جوع لا يُشبعه الخبز… بقلم: رانية مرجية

رانيه مرجيه
جوع لا يُشبعه الخبز
حين تتضور الأرواح عطشًا للحب والتقدير

 

قالت”,“الأم تريزا”,“القديسة الكاثوليكية الحائزة على نوبل”]:
“هناك الكثير من الجوع في العالم، ليس للخبز، بل للحب والتقدير.”

 

غير أن هذا القول، على بساطته، يفتح بابًا واسعًا نحو فهمٍ أكثر تعقيدًا للإنسان.
فليس كل جوعٍ يُرى، وليس كل ألمٍ يُفهم، وليس كل احتياجٍ يُطلب بصوتٍ عالٍ.

 

ثمة جوعٌ آخر…
صامت، خفي، يتسلل إلى أعماق النفس دون ضجيج، ويستقر هناك كفراغٍ لا اسم له.
جوع لا يتعلق بالبقاء، بل بالمعنى.
لا يهدد الجسد بالفناء، بل يهدد الروح بالتلاشي.

 

منذ لحظة الوعي الأولى، يبحث الإنسان—بوعيٍ أو بدونه—عن اعترافٍ بوجوده.
أن يُرى، أن يُسمع، أن يُؤخذ بعين الاعتبار.
وهذا الاحتياج ليس ضعفًا كما يُظن، بل هو أصل التكوين الإنساني.
فالإنسان لا يُدرك ذاته إلا عبر انعكاسها في الآخرين.

 

غير أن العالم الحديث، في اندفاعه نحو الإنتاج والإنجاز، أعاد ترتيب الأولويات بطريقةٍ جعلت الإنسان أكثر امتلاءً من الخارج، وأكثر فراغًا من الداخل.
أصبحت القيمة تُقاس بما يُنجَز، لا بما يُشعَر.
وأصبح الحضور شكليًا، بينما الغياب عاطفي عميق.

 

في هذا السياق، لم يعد الجوع إلى الحب والتقدير حالة استثنائية، بل صار ظاهرة عامة.
قد يجلس الإنسان بين كثيرين، لكنه لا يجد من يُنصت إليه حقًا.
قد يتلقى كلمات كثيرة، لكنها لا تمسّه.
وقد يعيش حياةً تبدو مكتملة، لكنها تفتقر إلى أبسط أشكال الدفء الإنساني.

 

والأشد تعقيدًا، أن هذا الجوع لا يظهر دائمًا في صورة ضعف.
بل قد يتخفى في صورة قوة مفرطة، أو استقلالٍ حاد، أو حتى برودٍ عاطفي.
إذ يتعلم الإنسان، مع الوقت، أن يُخفي احتياجه، وأن يُقنع نفسه بأنه لا يحتاج أحدًا، بينما الحقيقة عكس ذلك تمامًا.

 

وفي لحظاتٍ نادرة من الصدق، ينكشف هذا القناع.
في صمتٍ طويل، أو في كلمةٍ عابرة تؤلم أكثر مما ينبغي، أو في شعورٍ مفاجئ بالفراغ رغم كل شيء.
هناك، يتجلى هذا الجوع في أوضح صوره:
حاجة عميقة لأن يكون الإنسان مرئيًا… لا أكثر.

 

التقدير، في هذا الإطار، لا يُعد ترفًا اجتماعيًا، بل ضرورة نفسية وجودية.
إنه اعتراف ضمني بأن هذا الإنسان له مكان، وله أثر، وله قيمة.
وغيابه لا يترك فراغًا بسيطًا، بل يُحدث خللًا في علاقة الإنسان بذاته وبالعالم.

 

ولعل أكثر ما يفاقم هذا الجوع، هو الاعتياد عليه.
حين يصبح الإهمال طبيعيًا، والتجاهل مألوفًا، والاحتياج أمرًا مخجلًا.
عندها، لا يعود الإنسان يبحث عن الامتلاء، بل يكتفي بتجنّب الألم.

 

ومع ذلك، يبقى الأمل كامنًا في أبسط التفاصيل.
في كلمةٍ تُقال بصدق، في التفاتةٍ غير متوقعة، في إنصاتٍ حقيقي لا يقطع ولا يُقاطع.
هذه الأفعال، على صغرها، تمتلك قدرة نادرة على إعادة التوازن لما اختل في الداخل.

 

فما يُنقذ الإنسان، في كثير من الأحيان، ليس حدثًا عظيمًا،
بل شعور بسيط بأنه ليس وحده… وأن وجوده ليس عابرًا.

 

إن أخطر ما قد يعيشه الإنسان، ليس الألم في ذاته،
بل أن يمرّ ألمه دون أن يُرى.

 

أن يكون حاضرًا… دون أن يُشعَر به.
أن يتكلم… دون أن يُصغى إليه.
أن يعطي… دون أن يُقدَّر.

 

تلك هي صورة الجوع التي لا تُدرج في الإحصاءات، ولا تُرى في الشوارع،
لكنها تسكن في القلوب، وتتسع بصمت.

 

وفي زمنٍ استطاع فيه الإنسان أن يُنتج ما يكفي لإطعام العالم،
لا يزال عاجزًا عن إشباع أكثر احتياجاته بداهة:
أن يُحِب… وأن يُحَب.

 

وهنا، تتجلّى المفارقة الكبرى:
كل ما يحتاجه هذا الجوع ليس مستحيلًا… لكنه نادر،
ليس عظيمًا في شكله… لكنه عميق في أثره،
ليس مكلفًا… لكنه يُعطي الإنسان إحساسًا بأنه يستحق الحياة.

 

لذلك، لا يكون السؤال الحقيقي: كيف نُشبع هذا الجوع؟
بل: هل ننتبه له أصلًا؟

 

هل نلتفت إلى من يمرّون بصمت؟
هل نمنح الكلمة في وقتها؟
هل نُشعر من حولنا أنهم ليسوا تفاصيل هامشية في هذا العالم؟

 

لأن ما يُنقذ هذا الجوع، ليس وفرة الخبز،
بل دفء القلب.
ليس كثرة الناس،
بل صدق الحضور.

 

وربما، في عالمٍ يزداد قسوةً دون أن يشعر،
يصبح أبسط فعل إنساني—
كلمة، نظرة، إنصات—
شكلًا من أشكال النجاة.

 

وفي زمنٍ امتلأت فيه الأيادي…
يبقى الامتلاء الحقيقي
أن لا تظلّ القلوب
جائعة.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007. يرجى ارسال ملاحظات لـ akkanet.net@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد الأخبار
  • اعلان مربع اصفر
  • عكانت مربع احمر