستقالة جراء مواقفهم الرافضة للعدوان الإسرائيلي على غزة.

ومن الأقلام التي استبقت ما نشهده اليوم في الساحة الثقافية من توغل إسرائيلي في الجسم الأكاديمي، عمل البروفيسور نيك ريمر -المحاضر الأول في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة سيدني الأسترالية وأحد الناشطين والأكاديميين المناصرين للقضية الفلسطينية- على كتابة مجموعة من الأوراق الأكاديمية المهمة، أبرزها كتابُه الأخير المعنون بـ”نظرية المقاطعة والنضال من أجل فلسطين.. الجامعات والثقافة والتحرر”. وعلى ضوء هذا الكتاب الذي يدعو فيه ريمر إلى المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل، أجرت الجزيرة نت هذا الحوار:

.

أنت من الأصوات الأكاديمية القليلة التي لم تكتف بالمقاطعة الأكاديمية للجامعات الإسرائيلية، بل قدمت أطروحة لدعم هذه المقاطعة، هل يمكنك توضيح أسباب تأليفك هذا الكتاب؟

أشكرك على دعوتك الكريمة للقيام بهذه المقابلة مع الجزيرة نت، في الواقع كتبت الكتاب للقيام بأمرين، الأول متمثل في شرح دواعي حملة المقاطعة ضد إسرائيل، خاصة في الجامعات، والأمر الثاني يتجسد في الدفاع عن الأكاديميين الذين اختاروا مسار مقاطعة إسرائيل. كتبت الكتاب قبل عام، وما يقع اليوم في غزة أكد مدى أهمية مثل هذا الكتاب الذي يدعو لضرورة دعم حملة المقاطعة ضد إسرائيل، بسبب ما نشهده من مشاهد إجرام غير مسبوقة يقودها الاحتلال الإسرائيلي المدعوم من الغرب.

تقوم أطروحة المقاطعة بتحدي المزاعم الإسرائيلية، كما يعلم الجميع، فإن إسرائيل تستخدم صورا متنوعة من “القوة الناعمة” لصيانة تأثيرها في الأوساط الغربية والولايات المتحدة، والجامعات أحد أهم الأوساط التي تبذل إسرائيل جهودا كبيرة فيها، وكتابي يضع أرضية تتحدى هذه الهيمنة الإسرائيلية داخل الجامعات الغربية والرامية لدعم أطروحة إسرائيل، ويجيبُ عن سؤال: لماذا يجب على الجامعات والأكاديميين قطع علاقاتهم بالجامعات الإسرائيلية؟

.

في كتابك أشرت إلى أن الأكاديميين الذين يقاطعون إسرائيل يتعرضون إلى مضايقات، كيف يمكن تجاوز هذه المضايقات من أجل إنجاح المقاطعة الأكاديمية؟

تستخدم إسرائيل الزعم الرامي إلى أن ثقافة العالم الأكاديمي قائمة على عدم مقاطعة أي رأي أو شريحة مجتمعية مهما كان نوعها أو موقفها الثقافي أو السياسي الفكري، بحكم أن الجماعة العلمية تتمتع بحرية الفكر، وهي محضن لكل الأفكار، كما أن الجماعة العلمية ترى أن ما تنتجه منفصل عن سيرورة الأحداث في العالم الخارجي، مما يجعلها تعتقد أن مقاطعتها لإسرائيل لن يكون لها أيّ أثر على واقع الأحداث الخارجية في عالم السياسة والعلاقات الدولية، حيث يظنون أن الحقل الأكاديمي منفصل عن العالم الخارجي سياسيا، ويرون أن العالم الأكاديمي يحوم فقط حول القيم العلمية والأكاديمية، ولا علاقة له بعالم السياسية والعلاقات الدولية، لذا فإنّ شريحة عريضة من الأكاديميين لا ترى وجود مسؤولية أخلاقية عليها إذا ما كانت هناك مثلا “إبادة جماعية” في غزة من عدمها، وهو عائق أمام المقاطعة داخل الجامعات.

