هامش أخير وليس آخراُ
حسن عبادي| فلسطين
.
استلمت بمعرض الكتاب الدولي في عمان بدورته 24 نسخاً من كتاب “هامش أخير” للصديق المقدسيّ محمود شقير (جاء الكتاب في 207 صفحات، تصميم الداخل: ماري تريز مرعب، تحرير ومتابعة نشر: محمد هاشم، منشورات “نوفل/ دمغة الناشر هاشيت أنطوان/ بيروت”).
كتب شقير في البدء: “إلى ملهمتي وصانعة فرحي وأحزاني: القدس”، وأضاف “الرغبة المتجدّدة في الحياة هي التي تمنحني القدرة على الاستمرار”.
من على شرفة العمر كتب شقير سيرته الثلاثيّة؛ “تلك الأمكنة” و”تلك الأزمنة” وها هو يحاول أن يستوفي ما كان ناقصاً منها.
كأنّي بمحمود شقير يجلس على كرسي الاعتراف ليبوح للقارئ بشفافيّة ووضوح ودون رتوش؛ لا ليدافع عن نفسه، وهو ليس بحاجة إلى تقديم توضيحات أو شروحات، فسيرته ومسيرته تغنيانه عن ذلك، بل ليمنح القارئ خلاصة تجربة وعبراً لعلّه يعتبر.
لماذا أكتب؟ “أكتب لنفسي أولاً، للتعبير عنّي ولإرضاء رغبتي في تحقيق ذاتي وأداء دوري في الحياة”، يكتب لناسه وشعبه ولكل كائن بشريّ في هذا العالم محبٍّ للحرية والكرامة والعدل والسلام ولكي لا تكون حياته خاوية جوفاء، فالكتابة تُعينه على مواصلة الحياة.
يمتد عالم شقير الأدبي على مدار أكثر من ستين عاماً من الإبداع؛ بين القصة القصيرة والرواية والكتابة الساخرة وأدب الأطفال والفتيان والسيناريوهات، والمقالات الأدبية والسياسية والفكرية ومواكبة مسيرة الكثير من الكتّاب والأخذ بيدهم وتوجيههم والمرور بمخطوطاتهم وإسداء الرأي والنصيحة.
وتبقى القدس المبتدأ والخبر في حياته ومسيرته؛ “هي المدينة التي شكّلت حياتي وصاغت شخصيتي”. تظهر في غالبيّة كتاباته من باب الضرورة التي يفرضها منطق العمل الأدبي، فهي جزء من مضمون المادة التي يكتبها. كأني به يقول بأن على الكاتب أن يأخذ مواضيعه من نفسه ومن الناس وما يدور حوله، ومسح ريشته منها بعد أن باتت صريحة المعالم مشرّعة الأبواب وسهل عليه تناولها، وها هو شقير يعيش القدس بطولها وعرضها متغلغلة بشرايينه، حاضرة في وجدانه وكتاباته، بأمكنتها وأهلها، أبان النكبة والنكسة وما بينهما وما بعدهما، وكأنيّ به قد وجد قدسه وقدسيّته أكثر وأكثر كلما ابتعد عنها إثر الاعتقال والإبعاد القسري والنفي ومعيشة الشتات، تماماً كما وجد إدوارد سعيد عروبيتّه وشرقيّته عبر البحار. ارتباطه بالقدس هو ارتباط حياة ووجود، هي شريان حياته، قبل أن تكون ارتباطاً عبر الكتابة ومن خلالها. سعى إلى تثبيت الهويّة الأصليّة لها بصفتها مكاناً فلسطينيا أصيلاً بثقافة عربية فلسطينيّة إسلامية مسيحيّة، يراها مكان طفولته وشبابه وكهولته وشيخوخته، هي جزء من حياته وذاكرته وهو جزء من حياتها وذاكرتها.
للنساء حضور في الكتاب وفي غالبيّة كتابات شقير، فهو نصير المرأة، يحمل الهمّ النسوي ويتناول معاناة المرأة الفلسطينية ومحاولة التمرّد على القيود والتقاليد وسلطة الرجل في مجتمع ذكوريّ لتغيير واقع المرأة ليدحض الرواية الغربيّة النمطيّة حول المرأة الشرقيّة ودورها.
وجدت الكتاب يحمل الوصايا العشر؛ وصايا محمود شقير لمعشر المثقفين والكتّاب والقرّاء،
الكتابة لدى شقير عادة يومية لا ينقطع عنها إلّا في حالات طارئة، على أهبّة الاستعداد دائما لكتابة نصّ جديد أو إعادة النظر في كتابة سابقة وتعديلها بالحذف والإضافة، ويعترف بأنّ أيّ كتاب جيّد يقرأه يشكّل حافزاً له للكتابة، وهو مثابر عليها منذ أكثر من ستين عاماً، رغم أنها تتطلب منه عزلة ومزيداً من الوقت كي تأتي على الصورة المأمولة؛ ناضجةً، مقنعة، ومؤثّرة.
