حكايات من عكا

 

هناك بعض الحكاوي التاريخيه عن عكا:- كان الناس في هذه المدينه يقضون مسائهم بزيارة بعضهم البعض ويجتمعون معاً ويأخذ كل واحد منهم في هذه السهرات الأنسية يقص حكايات تاريخية طريفة، كانت تفشي في نفوسهم الحبور والسرور:- من هذه الحكايات أن أبواب المدينة كانت تقفل عند المساء وتفتح عند الفجر، وأن قوافل المسافرين الذين يقصدون عكا، كانوا يقضون ليلتهم خارج أبواب المدينة، إذا لم يصلوا قبيل الغروب. وإن كثيرا من المسافرين ممن يأتون خارج المدينة قد أكلتهم الضباع. وأن من سلم منهم قد ظل “مضبوعا” لسنين عديدة من عمره المضبوع!! وحكاية أخرى أن الدولة العثمانية لما فتحت بعض “ثغرات” في الأسوار لتجعل منها أبوابا إلى خارج المدينة، وجدوا جثثا قائمة، مبنيا عليها، وأنها لما لامسها الهواء سقطت ترابا وأن والي عكا الشهير بالجزار كان عاقب الذين يعصونه بأن “يبني عليهم” وهم أحياء. وحكاية أخرى أن نابليون، القائد الفرنسي الشهير، حينما حاصر عكا، وامتنعت عليه بسبب مناعة أسوارها، قام بمغامرة كبرى فاقتحم أبواب المدنية ووصل إلى جامع أحمد باشا الجزار، واقترب من “السبيل” واقتطع منه طاسة بسلسلتها، مما يستعمل في شرب الماء، وإنه عاد بهذه الطاسة إلى باريس ليثبت أنه دخل عكا، وأنه فتحها، وعاد “بعلامة” منها !! ولكن أروع هذه الحكايات على الإطلاق ما كان يردده أهل عكا عن بطولات أسلافهم في زمن الحروب الصليبية، وخلاصتها أنه حين شدد الإفرنج الحصار على عكا، ضاق أهلها ذرعا بالحرمان والجوع ونفاد السلاح والذخيرة، فقرروا أن يقوموا بمحاولة انتحارية، فأجمعوا أمرهم أن يتلاقوا في المسجد الجامع رجالا ونساء وأطفالا، ويخرجوا لملاقاة الإفرنج صفا واحدا، يقاتلونهم حتى يموتوا عن أخرهم، ولم يصدهم عن ذلك إلا العلماء والفقهاء الذين نهوهم عن هذا العمل باعتباره انتحارا، والانتحار مرفوض في الإسلام. وذكرت هذه القصه في كتاب الرحالة ابن جبير الأندلسي، فقد زار بلاد الشام ومنها عكا في الفترة ما بين 1182-1185ـ وسمع القصة من أفواه الناس(1) يروونها ويتحدثون عنها بكل فخر واعتزاز. ومثل هذه الحكايات كثير وكثير، وكان هو القصص الشعبي الذي تعيش المدينة في ظلاله الوارفة، في زمن كانت فيه الحياة بدائية، فلا سينما ولا راديو ولا تلفزيون ولا مسارح، ولا ملاعب ولا طرق مرصوفة، ولا كهرباء. والمساجد تضاء بقناديل زيت الزيتون. والشوارع تضاء بمصابيح الكاز، والماء يحمل إلى البيوت على أكتاف السقائين.والأطفال يحمل طبق العجين على رؤوسهم إلى المخابز، لتعود به إلى البيوت خبزا شهيا. (وهذا علي لسان أحد سكان عكا في اوئل القرن الماضي ) ولم يكن في المدينة إلا طبيب واحد، يوناني كهل، كان يمشي متوكئ على عصاه ونحسب أنه سيعيش طويلا، لأنه طبيب بارع، ولكنا سمعنا فجأة أنه مات بعد بضعة شهور، ولم ينفعه طبه ولا دواؤه. ولكن حلاق المدينة الحاج عبد الله حجازي كان أهم من الطبيب اليوناني، فقد كان رجلا صالحا ذا لحية بيضاء، يداوي من كلالأمراض، يشطب بالموسى، ويفصد الدم بالعلق، ويقلع الأسنان بكلابة، وإن كانت أصابعه أشد من الكلابة، وأذكر أنه قلع لي أول ضرس في حياتي…. وما زلت أذكره كلما قصدت طبيب أسنان في عيادته، وأحن إلى كلابة الحلاق، فقد كان أمهر وأرشق، وأكثر بركة. وكان في المدينة صيدلية واحدة، في