ومن جهة أخرى، قطع العلاقات مع إسرائيل ليس بالأمر الصعب كما يتصوره العديد من الأكاديميين، لأنه لا يلقي عليهم مهام صعبة، لأن عملية “المقاطعة” جدّ دقيقة وموجهة، ومتمثلة بعدم انخراط الأكاديميين في المحاضرات والمؤتمرات المنظمة أو الممولة من الجامعات أو المؤسسات الثقافية الإسرائيلية، وعدم التعاون مع الجامعات الإسرائيلية على المستوى الرسمي.

لا مشكلة إذا ما تمت كتابة مقالة علمية مع زميل إسرائيلي، نحن لا نقاطع الأكاديميين الإسرائيليين، بسبب عملهم في الجامعات الإسرائيلية، فهم ليسوا المستهدفين من “حملة المقاطعة”، ما يجب مقاطعته هي الجامعات الإسرائيلية نفسها، لأنها تمثل السلطة الإسرائيلية التي تشرعن الاحتلال ضد الفلسطينيين، كما أنها في تماسٍ مباشر مع السلطة الإسرائيلية التي ترتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في حق المدنيين في فلسطين سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة.

لذا ما نستهدفه من “حملة المقاطعة” هي مقاطعة الأنشطة الرسمية التي تقوم بها الجامعات الإسرائيلية، سواء كتب جماعية أو ندوات أو برامج لتبادل الطلبة أو الباحثين، وهي أمور مهمة ولها وقع أكبر مما يتصوره المجتمع العلمي نفسه رغم بساطتها.

التحدي الذي يواجه “حملة مقاطعة إسرائيل” أكاديميا ينجم عن مخاوف المثقف الذي يتصور بأن مقاطعته لإسرائيل قد تتسبب له بمضايقات عديدة في مساره الأكاديمي أو المهني بفعل الضغوط التي سيحدثها اللوبي الإسرائيلي المتوغل في الجامعات الغربية، ولكن ما أحاول إظهاره في الكتاب هو أن الأكاديمي قد يتحايل على ذلك من خلال تطبيقه بعض الممارسات التي يطبقها دوما في حياته الأكاديمية، دون أن يطلق عليها اسم “مقاطعة”، حيث يحق لأي أكاديمي أن يرفض التعامل مع أي مؤسسة أو جهة أكاديمية، دون أن يفسر أسباب عدم تعامله معها.

وكمثال على ما ذكرته هو ما حدث بين روسيا وأوكرانيا حينما قطع العالم الغربي الأكاديمي علاقاته مع الجامعات الروسية، دون أن يتساءل أحد حينها عما إذا كانت هذه العملية جراء “مقاطعة ثقافية” معينة، وخاصة تجاه الجامعات الروسية التي لها علاقة مباشرة مع النظام الروسي، أو أسهمت في أبحاث عسكرية أو دعمت احتلال روسيا لأوكرانيا، لم يشكك أحد في مدى جدوى “المقاطعة الثقافية” للجامعات الروسية حينها.

ولكن حينما نتحدث عن الجامعات الإسرائيلية المتورطة مع دولة الاحتلال الإسرائيلية في جرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب ضد الفلسطينيين، وتناصر الحرب والعدوان والاحتلال ونظام الفصل العنصري الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، تتحول حينها “المقاطعة الثقافية” ضد إسرائيل لعائق وتحدٍ يصعب تجاوزه لحث الأكاديميين على الانخراط في المقاطعة الثقافية ضد إسرائيل، بسبب معرفتهم بمدى توغل اللوبي الإسرائيلي في نسيج الجامعات الغربية بسبب احتمال مواجهتهم مضايقات أكاديمية عديدة، وباختصار مشكلة المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل لا تتمثل في كونها “مقاطعة” بل لكونها تستهدف “إسرائيل”.

.

