• 8545141
  • 9814564

وقفة فكرية مع دراسة الدكتور إياس يوسف ناصر بعنوان: “المعاني المسيحية في شعر عَدِيّ بن زيد العبادي” والشعر القديم

د. منير توما

وقفة فكرية مع دراسة للدكتور

إياس يوسف ناصر

بعنوان: “المعاني المسيحية في شعر عَدِيّ بن زيد العبادي

والشعر القديم

بقلم: الدكتور منير توما

كفرياسيف

قام الدكتور إياس يوسف ناصر بإهدائي مشكورًا نسخةً أنيقة من دراسة له في مجلة الكرمل العدد 46 سنة 2025 (جامعة حيفا) تحمل عنوانالمعاني المسيحية في شعر عَدِيّ بن زيد العبادي، وبالتالي وبعد قراءتها والاستمتاع بمضمونها الثري ارتأيتُ أن أكتب في السطور اللاحقة تعليقًا على هذه الدراسة أشيد فيها بما أورده الكاتب من بحثٍ وتمحيصٍ فيها، وأضيف في تعليقي بعض الأمور الفكرية التي تضفي على هذه الدراسة مزيدًا من التحليل الإبداعي والابتكاري، علاوةً على ايراد بعض النماذج من شعر الشعراء المسيحيين الآخرين في الجاهلية بغية أن يكون تعقيبي هنا أكثر اتساعًا وشموليةً.

ولا بُدَّ لي أن أشير في هذا السياق أن الدكتور إياس ناصر هو محاضر في قسم اللغة العربية بالجامعة العبرية، القدس. وقد أتحفنا الدكتور إياس بدراسته حول الشاعر الجاهلي المسيحي عَدِي بن زيد العبادي فيما يخص المعاني المسيحية في شعره حيث كانت المسيحية حاضرة في العصر الجاهلي بقوة عبر الممالك العربية كالمناذرة والغساسنة. وكان هناك الكثير من الشعراء الذين يدينون بالعقيدة المسيحية سنأتي في تعليقنا هذا على ذكر عدد منهم لكون بعض أشعارهم تتضمن تعابير ومصطلحات مسيحية اتّخذ الدكتور إياس شعر عدي بن زيد مثالًا لتضمّنِهِ هذا الجانب من المعاني المسيحية. وقد تناول الدكتور إياس بالبحث والتحليل المعاني الثلاثة خاصةً التي ترد في شعر عدي بن زيد وهي وصف قنديل الفصح، ووصف الراهب في الكنيسة، ووصف الأمم الخوالي وتشبيهها بالورق أو الظلّ أو الحُلُم.

وأول ما تطرّق إليه الباحث هو قنديل الفصح، فقد أقبل عَدِي بن زيد من خلال شعر له أورده الباحث على ندمائه في مجلس الشراب بإناء ضخم من الخمر وشبهه بقنديل الفصح أي أنه يرمز إلى النور الذي ينبعث من القنديل من حيث أنّه مجازًا يبعث النشوة الروحية في نفس الشارب كنايةً عن النور الذي يمثّله السيد المسيح بقوله في الإنجيل المقدّس: “أنا هو نور العالم. مَن يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة“.

ويتجسّد ذلك بعبور المسيح بنا من الموت إلى الحياة بموته على الصليب والفداء الذي أعقبه قيامته التي يشرق فيها نور الفصح في سبت النور عند القبر المقدّس في القدس. كذلك فعند تناول القربان المقدس (الافخارستيا أو ال: communion ) في الكنيسة أي تناول كسرة الخبز كجسد المسيح، والنبيذ كدم المسيح لمغفرة الخطايا حيث أن متناول هذا الخبز والنبيذ يتوحّد مع نور المسيح باعت النور روحيًا وعمليًا في نفس الانسان، فالخمر المتمثِّل بالنَبيذ هنا بكميته الرمزية الضئيلة يملأ النفس بنور النشوة الروحية للإنسان وفقًا لما جاء في مزامير داود في الكتاب المقدّس: “قليل من الخمر يفرِّح قلب الإنسان“. وفي قول عَدِي بن زيد إشارة مجازية إلى تشبيه زجاجة الخمر بقنديل الفصح حيث ترمز زجاجة الخمر أو كأس الخمر إلى وعاء الخمر الذي تمَّ فيه التقديس في العشاء السرّي (العشاء الأخير)، والى كأس الالام التي قدّمها الملاك للمسيح من يد الربّ الآب الفيّاضة بالنور الإلهي المانح الحياة الأبدية بقيامته المجيدة. وعن كأس الخمر وقنديل الفصح يقول عَدِي بن زيد في هذا السياق:

بزجاجةٍ ملءِ اليدين كأنّها

قنديلُ فصحٍ في كنيسة راهبِ

وننتقل إلى بعض معاني الكلمات ذات المرجعية المسيحية الواردة في جزء من أشعار عَدِي بن زيد، ونأتي إلى بيت الشعر:

إذا أتاني نبأٌ مِن مُنعمٍ

لم أَخُنْهُ والذي أعطى الخَبرَ

ومعنى كلمةالخَبَرهنا (الخَبَر السار) أي الإنجيل:

Evangelion عن اليونانية ومعناها (good news)

وفي رواية أخرى لهذا البيت الشعري يوردها الباحث هنا بدلًا عن كلمة الخَبَر بكلمة (الشَبَر) أي أنّها من أصل سرياني نجده في اللغة العبرية (שבר) أي كسرة الخبز التي يتناولونها في الكنيسة مع النبيذ في طقس تناول القربان المقدّس) الافخارستيا أو ما يعرف أيضًا باليونانية: eucharistia أي عطاء الشكر).

وحينما ننظر في كلمةأبيلوكلمةجأرَفي بيت الشعر التالي الوارد في دراسة الدكتور إياس عن عَدِي بن زيد العبادي حيث يقول:

إنّني واللهِ فاقبل حَلَفي

لأبيلٌ كلّما صلّى جأر

فإنّنا نجد الباحث يورد كلمةأبيلبمعنى الراهب الحزين من السريانية التي دخلت العبرية من خلال كلمة (אֵבֶל) أي حُزْن أو تَفَجُّع مع احتمال كون أصل هذه الكلمة ومصدرها ايتمولوجيًا سريانيًا لقرب لفظ (أبيل) من كلمة (abbe) أو يونانيًا أو لاتينيًا لوجود كلمتي abbot وكذلك ablate حيث أنّ هذهِ الكلمات تعني الراهب الذي يصلي بالكنيسة أي الأب روحيًا وبعبارة أدق بمعنى father أي אבא بالعبرية من الأصل الأرامي.

أما كلمة جأر فيوردها الباحث د. إياس في دراستهِ بمعنى رفع صوته عاليًا بالصلاة أو الدعاء كوصف للراهب وهو يصلي ضارعًا إلى الرب. ففي هذا البيت من الشعر يشبِّه نفسه كراهبٍ يصلي كما ذكرنا. وأود هنا أن أضيف على ما أورده الباحث بفكرة أو تحليل ابتكاري أطرحه هنا على سبيل رأي خاص يستند إلى مقاربة لغوية في أنجأرباعتقادي أصلها سرياني نجدها في اللغة العبرية بلفظ (גער) فتحولت في العربية من العين (ע) إلى همزة باعتبار الحقيقة بأنَّ اللغة المنطوقة والمكتوبة التي كانت سائدة في الجزيرة العربية خلال القرن الثامن عبارة عن مزيج من السريانية والعربية وهما لغتان ساميتان كالعبرية أيضًا، فكلمةجأرعلاوةً على ما تفضّل بمعناها الباحث في دراسته استنادًا لما ذكر آنفًا، فإنني أُرجّح أنّ أصلها (גער) بالآرمية الحديثة أي السريانية، فقد ورد في قاموس (אריאל) العبريعبري أنَّ معنى (גער) هو נזף أي وَبّخ بالعربية، وكذلك معنى: העיר בכעס למישהו על התנהגותו או מעשיו, ومعناها أيضًا קלל. وهذه المعاني بمُجملها تنطبق بشكل أو بآخر على الفرضية بأنّه كان في صلاته مشبّهًا نفسه براهب، يوبّخ ويلوم ويلعن سلوك وتصرّف المغرضين والملفقين من أعدائهِ وحُسّاده الذين وشوا به كيديًا عند الملك النعمان بن المنذر الذي أودعه في السجن. وفي هذا الصدد أجد أنّ الصلاة المتضمنة لعنات على المؤذيين والأشرار واردة في مزامير داود، ومعنى جأر المشار إليه بـِ (קִלֵּל) أي لَعَن هي الأكثر منطقيًا في تضمنها لصلاتهِ. فعلى سبيل المثال لا الحصر جاء في مزمور 94: “يا ربُّ وأنتَ إله الانتقام، فتجلَّ بغضبك. قُم يا ديّان الأرض وجازِ المتكبرين على أعمالهم. إلى متى يا ربّ يشمت الأشرار فرحين؟وغير ذلك من الأمثلة بهذا الصدد.