دكان معتم مظلم بارد، فيها رفوف تحمل قوارير الدواء، وكان الصيدلي يمزج هذا السائل بذاك، ويدق هذا المسحوق على ذاك، ويصبح دواء. وكان هذا الصيدلي هو النحيف الأول في المدينة. ومن مصادفات القدر أنه مات في الأسبوع الذي مات فيه الطبيب اليوناني، فضاعت ثقة الناس في الطب والعلاج، وبقي الحلاق الحاج عبد الله هو أمل المدينة في الشفاء والدواء. وكان “تطهير” ختان الأولاد من مظاهر المدينة البهيجة، فما يقبل الربيع حتى يفد على المدينة “الحاج الكردي” يطوف في شوارعها وساحاتها وهو ينادي: مطهر مطهر وكأنه على موعد مع الأطفال، فيدخل على البيوت ويجري عملية الختان في يسر وإتقان!! ويمضي يومان أو ثلاثة وإذا بالأطفال يخرجون من بيوتهم مختونين، يلبسون الثوب الهفهاف الأزرق، وبيدهم عيدان صغيرة ملفوفة بخرق مغموسة بالقطران، يشمونها حينا بعد حين، ففيها وقاية من العدوى وحماية من العين… عين الحسود. أما الأطفال الميسورين فإن أهلهم يركبونهم الخيول، ويطوفون بهم في أحيائهم بين زغاريد النساء، والمختونون الفقراء يسيرون في الموكب تغمرهم الحسرة أنهم يمشون على أرجلهم، وأبصارهم تتطلع إلى رفاقهم الذي يتهادون بالدلال، ذات اليمين وذات الشمال. أما حياتنا في المدرسة فقد كانت مليئة بالقصة والرهبة. كان السرور كل السرور عندنا خارج المدرسة، وكان الانقباض كل الانقباض داخل المدرسة.ومع هذا وذاك تمر الأعوام وتأتي مراحل الحياة المقبلة، فنعود بالحنين إلى أيام الدراسة، ونظل كلما كبرنا، وكلما بعدنا عن الطفولة، نردد القول الشهير، ما أحلى أيام المدرسة!! أما الأمر الثاني الذي كان يدخل السرور على قلوبنا في حياة المدرسة فهو أننا حين نخرج إلى الرحلات المدرسية في ضواحي بلدتنا، كنا ندخل إلى عنبر كبير مملوء بالبنادق الخشبية، ليختار كل منا بندقيته يحملها على كتفيه وننطلق بها “الى الطابور”، والدنيا لا تتسع لفرحتنا ووثبتنا، فالبندقية على أكتافنا!! وكنا نفخر بهذه البندقية الخشبية، فنحن أهل عكا أهل حرب منذ قديم الزمان، وورثنا تقاليد الحرب منذ عهد صلاح الدين. ولم نكن ندري يومذاك أن الحرب ستكتب على جيلنا بأسره دفاعا عن وطننا. وكما نرى في معلم المدرسة الابتدائية إنسانا كبيرا، أما معلم الإعدادية فإنه أكبر وأكبر. وهذا وذاك فإنهما أعظم ما في المدينة، وأعظم ما في الدنيا، وكنا نتوق يوما ما أن يصبح الواحد منا معلما في هذه، أو معلما في تلك، فهذه غاية المنى. وبقي هذا الإحساس عن “عظمة” المعلم في نفوسنا إلى أن جاء يوم، فرأينا المعلم صغيرا مسكينا، لا حول له ولا طول. كان ذلك بمناسبة قدوم الوالي إلى عكا. فقد شاع في المدينة أن الوالي التركي عزمي بك قادم من بيروت، وأنه سيزور مدرستنا. ومضت أيام، وإذ بالأساتذة يخلعون بدلاتهم، ومعهم معلم القرآن يخلع حبته وعمامته، ويصبح الجميع وكأنهم أنصاف عراة، يحملون المكانس، وجرادل الماء، يكنسون ويغسلون وينظفون، كأنهم من أمهر الخدم والخادمات. يومها، سقطت هيبة الأساتذة من نفوسنا. رأينا أذرعهم مكشوفة وسيقانهم عارية ورؤوسهم حاسرة، ولأول مرة بدا المعلم أمامنا إنسانا كباقي الناس. ولم يعد أعظم إنسان في المدينة، ولم نعد نطمع في الحياة أن نصبح أساتذة المستقبل. وأصبحنا نتطلع إلى عمل أعظم وأكرم. وجاء الوالي عزمي بك إلى المدرسة، وكان يوما شديد