مشكلة معظمنا هي أننا نُفضّل أن يقتلنا المدح على أن يُنقذنا النقد (نورمان بيل)، وها هو شقير دائم الخشية من تعرّضه للأذى من أشخاص مغرضين أو أشخاص مضلّلين، ولكنه يشعر بالحرج من فرط المديح (ص. 68)، فكأنّي به ينصح معشر الكتّاب؛ قبل أن تهتموا بما يقوله الناس فيكم اهتموا بما يقوله وجدانُكم لوجدانكم. أخلصوا لأنفسكم ولأدبكم أولًا وإذ ذاك فصدوركم لن تضيق بذمٍّ ولن تنفتح بمدح.
يتناول شقير طقوس الكتابة وما يسبقها؛ قبل الشروع بكتابة نصّ روائي يدوّن ملاحظاته ويفكّر بالشخصيات، وبيني الخزائن ويخطّط الهيكل العظميّ البنيوي ويتهيّأ للشروع في الكتابة إلى أن تحين اللحظة المناسبة ليطلق لبنات أفكاره ولقلمه العنان ويشرع في الكتابة.
يتناول شقير موقفه ممّا يُكتب حول كتاباته؛ ويصل إلى نتيجة مفادها أنّه مِن حقّ مَن يكتب أن يبدي رأيه سلباً أو إيجاباً ويقولها بصريح العبارة: “أنا أحترم كلّ ما كُتب” (ص. 104)، ولمست هذا البوح الصادق حين نشر صديقي الناقد فراس حج محمد مقالته “الناقد ليس مهندس علاقات أدبية” حول كتاب لشقير، أثار ضجّة كبيرة وهوجم من قبل المئات وعقّبت في حينه “أغبطك عزيزي (أبو خالد) على هذا الكمّ من المحبّة والتقدير، وكم يسعدني أن يكون المعقّبون الكرام قد قرؤوا الكتاب!
شهادتي بك وبفراس مجروحة؛ فأنت نِعمَ القارى المتذوّق، وكم سمعت وقرأت قراءاتك النقديّة الانطباعية. كلّي ثقة بأنّ ما كتبه فراس (لمعرفتي الشخصيّة بمدى تقديره لك كإنسان ومثقّف وأديب) لم يهدف التجريح الشخصي، بل وِجهة نقديّة قد نتّفق أو نختلف معها. دمتما.” وكم كان صدره رحباً حين شارك مقالة فراس على صفحته، بل وأكثر من ذلك، نشر مقالة فراس “كلمة حب وصدق في ثمانينيّة محمود شقير” في ملحق هذا الكتاب.
يوصي شقير معشر الكتّاب بالقراءة والمطالعة، فهو كان وما زال على تماسّ مباشر مع القراءة ولا يستغني عنها، فلا بدّ منها لصقل شخصيّة الكاتب، ومن أجل أن تكون أديبًا وكاتبًا في يومنا هذا عليك أن تكون مثقفًا، ولأن تكون مثقفًا عليك ان تكون قارئًا ثم قارئًا ثم قارئًا، فالأمر الذي لا شكّ فيه أنه كلما اتسع اطلاعه على مجاري الحياة البشريّة، قدمها وحديثها، بعيدها وقريبها، جليلها وحقرها، اتّسع مجاله للتأمل والتفكير وللعرض والتصوير، فما انسدّت في وجوهه الطرق إلى مواضيع جديدة يعالجها بأساليب جديدة. أخذني ذلك إلى لقاء بشاعرة سألتها عن آخر كتاب قرأته فأجابتني لدهشتي: “ولماذا أقرأ؟ الكل يشهد لي بأنّي شاعرة متميّزة!” ومذّاك لم أقرأ لها حرفاً.
كما ويوصي شقير معشر الأدباء تحاشي النوح والبكاء، واستجداء رحمة القارئ والناقد وشفقتهم. فهذه كلها من دلائل الهزيمة. والناس يحبون السير في ركاب المنتصرين ويكرهون مماشاة المنهزمين.
يوصي شقير بمحاولة الابتعاد عن المباشرة الشعاراتيّة المبتذلة تيمّنا بما قاله محمود درويش ذات حوار “إنّ شعر الانتفاضة بحاجة إلى عشرة آلاف عاملٍ لتنظيفه من الحجارة”.
وصيّة أخر ى للكاتب أنّ الانسان يموت وهو يتعلّم، ومن يدّعي أنه ختم العلم ولم يعد بحاجة إلى مزيد من التعلّم ومن تحصيل المعرفة فهو ظالم لنفسه مجحف بحقّها.
وصيّة مهمّة أخرى هي التواضع والابتعاد عن الغرور والمبالغة في تقدير مزاياك أو الإجحاف بحقّ الآخرين، فالميدان يتسع لكلّ الخيول.