في كتابك أشرتَ إلى أن حملة المقاطعة لا تستهدف الأكاديميين الإسرائيليين بقدر ما تستهدف من هم في السلطة داخل الجامعات أمثال رؤساء الجامعات والعمداء وغيرهم، ألا يمكن القول بأن الأكاديمي الإسرائيلي الذي يشتغل في الجامعات الإسرائيلية يؤيد نظامه بوجوده داخل جامعات تؤيد النظام الإسرائيلي، وخاصة أن الجامعات إحدى الأدوات الكولونيالية التي تستخدمها إسرائيل لشرعنة احتلالها؟

سؤال مهم، من المهم الفصل بين الأمرين، بصفة عامة تحتوي الجامعات على تنوع ثقافي وسياسي كبير، لذا هناك أكاديميون إسرائيليون داخل الجامعات الإسرائيلية من يدعم المقاطعة الثقافية ضد جامعاتهم، لأنهم من مناصري حقوق الفلسطينيين، رغم وجودهم في الجسم الأكاديمي الإسرائيلي، هؤلاء الأكاديميون لا يجبُ مقاطعتهم لأنهم في صفنا، في المقابل مؤسساتيا فإن الجامعات الإسرائيلية اتخذت مواقف وقرارات تدعمُ الاحتلال، ونظام الفصل العنصري، وجرائم ضد الإنسانية التي تقترفها دولة الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في إسرائيل، وكذا مواصلة الاحتلال وجرائم الحرب ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ووفقَ ما سبق، فإن رؤساء الجامعات وعمداءها -بحكم أنهم وافقوا بوضع أنفسهم في مكان المسؤولية، فإنهم بذلك يجعلون أنفسهم محاسبين على قرارات الجامعة التي تدعم الآلة الإسرائيلية الحربية- هم وجوه بشرية تمثل مسؤولية الجامعات الإسرائيلية المتورطة والمتواطئة مع نظام الاحتلال الإسرائيلي.

إذا لم يكن عمداء ورؤساء الجامعات متعاطفين مع الإجرام الذي تقوم بهِ إسرائيل لما وضعوا أنفسهم في هذه المناصب التي تجعلهم يمثلون السياسة الإسرائيلية في الفضاء الأكاديمي، لذلك فإن “حملة المقاطعة” تعتبر العمداء ورؤساء الجامعات مسؤولين يجبُ مقاطعتهم، وهنا يهمني أن أضيف أنَّ هناك أكاديميين سواء في الجامعات الإسرائيلية أو غير الإسرائيلية ممن يدعمون الطرح الإسرائيلي أو سبقَ لهم التورط في أحد الأعمال الداعمة للسلطة الإسرائيلية المحتلة يجبُ كذلك مقاطعتهم، كما يجبُ مقاطعة أي باحث في الجامعات الإسرائيلية يقومُ بتطوير أبحاث قد تستخدم عسكريا ضد المدنيين في فلسطين، لأنهم منخرطون بطريقة ما في أبحاث “غير أخلاقية” ستؤذي أرواح المدنيين الأبرياء لذا وجبَ مقاطعتهم، ولكن هناك باحثين إسرائيليين مناصرين للقضية الفلسطينية لا يجبُ مقاطعتهم، لذا يجبُ الفصل بين المسؤولية الفردية للباحثين والمسؤولية المؤسساتية والإدارية للجامعات ومن يمثلها.

.

في كتابك تشيرُ إلى أهمية المقاطعة الأكاديمية ولكنك لم تغفل عن أهمية المقاطعة الاقتصادية لما يمكن أن تسببه من ضرر للهيمنة الإسرائيلية اقتصاديا، كيف ذلك؟

المقاطعة الأكاديمية موجودة لتحدي القوة الناعمة التي تفرضها إسرائيل في الجسم التعليم العالي في العالم، كما هو معروف، فإن للجامعات دورا كبيرا في إعادة إنتاج النخبة الثقافية، كما تهيئ الأجيال القادمة من الطلبة الذين سيتحولون إلى قوة عاملة، وسيصبحون قادة للمجتمع في مختلف التخصصات، ولأن القوة الناعمة الإسرائيلية تتوغل داخل نسيج الجامعات في العالم يجب أن يتم تحديها أكاديميا بآلة المقاطعة، وخاصة وأنَّ إسرائيل تستخدم الجامعات باعتبارها آلة من آلات القوة الناعمة التي تفرض عبرها درجات عالية من التأثير، لأنها تفهم أهمية الجامعات ودورها في بناء وإعادة هندسة المجتمعات، لذا فإن المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل في الجامعات مهمة جدا.