البرودة، فبدأ الأستاذ في “تحميتنا” حتى نبدو أصحاء، فأخذوا يقومون أمامنا بحركات جسدية، ونفعل مثلهم. ومضت ساعة الدرس. ونحن في رياضة بدنية معهم. وسقط الأساتذة في نظرنا، فها هم يلعبون، ونحن لاعبون، والمدرسة كلها أصبحت لعبا في لعب!! وجاءت ساعة الزيارة، ودخل الوالي على الصفوف وصاح المعلم بصوت مرتجف “باق” ومعناها بالتركية “انظر”، وهي إشارة للتنبيه، فوقفنا جميعا وأيدينا على جباهنا في حركة شبه عسكرية. واحدق بنا الوالي، يتفقدنا ذهابا وإيابا. وفي نبرة صارمة صاح بنا الوالي “أوتور” ومعناها اجلسوا. وجلسنا، ولكن برؤوس مرفوعة وأعناق مشدودة، وأبصار مسمرة في مشهد كله رهبة وهيبة، والوالي بقامته المنتصبة أمامنا، ومن ورائه المدير والأساتذة كأنهم أشباح أفرغت من الأرواح وهياكل فارقتها الحياة، وسمات الفزع على وجوههم، وكأنهم ينتظرون حكم الموت أن ينفذ فيهم واحدا بعد الآخر. زيارة والي بيروت إلى عكا وتفقده لمدرستنا قد أكدت بالفعل والواقع أننا تابعون لمدينة بيروت. ولقد كنا نرى في بيوتنا مظاريف البريد مكتوبا عليها –عكا-بيروت – وها قد جاء الوالي بنفسه من بيروت ليؤكد هذه الحقيقة، وإن حاكمنا الأكبر هو والي بيروت، وليس فوقه إلا خاقان البرين والبحرين، وخادم الحرمين الشريفين السلطان محمد رشاد، الجالس على سدة الخلافة في الأستانة. ولكن حكاية عكا- بيروت- لم تبق عندنا أكثر من بضعة أشهر، فلم تأت العطلة المدرسية في الصيف (1918) إلا وقد سقطت مدينتنا الحبيبة بيد الاحتلال البريطاني، ورحل عنها الموظفون الأتراك هم وعائلاتهم ولم يبق في عكا إلا أهل عكا. وقضيتا عطلة الصيف ذلك العالم في هم وغم، فلم ننعم بالمرح واللعب، ذلك أننا لم نكن نعرف لماذا جلا الأتراك، ولماذا جاء الإنجليز. وفي نفوسنا حسرة أن الذين ذهبوا نعرفهم ونعرف لغتهم، ونعرف أولادهم. أما هؤلاء الإنجليز فهم غرباء عنا في كل شيء. وأكثر ما كان يسوؤنا منهم أنهم كانوا يدخلون مساجدنا للفرجة دون أن يخلعوا نعالهم.ولم نكن ندري يومذاك أن القدر يخبئ لنا أن يضيع وطناً في عهدهم بما فيه من معابد ومساجد. ولم يكد ينقضي فصل الصيف حتى راح “دلال” المدينة ينادي في الأسواق أن المدرسة ستفتح أبوابها “ويا أولاد روحوا على المدارس يوم السبت”. وحل يوم السبت، ورحنا نحن الأولاد إلى المدارس، لنستأنف الدراسة، كما كنا نفعل بضعة أشهر في زمن الدولة العثمانية العلية. وحسبنا بادئ ذي بدء، أن أمورا كثيرا ستتغير، بعد أن خرج الأتراك من بلدنا ودخلها الإنجليز، ولكن شيئا لم يتغير إلا اللغة الإنجليزية مكان التركية. وما عدا ذلك فالدروس هي هي، والأساتذة هم هم. وكانت اللغة الإنجليزية مادة مذكورة في جدول الدروس، غير أن بضعة أسابيع قد انقضت قبل أن نعرف ما هي اللغة الإنجليزية، ذلك أن أساتذتنا، هم هم، لا يعرف أحد منهم اللغة الإنجليزية، وبقيت الحصة فراغا نلهو فيه ونلعب، وما كان أحلى ذلك الفراغ. وانحلت أزمة اللغة الإنجليزية، مؤقتا، فقد عثرت إدارة المدرسة على سيدة مسيحية تعلمت الإنجليزية قبل نصف قرن. وقضينا معها بضعة أسابيع تكتب لنا الأبجدية الإنجليزية على اللوح.