من أهم وصايا شقير احترام النقد والنقّاد والإصغاء لما يقوله النقاد حول كتاباتك، سواء أكان إيجابيا أم سلبياً، ويقول أنّه استفاد كثيراً من آراء النقاد والدارسين لكتاباته وأفاده في كتاباته اللاحقة، وأسهم في تطوير مشروعه السرديّ.
وكذلك وصيّته بالنسبة لتحرير النصوص، يوصي بحرارة إرضاخ النصوص للتحرير، فالمحرّر يقوم بدور مهم لجهة تخليص العمل الأدبي من الأخطاء اللغوية، ومن الصياغات الأدبيّة الملتبسة أو غير الدقيقة، ويقدّم اقتراحات حول أفضل عنوان للعمل الأدبي، وحول الشخصيات لجهة تطويرها وتعزيز حضورها. ومن هنا يعدّ التحرير أمراً مهماً لأنّه يخلّص العمل الأدبي من نواقصه ويظهره للقرّاء على نحو أكثر اكتمالاً.
وصيّة أخرى؛ ما دمتم واثقين من أن لديكم رسالة فلا تقنطوا من محاولة إيصالها وإن أُغلقت في وجوهكم أبواب الصحف ودور النشر، ثابروا لأنكم حتماً ستشقون لها طريقًا في النهاية، ولا تنسوا أن من تشاهدونهم اليوم في القمّة كانوا بالأمس في الأغوار.
تناول شقير علاقته بكتابات الأسرى؛ فهو، وبحقّ، عرّاب أدب الحريّة، ومن تواصلي مع أسرى يكتبون ومعه أعرف أنه يواكب الكثير من إصداراتهم، يمسك بيدهم ويوجّههم ويشجّعهم، وكثيرًا ما تواصل معي ليسأل عن كتاب أسير، وحين أحوّله له أجده قد قرأه من الجلدة للجلدة خلال أيام، أكثر من مجرّد قراءة!
كثير من الكتّاب يحاولون هندسة البدايات وخلط الأوراق من جديد، ولكن شقير يفخر بأن الحب للحبيب الأوّل، يفخر ويعتز بمجموعته القصصية الأولى “خبز الآخرين” التي قدّمته للقرّاء وللنقّاد (ص. 96).
“هامش أخير” ليس بمجرد سيرة ذاتية، بل تأمّلات من على شرفة العمر لمن عاش حياته الزاخرة بالتجارب، ومن باب محبّته للعطاء أحبّ أن يشارك أحبّته ببعضٍ من خلاصة تجربة غنيّة.
اعتراف؛ يسعدني أن ألتقي أصدقائي ومعارفي بين دفّتي كتاب أقرأه، أصوّر الصفحة وأبعثها له أو أهاتفه لأخبره ونجدّد الذكريات معاً؛ وهذا الكتاب جمعني بالكثير من الأصدقاء، خاله الأديب الفنان محمود شاهين، واسيني الأعرج، عائشة عودة، الإعلامي أحمد زكارنة، سميح القاسم، نعيم الأشهب، سميح محسن، أسعد الأسعد، جميل السلحوت، د. محمد عبيد الله، عبد الحميد صيام، عبد السلام عطاري، إبراهيم جوهر، إبراهيم نصر الله، صالح عباسي ومكتبة كل شيء الحيفاويّة، عادل الأسطة، وزياد خدّاش وغيرهم.
لفت انتباهي عدم تقيّد شقير بالتسلسل الزمني للأحداث، فجاءت سيرة عفويّة بلا قيود ومفعمة بالحيويّة والنشاط ومليئة بالحياة.
كما ولفتت انتباهي تلويحة الوفاء في نهاية كلّ فصل من الفصول الستّة الأولى لامرأةٍ أو رجل جديرين بالتقدير؛ الشاعر حسين مهنا، المذيعة فاطمة البديري، المناضل سليمان الحنّا، القائد والمفكّر نعيم الأشهب، المناضل إميل عوّاد، والناقد والروائي الأستاذ الجامعي أحمد حرب، تلويحة صادقة وإضاءة جميلة لمن يستحقّها.
كم كنت محظوظاً حين تصفّحت الكتاب ووجدته يشمل فصلاً “كتاب المحامي حسن عبّادي – عن أسرانا في سجون الاحتلال” وتناول فيه مبادرتي التواصليّة مع الأسرى وكتابي “يوميّات الزائر والمزور – متنفّس عبر القضبان”.
وأخيراً؛ ذكر محمود شقير أنّ كتابه “تلك الأزمنة” هو الجزء الثاني والأخير من سيرته، وفي هذا الكتاب جاء في التمهيد: “أتوقَّع أن تكون الصفحات التالية هي آخر ما لديّ من سرد لجوانب من سيرتي الذاتيّة” ويقول إنّه الجزء الثالث ويرجو أن يكون هو الهامش الأخير، وكلّي ثقة بأنه الأخير إلى حين يطلّ علينا أبو خالد بهامش آخر جديد.