وبما أن الجامعات لا يذهب لها أو يتفاعل معها الجميع، فإن طبقة الأكاديميين والمثقفين هم المعنيون بالمقاطعة الأكاديمية، في المقابل هناك “المقاطعة الاستهلاكية”، متاحة للجميع، وهي تقوم بالضغط على القوى الاقتصادية الداعمة لإسرائيل عبر القوة التي يمتلكها الأفراد جراء قراراتهم الاستهلاكية الفردية عبر حثهم على عدم استهلاك المنتجات أو الخدمات التي يصنعها أو ينتجها الجانب الإسرائيلي أو من يدعم إسرائيل، هذه المقاطعة مسيرة من طرف “اللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل”، حيث قامت بمجهود كبير في تحديد السلع، والخدمات التي يجبُ مقاطعتها بسبب ارتباطها بالاحتلال الإسرائيلي.

رأينا مؤخرا أثر مقاطعة شركة الملابس الرياضية “بوما” بسبب شراكتها مع الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم الذي يمتلك فرقا في “المستوطنات” المحتلة، لذا تم استهداف هذه الشركة عبر مقاطعتها، لأنها بتصرفها هذا تدعم الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وإقامة مستوطنات غير شرعية فيها، والأهم في هذه المقاطعة أنها “حملة” حركها الفلسطينيون ضد شركة “بوما”، وهنا دعنا نفتح قوسا، المقاطعة الاستهلاكية هي في جوهرها “قرار فردي” يتمثل باختيار شخصي في عدم إنفاق المال على منتجات شركة معينة، والذي يتغافل عنه البعض هو أهمية هذا التحول الذي يُحَوِلُ العمل الفردي إلى عمل جماعي ناظم لإرادة العديدين، مما يكسبهُ قوة حقيقية، تجعل الشركات الرأسمالية الكبرى ترضخ لإرادة المقاطعات، وهو ما حدث مع “بوما” التي انسحبت من اتفاقيتها مع الجانب الإسرائيلي لكرة القدم.

لذا فإن استهداف “اللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل” لشركات بعينها مثل “بوما” أو شركة الحواسيب “إتش بي” أو “ماكدونالدز” وغيرها من الشركات، والانخراط في مثل هذه المقاطعات مهم جدا لتحدي تغول القوة الإسرائيلية اقتصاديا، المقاطعة الاستهلاكية هي تحويل الاحتجاج التقليدي إلى فعل اقتصادي يحول القرارات الاقتصادية الفردية إلى إرادة جمعية تحرك احتجاجا جمعيا يؤثر على إرادة الفاعل السياسي.

.

كيف نعرف أن حركة المقاطعة نجحت أم لا؟ ألا ترى أن المشكلة في إسرائيل وليست المشكلة في النظام الحاكم فيها ومدى تفاعلهِ مع مطالب المقاطعة سواء كان يمينيا أو يساريا؟

حركة المقاطعة تسعى إلى أهداف معينة، من أبرزها إنهاء كل أنواع التمييز ضد الفلسطينيين في الداخل الإسرائيلي، وذلك بإنهاء القانون الأساسي الذي يعتبرُ إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي، وكل أشكال الفصل العنصري القائمة في إسرائيل ضد الفلسطينيين، كما تهدفُ المقاطعة إلى إنهاء الاحتلال الذي تتعرض له كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، وهدم جدار الاحتلال الذي يقيد غزة، والهدف الثالث من المقاطعة هو إعطاء حق العودة للفلسطينيين الذين تم تهجيرهم من أراضيهم في النكبة عام 1948 وتحويلهم إلى مهجرين قسرا، وأصبحوا يعيشون في مخيمات للاجئين سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة مثل مخيم جباليا الذي يتعرض للقصف الإسرائيلي، كل من تم تهجيره يجب إعطاؤه “حق العودة” ليعود إلى بيوتهم التي تم نهبها منهم، حينما احتلت إسرائيل فلسطين عام 1948.