إلى أن جاء أستاذ مختص أقل منها سنا ومعرفة، ومضى العام ونحن ننقل الأبجدية الإنجليزية عن اللوح. وانتظمت الدروس بعض الشيء، ولم تكن تتجاوز سبع مواد: اللغة العربية ، والحساب ، والجغرافيا ، والتاريخ وحسن الخط, قرآن كريم والرسم ولم نختلف الدراسة كثيراً عما كان عليه في العهد العثماني ولكن ساءنا أن العلم العثماني لم يعد يرفع أمامنا صباحا، كما كنا نفعل في الماضي، ولم نعد نقف لتحيته، ولم نعد نردد بالتركية “بادشاهم جوق باشا” ليعش سلطاننا طويلا. فقد كانت لهذه التقاليد حرمة في نفوسنا، وكان للعلم العثماني، بالهلال والنجمة، هالة وهيبة عندنا، وما أغلى القماش حين يصبح رمزا مقدسا عند الناس!! ولكن الذي ساءنا، وساءنا كثيرا أننا لم نعد نسمع اسم بيروت في دروسنا، وكنا إلى ما قبل بضعة أشهر نردد اسم بيروت باعتبارها عاصمة لنا. وكانت عبارة “عكا-بيروت” تكتب على دفاتر المدرسة وكل مخطوطاتنا، وكنا نتساءل: لماذا لم تعد تذكر بيروت في مدرستنا ولا في بلدنا . لقد كانت “ولاية بيروت” هي دنيانا الكبيرة. فلم نكن نعرف اسم فلسطين الذي شاع في ما بعد. وكان هذا الاسم مستحدثا عندنا وعند الجيل الذي سبقنا. وبدأ اسم فلسطين يدخل في أحاديثنا، ويدور على ألسنتنا، ونقرؤه في علم الجغرافيا. وغابت ولاية بيروت ومدينة بيروت عن أسماعنا، ولكننا لم نعد نعرف اسم عاصمتنا بعد أن انسلخنا عن بيروت وانقطعت أخبارها. ومع الاسم الجديد، فلسطين، انتقلت عكا مدينتنا الهادئة الوادعة إلى مدينة صاخبة يسودها القلق والاضطراب. ودخل على أسماعنا تعبير جديد، “وعد بلفور”، سمعناه في البيت وفي المدرسة، وفي الشوارع، وفي المساجد، ولم نكن بادئ ندري ذي بدء ما معنى هذا التعبير الجديد. ومن هو بلفور هذا. ولم نكن ندري أن هذا هو اسم إنسان. فعهدنا بالأسماء أنها محمد ومحمود وأحمد، والأسماء العربية الإسلامية الأخرى. وبدأنا نفهم هذا التعبير شيئا فشيئا بالسماع. نسمع الأحاديث عنه في كل مكان. وراعنا أن نعلم أن اليهود، يزعمون أن فلسطين وطنهم، وأن الإنجليز قد وعدوهم أن يعطوهم فلسطين، وأن تصبح وطنا لهم…. ولم يكن في عكا من اليهود إلا ثلاثة، عطار له دكان صغير، ومشتري ملابس عتيق، وسباك يصلح مواسير المدينة، اعتنق الإسلام في العهد العثماني. ثم عاد يهوديا في زمن الإنجليز!! وأخذت الصحف ترد على عكا حينا بعد حين. وكانت أكثر الصحف رواجا جريدة الكرمل التي يصدرها في حيفا السيد نجيب نصار. وكانت طافحة بالمقالات عن الحركة الصهيونية، وبالأخبار عن الهجرة اليهودية. وكانت جريدة الكرمل تمتاز ببساطة عباراتها، فكنا نقرؤها ونفهمها بسهولة، وكان الناس في الأسواق والمقاهي يجلسون حلقات حلقات يستمعون إلى أحدهم وهو يقرأ تصريحات زعماء اليهود، وأخبار هجرتهم إلى فلسطين. وبدأت الاجتماعات الوطنية تتوالى في عكا بين الوجهاء والشباب، يكتبون العرائض احتجاجا على وعد بلفور. وكنا نتطلع إلى اليوم الذي نصبح فيه من الشباب، ونشترك في هذه الاجتماعات الوطنية. وجاء يوم أطلق عليه، 2نوفمبر، وهو يوم ذكرى وعد بلفور، فأضربت المدينة، وأقفلت المدارس والمتاجر. ومشينا في المظاهرات، ونحن نردد الأناشيد الوطنية، وننادي بسقوط وعد بلفور. وازدادا فهمنا لوعد بلفور في المدرسة، فقد أخذ الأساتذة يشرحون لنا الحركة الصهيونية وخطر الهجرة اليهودية. وكانت تلك الحقبة هي بداية مرحلة الصراع العربي اليهودي. وامتد جيلنا كله، منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا. وكان أستاذ التاريخ، على وجه