زيتونُ فلسطينَ… بقلم يوسف إدلبي

 

يتقدَّمُ الموتُ يختلسُ الخُطى، يغافلُ عيونَنا وقلوبَنا، يلبسُ ثوبَ الإخفاءِ، ينتزعُ روحَ حبيبِنا من بينِ أيدينا، ويمضي بها إلى العُلا، ويتركُ لنا رامز خليفة حيًّا في قلوبِنا، في أذهانِنا، وفي ذاكرةِ الوطن؛ فهل يموتُ المناضلُ، وهل يموتُ رّفيقُ الكفاحِ، وهل يموتُ الشّهيد؟!
إنَّ المناضلينَ، ورفاقَ الكفاحِ، والشّهداءَ لا يموتونَ، بلْ يُستشهدونَ، ويبقَونَ خالدينَ في قلوبِنا، وفي أذهانِنا، وفي ذاكرةِ الوطنِ، وعندها يحضُنُ ترابُ الوطنِ ذكراهم المباركةَ كما يحضنُ جذورَ شجرةِ الزّيتونِ، لتبقى شجرةً دائمةَ الخضرةِ آلافَ السّنينَ، تزيّنَ الأرضَ، وتحافظُ على ملامحِ الوطنِ العربيّةِ الفسطينيّةِ.
ابنَ بلدي، وابنَ جرحي، وابنَ كفاحي وقضيّتي رامز خليفة، إنّ اعتزازي بك، كاعتزازِ عكّا بأسوارِها، التي حمَتْها على مرّ العصورِ، وتحميها اليومَ من غدرِ الدّهورِ. إنّ أسوارَ عكّا، يا رفيقَ الكفاحِ، ليست حجارتُها التي تحيطُ بها، تواجهُ رطوبةَ البحرِ، وشمسَ حزيرانَ الحارقةِ، أبدَ الدّهرِ، بلْ هي الرّجالُ الذينَ بنَوا هذه الأسوارَ، وعلّوها فوقَ قاماتِ المحتلّينَ الخائبينَ، هي المناضلونَ من أمثالِكَ، الذينَ كرهوا الضّيمَ، وهبّوا يواجهونَ الظّلمَ، ووضعوا نصبَ أعينِهم حرّيةَ الوطنِ على حسابِ حرّيّتِهم الشّخصيّة، مكافحونَ آثروا حبَّ الوطنِ على حبِّ الحياةِ، وقدّموا أغلى ما يملكونَ إلى أعزّ ما يحبّون.
لقد جمعَنا المكانُ الذي تشرّفَ بقضيّتِنا ونضالِنا وحرّيّتِنا، وقد خجلتْ أسوارُهُ من قاماتِنا العاليةِ، ومن جبينِنا المرفوعِ في سماءِ فلسطينَ؛ جمعَنا السّجنُ في زمنٍ يضيقُ فيهِ الزّمنُ، زمنُ التآزرِ، زمنُ الوفاءِ للحبيبةِ الغالية، التي عشقَها كلُّ المناضلينَ، زمن “العيش والملح” المغمّس بزيتِ العزّ والتّضحية والإباءِ. في هذه السّاحةِ التي ضمّتِ الأحرارَ في فضائِها واصلنا صداقتَنا الكفاحيّةَ المخلصةَ، حتّى تحريرِنا العزيزِ من الأسرِ، في عام 1985، فكانَ التّحريرُ سابقةً في تاريخِ الصّراعِ المفتوحِ على التّضحية والمقاومةِ.
إنَّ عمقَ الانتماءِ لا يبعدُ العاشقُ عن معشوقتِه، بل يزيدُهُ تمسُّكًا بهذا الحبِّ النّبيل، الأصيلِ، الجميلِ، وهكذا يتعاظمُ الحبُّ في صدرِ المناضلِ النّبيلِ والأصيلِ والجميل رامز خليفة، حتّى يُستشهدَ وهو وفيٌّ حتّى النّخاعِ لحبّ الوطنِ، ويتشرَّفُ الوطنُ باحتضانِ الجثمانِ الطّاهرِ فيزدادُ الوطنُ رفعةً وعزَّةً وشموخًا بهذا البطلِ الذي افترشَ أرضَ الوطنِ ونامَ فيها نومتَهُ الأبديّة؛ فهنيئًا لهذا الوطنِ بهؤلاءِ الرّجالِ المناضلينَ الأباةِ أمثالَ رامز خليفة.
ستبقى ذكراكَ العطرةِ، يا رفيقَ الكفاحِ، خالدةً، واقفةً كشجرةِ الزّيتونِ، دائمةِ الخضرة، ودائمةِ الحضورِ تزيّنُ تضاريسَ بلادِنا الجميلةِ بزيتونِها ومناضليها. المجدُ والخلودُ لشهيدِ الوطنِ رامز خليفة!
رفيقُ الدّربِ
يوسف إدلبي
عكا

guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض كل التعليقات
جديد الأخبار