هذه المطالب السالف ذكرها مرتبطة بالنظام القائم اليوم في إسرائيل، والعامل السياسي المؤثر هي أن دولة إسرائيل تتحول أكثر فأكثر إلى دولة فاشية بفعل قيادة اليمين المتطرف الذي يرأسه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أظهر أنه مستعد للقيام بأي شيء يمكن أن يضمن له بقاءه على هرم السلطة، ومنها قيادته حكومة فاشية تؤمنُ بالتفوق اليهودي والمتورطة في اقترافها لـ”إبادة جماعية” ضد الفلسطينيين في قطاع غزة.

ولكن يجبُ الإشارة في الوقت نفسه إلى أن طبيعة النظام السياسي الذي يقود السلطة في إسرائيل لا يؤثر كثيرا في الاستجابة لمطالبات حملة المقاطعة، فعدمُ الاستجابة لمطالب المقاطعة السالفُ ذكرها، فإن حملة المقاطعة تظلُ قائمة مهما اختلف النظام السائد في إسرائيل، لا ننسى أنَّ ديفيد بن غوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل كان يساريا، لذا فإن طبيعة الحزب الذي يقود الحكومة في إسرائيل لا يهم كثيرا ما دام لا يتفاعل مع أهداف المقاطعة المتمثلة في إنهاء كل أشكال التمييز العنصري وإنهاء الاحتلال وإعطاء الفلسطينيين حقهم في العودة، المشكلة ليست مع الحزب الحاكم في إسرائيل. بل المشكلة هي هل يحق لإسرائيل أن تستولي على منازل الفلسطينيين، وتنتهك حقوقهم وتذبح نساءهم وأطفالهم، وتقترف في حقهم كل أنواع جرائم الحرب مثل ما نراه اليوم في غزة، هذه هي المعضلة، المشكلة هي “إسرائيل” وليست المشكلة في ما هي نكهة الحزب الحاكم في إسرائيل، وهو ما سيستمر ما دام هناك غياب لحل سياسي ديمقراطي حقيقي للقضية، من حق الجميع أن يعيش في سلام وحرية وعدل وديمقراطية.

.

شهدنا مؤخرا تفاعل مجموعة من المثقفين والمفكرين والفلاسفة مع ما حدث بشكل متحيز لإسرائيل رغم الانتهاكات التي يقوم بها الجانب الإسرائيلي ضد المدنيين على غرار ما أدلى به عالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس، هل ترى أن نظرية المقاطعة يجب أن تطبق عليهم كذلك؟

هذا سؤال مهم، هل يجب أن نقاطع المثقفين الداعمين لإسرائيل، ما أنا متأكد منه أن مثل هذه الأفعال تستحق أن يتم الاحتجاج ضدها، مفكر وسوسيولوجي مثل هابرماس هو هدف مشروع لهذا الاحتجاج بفعل موقفه غيرِ المبرر وغير الأخلاقي تجاه ما يحدث في غزة اليوم، ورفضه الاعتراف بأحقية الشعب الفلسطيني بأن يتمتع بحقوق الإنسان والعدالة التي يطالب بها للإسرائيليين، شخصيات عامة مثل هابرماس يجب الاحتجاج ضدها، ولكن هل يجب مقاطعتهم؟