التحديد، يطوي كتاب التاريخ ويغادر طاولته، ويبدأ يمشي في الصف، ذاهبا وآيبا، وهو يروي لنا تاريخ فلسطين، وعكا بصورة خاصة. وكنا نقضي معه ساعة نغيب فيها عن الوجود، ونعيش معه بكل جوارحنا في رحاب التاريخ. وكان البطل صلاح الدين، هو محور الحديث في درس أستاذنا. وتعلقنا بسيرة صلاح الدين، ومواقعه مع الإفرنج، حتى أصبح صلاح الدين عندنا أعظم عظيم أنجبته عكا، لا نلتفت إلى أنه ولد في العراق، وعاش في القاهرة، ومات في دمشق. وبلغ من شغفنا، نحن وأستاذنا بسيرة صلاح الدين، أننا خرجنا ذات يوم إلى رحلة كشفية لبضعة أيام، لنخيم حيث كان يخيم صلاح الدين، وأحسب أنها كانت أحلى أيام عمري. كان خروجنا أولا إلى تل الفخار، ويبعد نصف ساعة مشيا على الأقدام. وهو هضبة من تراب تشرف على مدينة عكا وأسوارها، ما جاء فاتح إلا عسكر فيها. ولم يكن في تل الفخار إلا زهور البرية بألوانها الزاهية. ومن يدري، فإن تحتها رفات المجاهدين من جند صلاح الدين. ومن تل الفخار، كانت مسيرتنا إلى تل العياضية، ومنه إلى تل كيسانة، وهما هضبتان ترابيتان متوازيتان في مرج عكا، وتقابلان خليج عكا برماله البيضاء، تحتضن أمواجه الزرقاء. وعلى هذه التلال الثلاثة نصبنا خيامنا لثلاثة أيام قضيناها في لعب ومرح ودرس، والاعتزاز يملأ قلوبنا إننا نعيش مع صلاح الدين ليلا نهارا. وكان أستاذنا يخرج سيرة صلاح الدين لابن شداد من حقيبته، ويقرأ لنا فصولا عن معاركه في مرج عكا. وقد عجبنا كل العجب أن هذه التلال الثلاث المذكورة بأسمائها ومواقعها، وهي باقية على حالها كأنما غادرها صلاح الدين في الليلة البارحة. وكنا نسأل أستاذنا عن تفاصيل الوقائع التي خاضها صلاح الدين حول أسوار عكا، فكان يسهب في الحديث بصوت عال، كأنه ينشد قصيدة عصماء. ولم يكن يذكر اسم صلاح الدين إلا ويشفعه بقوله :” قدس الله سره”، وكانت له لثغة بحرف السين، تزيد تعبيره حلاوة وطلاوة. (عكا وخمه) وفي إحدى سهراتنا في تلك الليلة المقمرة، وأسوار عكا على مرمى البصر منا، تبدو أمامنا كأنها هيكل من التاريخ انتصبت بين السماء الأرض، سألت أستاذنا. هناك قول شائع: “عكا وخمة” مع أن بلدنا نظيفة ولطيفة فما هو السبب؟ فكر أستاذنا طويلا وقال: هيا نعود إلى المدرسة. سأسأل لكم “سماحة المفتي” وشيوخ البلد، لعلهم يعرفون سب هذه التهمة الظالمة. وجاء يوم العودة إلى عكا، وقلعنا خيامنا من التلال، وكأنما قلعناها من عيوننا، فقد كنا نتمنى أن نقضي زمنا أطول. ولكن تلك هي الحياة أمانٍ سائرة في حياة عابرة. ومضت أسابيع وجاء أستاذنا ذات يوم ليقول لنا: إن سماحة المفتي الشيخ عبد الله الجزار ذكر له أنه قرأ في المراجع العربية التي أرخت لحصار عكا أثناء الحملات الصليبية، أن وطأة الحرب والحصار كانت شديدة على عكا، فامتلأت المدينة بالجثث واشتد فيها النتن والوخم. ومن هنا شاعت التهمة أن “عكا وخمة” . واطمأنت أفئدتنا نحن التلاميذ أن مدينتنا نظيفة وجميلة، وأن تهمة الوخم قد لحقتها في أيام النضال والقتال. والواقع أنه قد مضى عهد الانتداب البريطاني عبر ثلاثين عاما، ومدينتنا الجميلة يثبت كل يوم أنها معقل نضال، كما كان شأنها منذ فجر التاريخ. والوقائع على ذلك كثيرة. بداية فهم وعد بلفر وهجرة اليهود وقد كبر جيلنا، وكبرت معه الأحداث، فقد تكاثرت النوادي الوطنية وكلها تؤدي دورها