غُربة الفقير في مَهبّ الأعياد
حين تشرق شمس السنة الجديدة، يرتدي العالم حُلّة من الضجيج الملوّن، وتتراقص الأضواء على واجهات القصور والبيوت المترفة، وكأنّ الأرض تولد من جديد في مهدٍ من الحرير. ولكن، خلف سواتر العتمة، وفي زوايا النسيان، ثمة أرواحٌ لا يزورها هذا العيد إلا ببردٍ أنيابه أقسى، وبصمتٍ صدى أنينه أعمق.
بين الدواء والوجع كيف تقع الكلمات على مسمع مَن يقضي ليلة “العيد” وهو يقلّب كفّيه بحثاً عن درهمٍ يشتري به أنفاساً مؤجلة في زجاجة دواء؟
إنّ “كل عام وأنت بخير” تبدو في أذنه نغمةً ناشزة، فهو لا يرجو من العام الجديد فوزاً أو ترفاً، بل يرجو صلحاً مع جسده الناحل، ومعجزةً تمنحه الدواء قبل أن يسبقه الوجع إلى الوريد. الفقر ليس نقصاً في المتاع فحسب، بل هو شعور المرء بأنّ صحته رهينةٌ بقطعة معدنٍ لا يملكها.
صقيع الثياب والقلب وبينما تزدحم الأسواق بالمعاطف الوثيرة والأطعمة التي تفوح منها رائحة الدفء، يقف هذا “المُعْدَم” ملتحفاً أسمالاً بالية، خيوطها تحكي قصة سنواتٍ من العوز، ونسيجها لم يعد يستر برداً ولا يمنع قرّاً. إنّه يرى الدخان يتصاعد من المداخن البعيدة كأنه بخورٌ لآلهة الرخاء، بينما يكتفي هو بدموعٍ حارّة تجمد على خديه، فلا مائدة تجمع الشتات، ولا حساء دافئاً يطرد وحشة الجوع.
العزلة.. سجن الفقر والأدهى من فقر الجيب، فقر الرفقة.
ففي زمن المظاهر، يصبح الفقير “مُنبوذاً” كأنه يحمل عدوى الشقاء. يمرّ العام ويُقبل الآخر،
والناس يتقاسمون الضحكات والصور، وهو يتجرّع وحدته في فراغٍ موحش. كأنّ الفقر جدارٌ من زجاج، يرى من خلاله أفراح الناس ولا يستطيع لمسها، ويسمع ضجيجهم
ولا يجد من يهمس في أذنه بكلمة مواساة. لقد باتت الصداقة في هذا العصر “عقد استثمار”، ومن لا يملك ثمن القهوة، لا يملك حق الجلوس على مقاعد الحكايات.
رسالة إلى العالم
إنّ العيد الحقيقي ليس في تزيين الأشجار، بل في جبر القلوب المنكسرة. السنة الجديدة ليست أرقاماً تُطوى، بل هي فرصة لنلتفت إلى أولئك الذين سقطوا من حساباتنا. فلقمةٌ دافئة تُقدم لمحروم، أو دواءٌ يُشترى لموجوع، أو حتى رداءٌ يستر عرياً، هي الاحتفال الأسمى الذي يباركه الله وتزكو به الأنفس.
يا مَن تملكون الفرح، لا تجعلوا أضواءكم تحجب عنكم رؤية “الغرباء” في بيوتهم، فخلف كل بابٍ مغلق حكاية صبرٍ مريرة، وبسمتكم في وجه الفقير قد تكون هي الضوء الوحيد الذي يراه في عامه الجديد.
هانم داود