ربما يجب مقاطعتها، ولكن في الواقع من الصعب إعطاء إجابة شافية على مثل هذا السؤال، ربما الوضع يتطلب أن نجيب عنه حسب كل حالة على حدة، من أجل تحديد الفوائد والأضرار المحتملة من مقاطعة أي شخص، كما يعلم الجميع، فإن هابرماس طاعن في السن لا أعتقد أنه قادر على الإتيان إلى أستراليا حيث أعمل لإعطاء محاضرة، ولكن كذلك لا أعتقد أني سأقوم بدعوته باسم الجامعة التي أعمل بها (جامعة سيدني) يوما ما لتقديم محاضرة بسبب مواقفه الأخيرة الداعمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وما قد أقوم به يظل قرارا فرديا فقط، ولكن حتى تظل عملية المقاطعة فعالة علينا أن نتشبث بما يطلبه الفلسطينيون أنفسهم منا فقط.

بعد أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، فإن الأكاديميين الفلسطينيين من جامعة بيرزيت برام الله الموجودة في الضفة الغربية المحتلة كتبوا للأكاديميين في العالم، طلبوا منا مقاطعة إسرائيل أكاديميا، وما يقصدونه بمقاطعة إسرائيل أكاديميا لا يتمثل بمقاطعة هابرماس، بل مقاطعة الجامعات الإسرائيلية، لأنها أداة للقوة الناعمة الإسرائيلية، وكحد أدنى يجب أن نقوم بما يطالبنا به الأكاديميون الفلسطينيون، وبعدها يمكن الاجتهاد في أشكال وتكتيكات جديدة للمقاطعة قد نراها فعالة ضد من يناصر إسرائيل.

.

ناقشت مسألة مهمة في كتابك بأن المدافعين عن إسرائيل يلجؤون لحيلة “التعقيد” من أجل تفريغ النقاش الرامي للمقاطعة من معناه، هل يمكن أن تشرح وجهة نظرك أكثر؟

من الأمور المهمة التي أجادل حولها في الكتاب، هي حينما يتم إخضاع الفلسطينيين لدرجات عالية من العنف لزمن طويل فقط لأجل مطالبتهم بالعدالة، يتحتم علينا عدم السماح لإسرائيل بالقيام بـ “الغسل الذكي” لأفعالها في فلسطين، ومصطلح “الغسل الذكي” أقصد به أسلوب إسرائيل ومناصريها لتبرئة أنفسهم من الجرائم التي يقترفونها عبر وصف المشهد الفلسطيني بأنه معقد جدا أكثر مما يتخيله الإنسان العادي، وذلك حينما يقولون إن ما يحدث في غزة ليس “إبادة جماعية” وما يحدث لفلسطين ليس احتلالا أو فصلا عنصريا، بل الوضع أعقد بكثير من ذلك، وهم يقولون هذا ليعطوا إيحاء بأنهم يمتلكون فهما استثنائيا للوضع، وكأنهم أذكى من الجميع.

استعمالهم لسلاح “التعقيد” عبر إظهارهم للمشهد الفلسطيني بأنه أعقد مما نتخيل من أجل إخفاء ما نراه جميعا من جرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب المقترفة ضد الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، إن إسرائيل ومناصريها ينكرون حدوث هذه الجرائم عبر استخدامهم لحيلة “التعقيد” حتى يجعلوا من النقاش صعبا، إذ يطلبون من المثقفين والأكاديميين التراجع للخلف والتفكير في مدى تعقيد المشهد.

لذا على الأكاديميين رفض هذه المقاربة الإسرائيلية التي تسعى إلى تضليل الرأي العام، والقول إن الوضع واضح جدا، ويتمثل في ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية وجرائم حرب ضد الفلسطينيين، وعلى الأكاديميين التضامن بشكلٍ إيجابي بالفعل المتمثل بالرفض والمقاطعة، وإن استوجب عليهم الانخراط في التحليل والتفكيك عليه أن يكون مرفوقا بالفعل، وإحدى أدوات الفعل ضد ما يحدث في غزة، هي مقاطعة الجامعات الإسرائيلية.

المصدر : الجزيرة

.

.

 

 

 

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007. يرجى ارسال ملاحظات لـ [email protected]
استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007. يرجى ارسال ملاحظات لـ [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد الأخبار