في الحياة السياسية في مقاومة الحركة الصهيونية ومعها الاستعمار البريطاني. ولم تكن تمر مناسبة وطنية إلا وتعقد الندوات وتتخذ القرارات في توكيد المطالب القومية، في رفض وعد بلفور وصك الانتداب، وتحقيق الاستقلال أسوة بما تطالب به الأقطار العربية الشقيقة. وكانت الوحدة العربية مطلبا أساسيا من مطالبنا القومية، لا يكاد يخلو منه أي قرار يصدر عن اجتماعاتنا الشبيبية. وكانت ساحة الجامع الكبير هي ملتقى الشعب عند كل بادرة أو مناسبة عند كل بادرة أو مناسبة، ففي لحظة واحدة ينطلق بعض الشباب إلى الشوارع يدعون الأهلين إلى الاجتماع، فما هي إلا دقائق معدودات حتى ترى ساحة الجامع غاصة بالجماهير، والشباب يخطبون ثم تعلن القرارات باسم الجماهير. واشتد ساعد الحركة الوطنية باشتداد الخطر اليهودي في فلسطين، فقد تكاثرت الهجرة اليهودية إلى فلسطين وتعاظم نفوذ الطائفة اليهودية في فلسطين وانصياع الحكومة البريطانية لرغباتها، وتطور النضال الوطني في البلاد من مقاومة سياسية إلى مقاومة ثورية مسلحة. وقامت في عكا، كما في غيرها من أرجاء فلسطين، حركات مسلحة تتعرض للمستعمرات اليهودية، وتطورت إلى اصطدامات ضد القوات البريطانية. ثم تطورت الاصطدامات إلى ثورات قتالية، بلغت خمسة عشرة ثورة، سقط فيها آلاف من شهدائنا الأبرار. ناهيك عن الإضراب الكبير الذي امتد ستة أشهر توقفت فيه الحياة العامة، فكان أروع إضراب عام عرفه تاريخ النضال الإنساني. ومع الدور النضالي، كسائر مدن فلسطين، وقع على مدينة عكا عبء وطني آخر. ففي عهد الانتداب وقع اختيار الحكم البريطاني على عكا، وعلى قلعتها بالذات، أن تصبح السجن المركزي في فلسطين.وبهذا أصبحت قلعة الأحرار والثوار. ولم يكن يمضي يوم على وجه التأكيد إلا وتأتي السلطة البريطانية بأحرار فلسطين، تسوقهم فرادى أو جماعات إلى قلعة ليسجنوا فيها. ولقد أعدم الكثيرون من شبابنا الأبطال في سجن عكا. وكان لعكا الشرف الأغر أن تضم رفاتهم في ترابها الطهور. وفي الأعوام الأربعة (1936-1940) حينما نشبت الثورة الوطنية الكبرى، وضاق السجن بالأحرار، أنشأت السلطة البريطانية معتقلا على شاطئ البحر، سمي معتقل المزرعة، حشرت فيه رجالات البلاد وشبابها الوطنيين بالمئات. وجاءت الحرب العالمية الثانية، وسكنت الثورة الفلسطينية، وأصبح همنا أن نراقب الإذاعات العالمية ونتابع سير الحرب. ونحن نتطلع إلى انتصار هتلر وحلفائه، حتى نخلص من الحكم البريطاني، وينجو وطننا من الأطماع الصهيونية، وتصبح بلادنا لنا، حرة مستقلة. ولم يكن لنا من حديث، في المقاهي والنوادي والمساجد، إلا حديث الحرب، وأين وصلت جيوش هتلر. ومتى يخترق رومل الصحراء الغربية ويدخل مصر، ومنها إلى فلسطين، ليرحل الحكم البريطاني والسيطرة الصهيونية إلى غير رجعة. ولست أنسى ذلك اليوم الذي وقف فيه أحد الشباب بعد صلاة الجمعة في جامع الجزار وصاح بالدعاء بأن ينصر الله هتلر وجيوشه، ويهزم تشرشل وجنوده، وردد جمهور المصلين من وراءه آمين !!!!. وعمنا الحزن والأسى، حينما انتهت الحرب العالمية الثانية بفوز دول الحلفاء، وهزيمة ألمانيا. فقد تملك علينا الخوف أن التجمع اليهودي باق، وأن المستقبل مظلم. وقد جاءت الأيام لتكشف عن المستقبل المظلم، حقا، فما أن انتهت الحرب العالمية الثانية حتى بدأت حركة الإرهاب اليهودي، مسلحة