متنفَّس عبرَ القضبان (161)
حسن عبادي| حيفا
بدأت مشواري التواصليّ مع أسرانا الأحرار رغم عتمة السجون في شهر حزيران 2019 (مبادرة شخصيّة تطوعيّة، بعيداً عن أيّ أنجزة و/ أو مؤسسّة)؛ودوّنتعلىصفحتيانطباعاتيالأوليّةبعدكلّزيارة؛
أصدرت كتاباً بعنوان “زهرات في قلب الجحيم” (دار الرعاة للدراسات والنشر وجسور ثقافيّة للنشر والتوزيع) وتناولت تجربتي مع الأسيرات حتى أواخر شهر آذار 2024، حين تمّ منعي من الزيارات، وتم لاحقاً إبطال المنع بعد اللجوء إلى القضاء.
عدت من حفل إشعار كتابي “احتمالات بيضاء” في معرض الكتاب الدولي بعمان لأواكب حرائر الدامون المنسيّات خلف القضبان وأصغي لأحلامهن بالحريّة، وأدوّن بعضاً من آلامهن ومعاناتهن.
أتصل من بوابة الدامون مباشرة بأهالي من تم قمعهن والاعتداء عليهن، وبعدها بأهالي من التقيتهنّ، وأوصل بعدها رسائل باقي الأسيرات؛
حاولت إيصال تلك الأوجاع والصرخات لكلّ حدب وصوب عبر “التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين“، وعبر الإعلام خارج الوطن، بعيداً عن الشجب والاستنكار وتحميل المسؤولية المؤسّساتي المقيت، وهذا أضعف الإيمان؛
وزادت قناعتي أن صمتنا عارُنا.
عقّبت رماح الحمامرة: “كلما زاد الألم تناثرت الحروف فلا كلمات ولا قصص تُسجن ولا أمل يُحبس فالحرية حتمية. أساله عز وجل بحرية قريبة. أعانك ربي أستاذ حسن على ما تراه وتسمعه. مسيرتك نحو هذه القضية زادها شرف وتضحية فثُلة قليلة وحضرتك من أخيارها لا تكل ولا تمل بقدر الوجع نشكرك على مثابرتك المستمرة أخجلتَ عجزنا وقلة حيلتنا“.
وعقّب الدكتور زياد عبد القادر:
سلامٌ عليكِ
يا وجعًا يمشي
ولا ينوح،
يا غصنًا واقفًا
تحتَ الحصار،
يا أمًّا ترسمُ
طفلتَها
بإصبعٍ مرتجفٍ
وتخفي دمعًا
خشيةَ وقوع الأوهام.
جزاك الله خيرا أخي العزيز المحامي الشهم (حسن عبادي).
وعقّبت الأسيرة المحرّرة الكاتبة إسراء عبوشي: “أستاذ حسن… أنت حين تزور أسيرات الدامون تترك انطباعاً لا يزول وتشكل حدثاً يولد مشاعر تكون حديث الأسيرات حتى الزيارة التالية. تمضي إليهن بخطوات ثابتة، كأنك تحمل معك حصةً زائدة من النور. تكلمهن بكلمات صبر لا ترتجف، وتمنحهن ثقةً بأن الحرية ليست نسيانًا، بل انتظار يعرف أن الفجر آتٍ مهما طال الليل. لأسيراتنا كل الأمنيات بالتحرير، ولك يا أستاذ حسن تقدير يليق بجهودك“.
وعقّب عماد عبد الله: “يا رب، عجل بالفرج. يا رب سهل فلا سهل إلا ما جعلته سهلا والله أصبح القلب يتفطر والجسم جزعا يتقطع، أسمع قصصا من الجحيم والعذابات أسيراتنا بناتنا أخواتنا كل لها قصه وألم ووجع …. لا حول ولا قوة لنا فحولك وقوتك يا الله اللهم إحساننا وكرما أحسن إليهن بالإفراج والحرية… ولك عزيزي الأستاذ حسن كل الشكر والامتنان والمحبة، فأنت صاحب الباع والذراع. الممدودة دوما للأسرى فبارك الله بك….”.
وعقّبت سماح حميدات: “يا رب، احمِ قلوب أسيراتنا الحرائر… قوِّهن بالصبر والسكينة، وطهّر دروبهن من كل أذى. اللهم افتح لهن باب فرَجٍ لا يُغلق، وردّهن سالمات غانمات لأهلهن، وارفع عنهن كل ظلم، وقرّ أعينهن بالحرية القريبة. كل الشكر لك… لأنه وسط هالعتمة، انت بتصير نور. بتدخل على الزنازين حامل همّهم، وبتطلع حامل وجعهم بقلبك قبل ملفاتك. الله يقوّيك ويعطيك القوة تضل سند الهن “.