وفي هذا السياق من المهم أن أشير إلى حقيقة لغوية لفظيًا أنّه في انتشار السوريين والسريان سقط نهائيًا حرف العين من اللفظ وتحوّل إلى همزة كما حدث مع (גער) وتحوّلها إلى جأر (وهذا ما حدث عند الإغريق اليونان وفي ايطاليا).

وقبل الانتهاء من هذهِ المداخلة السريعة المقتضبة حول بعض ما جاء في دراسة الدكتور إياس ناصر بشأن عدي بن زيد، يطيب لي أن أقول أنّ الدكتور إياس قد أجاد وأبلى بلاءً رائعًا جميلًا في عرضهِ لتحليل الأفكار لفظًا ومعنىً وأسلوبًا وتنظيمًا لافتًا مما يحفّزنا القول صادقين أنه يستحق كل الثناء والإطراء على ما أبدعه بأسلوب وتوجّه أكاديمي راقٍ.

وأخيرًا وليس آخرًا أجد نفسي توّاقًا أن أضيف على ما أورده الدكتور إياس فيما يتعلق بالشاعر عدي بن زيد أنّ هناك شعراء مسيحيين في الجاهلية قديمًا قد تطرقوا في شعرهم باستخدام بعض الكلمات الدينية المسيحية في أشعارهم، فهذا الأعشى يؤيّد ذكره لفصح النصارى أي المسيحيين بمدحِهِ لهوذة بن علي الذي فك أسرى تميم في ذلك العيد فقال:

بهم يقربُ يومُ الفصحِ ضاحيةً

يرجو الإله بما أسدى وما صنعا

كذلك نجد النابغة الذبياني وهو من الشعراء المسيحيين أنّ في شعرهِ عدّة أثار مُنبئة بتوحيدهِ وتدينهِ وتقاه، وقد ذكر صليب الزوراء في مدحهِ للنعمان ملك الحيرة النصراني أي المسيحي قائلًا:

ظلّتْ تقاطيعُ أنعامٍ مؤبلّةً

لدى صليبٍ على الزوراءِ منصوبُ

ولا يفوتني أن أنسى حاتم الطائي الشاعر المسيحي ولعله اقتبس من الإنجيل قوله:

كلوا اليومَ مِن رزقِ الإله وايسروا

وأنّ على الرحمنِ رزقكم غدا

وهذا القول يتماهى مع ما جاء في انجيل متى الإصحاح السادس حيث جاء هناك:

لذلك أقول لكم: لا تهتموا لمعيشتكم بشأن ما تأكلون وما تشربون. فلا تحملوا الهم قائلين: ماذا نأكل أو ماذا نشرب أو ماذا نلبس، فإنَّ أباكم السماوي يعلم حاجتكم إلى هذهِ كلها.”

ويؤكد انجيل متى هذا القول في موضع آخر قائلًا بالمعنى ذاتهِ: “لا تهتموا بأمر الغد، فإنّ الغد يهتم بأمرِ نفسِهِ“.

وأختم مداخلتي هذهِ بما قاله جسّاس بن مُرّة بن ذهل بن شيبان، وهو قاتل كليب، وكان طليعة قومهِ في حرب البسوس، وهو نصراني أي مسيحي بسبب انتسابهِ إلى شيبان وقرابته إلى بني تغلب واعترافه بالإله الحق وبالبعث في حلفِهِ حيث يقول:

إنّي وربِّ الشاعرِ الغرورِ

وباعت الموتى من القبور

وهنا نلمس ذكره للسيد المسيح باعتبارهِ وكونهِ المقيم والمحيي الموتى.

وهكذا نتمنى للباحث العزيز الدكتور إياس يوسف ناصر خالص التقدم والتوفيق مقرونًا بالنجاح الباهر والازدهار الأكاديمي والثقافي والاجتماعي، مع تحياتنا الى الأديب والشاعر الأستاذ الكبير يوسف ناصر، والد الدكتور اياس، وبالصحة والعمر المديد.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007. يرجى ارسال ملاحظات لـ akkanet.net@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد الأخبار
  • اعلان مربع اصفر
  • عكانت مربع احمر