منظمة، تقوم بالتصدي، للسلطة البريطانية، وللشعب العربي الأعزل من السلاح. وتدفقت الهجرة اليهودية على فلسطين، وقام الإرهابيون اليهود بأعمال البطش والقتل والتدمير، وشملت غاراتهم سجن عكا، فقد هاجموه بالقنابل والأسلحة الأتوماتيكية ، وأفرجوا عن بعض زملائهم الذين كانوا معتقلين فيه. وشهدنا نحن أهل عكا جانبا من قلعة عكا ركاما من الحجارة وأيقنا يومها أن مستقبلا عصيبا ينتظرنا. وجاءت الأوقات العصيبة حقا. فقد أحالت بريطانيا بوصفها الدولة المنتدبة القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة’. وفي اليوم التاسع والعشرين من شهر نوفمبر 1947 أصدرت الأمم المتحدة قرارها بتقسيم فلسطين، وإنشاء دولة يهودية على مزارعنا ومروجنا، ومدننا وقرانا، ومساجدنا وكنائسنا. وعلى مرابع أحيائنا وقبور موتانا. ووقعت عكا في حزن خاص وعام. العام أن يصبح لليهود دولة في وطننا، والخاص أن تكون عكا، الثغر العربي الإسلامي التاريخي العريق. مسلوخة عن حيفا الجارة والشقيقة. وأضربت عكا، مع سائر فلسطين، ثلاثة أيام احتجاجا على قرار الأمم المتحدة.وأصبحت المدينة في مناحة كبرى، وبكى الناس رجالا ونساء وأطفالا. ومضت الأحداث تتلوها الأحداث، وعمت العالم العربي موجة من الغضب والاستنكار واجتمع الملوك والرؤساء والوزراء وانفرطوا، وأعلنوا وقرروا، ودخلت الجيوش العربية إلى فلسطين (ربيع 1948) في مسيرة عامرة، بالفوضى والصراع والخلاف، وانتصرت العصابات اليهودية وانهزمت الجيوش العربية، وقامت الدولة اليهودية على رقعة أكبر مما قررت لها الأمم المتحدة‍‍‍‍!! وفي شهر أيار من عام 1948 سقطت عكا، بقلعتها وأسوارها وأبراجها، بيد القوات اليهودية، بعد قتال شجاع مع نفر من شبابها الأبطال، ظلوا يقاتلون في شوارعها إلى آخر طلقة في بنادقهم وآخر خفقة في قلوبهم. وفي مثل هذه الخاتمة الرهيبة، وقعت المأساة في كثير من المدن والقرى التي سقطت بيد إسرائيل. وفي نظرة خاطفة عبر التاريخ منذ القرون الوسطى إلى الآن…. أرى أن عكا سقطت ثلاث مرات، وكان سبب السقوط واحداً . لقد سقطت بيد الإفرنج في أواخر شهر أيار من عام 1104 وكانت يومئذ تابعة للخلافة الفاطمية، وقد شرح مؤرخ مصر الكبير أسباب سقوطها فقال “ونزل بغدوين (بلدوين) على عكا في البر والبحر في نيف وتسعين مركبا فحصروها من جميع الجهات وكان والهيا زهر الدولة الجيوشي فقاتل حتى عجز فطلب الأمان له وللمسلمين، والإفرنج لم يعطوه لما علموا من أهل مصر انهم لن ينجدوه، ثم أخذوها بالسيف”(1) وبقيت عكا بيد الإفرنج ما يزيد على ثمانين عاما إلى أن أستردها صلاح الدين الأيوبي في عام 1187 في معركة باسلة وشجاعة. وسقطت عكا للمرة الثانية بيد الإفرنج في عام 1191 بعد حصار رهيب دام عامين، وأعلن التاريخ الإسلامي أنه ” عظمت المصيبة على المسلمين واشتد حزن الموحدين. ووقع في العسكر الصياح والعويل والبكاء والنحيب” وبقيت عكا بيد الإفرنج مئة عام (1291 ) إلى أن فتحها السلطان خليل بن قلاوون على رأس جيش من الوطن العربي بأسره بينهم المؤرخ أبو الفداء، وكان أميراً على فصيل تعداده عشرة من المجاهدين(2). وسقطت عكا للمرة الثالثة بيد إسرائيل في عام 1948، حين دخلت الجيوش العربية إلى فلسطين، وملوكهم من ورائهم متحاسدون متباغضون قلوبهم شتى ولسانهم واحد. ولسقوط عكا حكاية