“رسالة اعتذار… ووصيّة“
زرت ظهر الأربعاء 12 تشرين الثاني 2025 سجن الدامون في أعالي الكرمل السليب، وصلت غرفة المحامين فاستقبلتني الأسيرة أسيل عبد الكريم محمود حماد (مواليد 02.06.1991، من بيت فوريك/ نابلس، رهن الاعتقال منذ 03.06.2025، أم لإيلياء، بابتسامة عريضة قائلة (منيح اللي جيت، كان محامي بداية الأسبوع وخبّرنا أنّك ممنوع من الزيارات؟! الله يسامحه) وخبّرتني أنّهم أخذوا تسنيم لجلسة محكمة وجاهيّة (كان مرتّب لها زيارة).
أوصلتها بداية سلامات ابنتها إيلياء وحالتها بعد اعتقال والدها مصعب، كل علاماتها كاملة بالمدرسة وكشّافة وجيم، ما حدا مقصّر معها، وزوجها مصعب أخذ 6 شهور إداري، والمشتل ماشي مع سهى وساجد، ودمعت عينها حين أخبرتها أن ابنتها كتبت رسالة بخط إيدها (بحبك ماما) وضحكت حين أخبرتها برسالة أخرى من ابنتها “ماما أنا بساعد عمتو سعاد بتفريط الزعتر“.
كثير انهرٍت لما عرفت أنّه مصعب اعتقل وإيلياء ظلّت لحالها.
أسيلبغرفة 10؛ برفقة لينا وزوز (سلامات للعائلة، وشو مع المحكمة؟)، يمامة هرينات، فاطمة حسن/ رام الله (جديدة)، إسراء خمايسة، آلاء عبده وميسر هديبات.
الوضع بالدامون صعب جداً؛ 49 أسيرة (الجدد: هناء بيدق، وتسنيم مروان الهمص من غزة والدكتورة منال حج محمد من بلاطة)، بقمعة 16.08 (إجري الشمال فيها عظمة فالتة وبعاني منها. والعلاج ع راي الحوفيش “ميّة سخنة وصابون وشامبو“. طيّب ومن وين أجيب الصابون والشامبو؟؟)، صاروا السجانين يفوتوا ع الغرف فجأة وملثّمين، وكمان بالفورة ملثّمين، وبالعدد بجبرونا نطلّع ع الحيط وظهورنا إلهُم، غرفة 9 معاقبين لأنّه صبيّة حكت مع غرفة ثانية من بعيد، وغرفة 7 معاقبين لأنهم لاقوا سلك وع رايهم ممكن يفتحوا فيه الأزيكيم (الكلبشات).
شيماء خازم كانت مروّحة، لبّسوها كلبشات البوسطة وعملوا كل إجراءات الترويحة، وعالباب رجّعوها.
بشّعوا بأسيرة لأنها اشتكت أنّه الكلبشات محزّزات وحافرات إيدها، جرّوها وعزلوها.
سيرين: شو صار مع الأغاني؟ وصّلت الأمانة؟
إسلام: كلّنا بالهوا سوا. إمّك منيحة وكلنا بناتها.
طلبت إيصال سلاما تمن الصبايا لأهاليهن؛ ريهام، يمامة، حنان البرغوثي، ميسّر،ياسمين شعبان، منىعنبتاوي،
رسالتها لبنتها:
“صغيرتي إيلياء؛
أهرب إلى عالمك المفرط بالطفولة فأغفو هناك وأنمو قليلاً قليلا، أذوب في لون العسل في مقلتيك فأرتاح من كلّ التعب.
صغيرتي إيلياء؛ أرسمك كل يوم. ليس لدينا قلم أو أوراق، أرسمك بإصبعي. أغمض عيني قليلاً فأراك أمامي تهمسين في أذني أنّ كلّ شيء سيكون بخير.
طفلتي المذهلة؛ ليست هذه الرسالة أفضل ما يُكتَب لطفلة، كنت أتمنى أن أكتب لك رسالة مليئة بالحب والألوان والشجر والورد، رسالة من عالم الأطفال والفراشات وألوان قوس قزح، لكن ليس هذا ما حدث.
لأن كل شيء هنا يفوق حدود المنطق. فأن تصلك رسالة مكتوبة بخط أمك ترف باذخ، لكن هي رسالة اعتذار يا صغيرتي.
أعتذر لك ولكل أطفال فلسطين من خلالك.
أعتذر عن كل اللحظات القاسية التي مررتِ بها.
أعتذر عن كل خوفَة ورجفة ودمعة.
أعتذر لك إيلياء عن كل موقف كنتِ فيه جبلاً مع أنّه كان المفروض منك أن تكوني مجرّد طفلة.
أوصيك يا صغيرتي أنت تكوني بخير، فأنت كلّ احتمالات الفرح وكلّ الحبّ وكلّ الأمل وكلّ الحياة.
بحبّك يا إيلياء“.
لك عزيزتي أسيل أحلى التحيّات، والحريّة لك ولجميع حرائر الدامون.
الدامون/ حيفا تشرين ثاني 2025