مفجعة توضح كيف سقطت المدن الأخرى في فلسطين، في ظل الفوضى العربية التي سميت حرب 1948. موجز ما سبق وموجز الموجز في تلك الحكاية أن الجامعة العربية كانت قد أنشأت في عام 1947 قوات عسكرية من المتطوعين العرب للدفاع عن المدن والقرى العربية في فلسطين، وقد أطلق على هذه القوات “جيش الإنقاذ” وكان مقر قيادته في دمشق برياسة الفريق طه الهاشمي من العراق. “والإنقاذ” اسم صحيح في حينه، فقد كانت العصابات الصهيونية تعتدي على المناطق العربية : لا رادع ولا وازع. وكانت بريطانيا تتهيأ للانسحاب ولم يكن لدى الشعب الفلسطيني منظمات عسكرية، ولا سلاح، ولا أموال، ولا قيادة قادرة على ممارسة النضال. ودخل جيش الإنقاذ إلى فلسطين وتمركز في مواقع مختلفة من البلاد وكان العقيد أديب الشيشكلي (رئيس الجمهورية السورية في ما بعد) على رأس القوات التي تمركزت في منطقة عكا ولواء الجليل. وبموجب قرار التقسيم، فقد كانت هذه المنطقة مخصصة للدول العربية. وفي منتصف أيار من عام 1948 دخلت الجيوش العربية إلى فلسطين للحيلولة دون تنفيذ التقسيم وإنشاء الدولة اليهودية، وانتهت الحرب بهزيمة عربية، بعد الهدنة الأولى والثانية، وقامت إسرائيل، وعلى أرض أكثر مما خصص لها بقرار التقسيم. وكانت منطقة عكا ولواء الجليل هي الغنيمة الكبرى التي حصلت عليها إسرائيل… وقد دافع أهل عكا عن مدينتهم التاريخية دفاعا باسلا. ولما أوشكت المدينة على السقوط، أرسلوا وفودا إلى القاهرة ودمشق وبيروت وعمان يستصرخون ويستنجدون، ولكن لا مجير ولا نصير. وكانت قوات العقيد الشيشكلي تتحرك في قرى عكا، ولم تنجد المدينة المجاهدة في قليل أو كثير. واستمرت المعركة وأهل عكا يقاتلون وحدهم. ومن مصادفات التاريخ العجيبة أن شباب عكا كانوا يطاردون القوات اليهودية عند تل العياضية، وهو نفس الموقع الذي جرت فيه المعارك الرهيبة بين صلاح الدين الأيوبي والإفرنج قبل ثمانية قرون. وفي السادس عشر من شهر أيار سنة 1948 أي بعد يومين أثنين من دخول الجيوش العربية إلى فلسطين، سقطت عكا، قلعة الجهاد والنضال، بيد القوات الإسرائيلية، وأصبحت هي ولواء الجليل جزءا من دولة إسرائيل. وتلك مأساة مدينة واحدة، ولكنها تمثل مأساة شعب بكامله ووطن بأسره. تلك لمحة سريعة من الذكريات عن عكا، القلعة التاريخية، قاهرة الغزاة والفاتحين التي قال عنها نابليون أعظم جندي أنجبته أوروبا، “على أسوارك يا عكا أضعت مستقبل حياتي”. وحين يقف المواطن العربي وقفة متأملة دارسة أمام الأحداث التاريخية التي ألمت بهذا الثغر العربي الإسلامي الكبير، تتجلى أمامه الحقيقة الراسخة التي تتأكد المرة تلو المرة. أن عكا كانت تنتصر، على الدوام، في ظلال الوحدة. وأنها كانت تنهزم على الدوام، في ظلال التجزئة والانفصال. عكا دمرها لله ورحم الله الرحالة العربي الأندلسي ابن جبير. لقد زار ديار الشام في تلك الحقبة الرهيبة حين كانت عكا بيد الإفرنج. وعقد في كتابه فصلا حزينا عن عكا جعل عنوانه “ذكر مدينة عكا دمرها الله وأعادها”(1) فوصف حالها وحال أهلها تحت حكم الإفرنج وصفا كله أشجان وأحزان. (1)رحلة ابن جبير، ص296. (1)النجوم الزاهرة،ج5، ص188. (2)أبو الفداء،حوادث 690هـ. (1)رحلة ابن جبير، ص293.

guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض كل التعليقات
جديد الأخبار