متنفَّس عبرَ القضبان (164)
حسن عبادي| حيفا
.
بدأت مشواري التواصليّ مع أسرانا الأحرار رغم عتمة السجون في شهر حزيران 2019 (مبادرة شخصيّة تطوعيّة، بعيداً عن أيّ أنجزة و/ أو مؤسسّة)؛ ودوّنت على صفحتي انطباعاتي الأوليّة بعد كلّ زيارة؛
أصدرت كتاباً بعنوان “زهرات في قلب الجحيم” (دار الرعاة للدراسات والنشر وجسور ثقافيّة للنشر والتوزيع) وتناولت تجربتي مع الأسيرات حتى أواخر شهر آذار 2024، حين تمّ منعي من الزيارات، وتم لاحقاً إبطال المنع بعد اللجوء إلى القضاء.
عدت من حفل إشعار كتابي “احتمالات بيضاء” في معرض الكتاب الدولي بعمان لأواكب حرائر الدامون المنسيّات خلف القضبان وأصغي لأحلامهن بالحريّة، وأدوّن بعضاً من آلامهن ومعاناتهن.
أتصل من بوابة الدامون مباشرة بأهالي من تم قمعهن والاعتداء عليهن، وبعدها بأهالي من التقيتهنّ، وأوصل بعدها رسائل باقي الأسيرات؛
حاولت إيصال تلك الأوجاع والصرخات لكلّ حدب وصوب عبر “التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين”، وعبر الإعلام خارج الوطن، بعيداً عن الشجب والاستنكار وتحميل المسؤولية المؤسّساتي المقيت، وهذا أضعف الإيمان؛
وزادت قناعتي أن صمتنا عارُنا.
عقّب الشاعر عبد القادر مراعبة: “دمت الأنيس لمن فقدوا أنس الحياة بوركت جهودك صديقنا العزيز الغالي والله أنت رمز من رموز الإنسانية والوفاء في زمن تقلبت فيه الضمائر والقلوب” …
وعقّبت الأسيرة المحرّرة الكاتبة إسراء عبوشي: “كأن الدامون كان محطةً بين الحياة والموت؛ مساحة معلّقة بين عالمين، نعيش فيها على هامش الزمن. كل الذكريات التي سبقت الأسر بدت بعيدة، ضبابية، كأنها تخصّ أشخاصًا آخرين لا علاقة لنا بهم. هناك، في ذلك البرزخ، كنّا نبدأ خطواتنا الأولى نحو شكلٍ من أشكال الموت البطيء. وحين رأيتُ صورة تسنيم أمام بوابة الجامعة، انفتحت شقوق الماضي. تذكّرت الباب الأزرق المغلق، القضبان التي تختصر العالم، والممر الضيّق الذي كان يفصل بيننا وبين شيء اسمه الحياة. ولو رأت تسنيم صورتها اليوم، لرأت المسافة الهائلة بين ما أنجزَته في الخارج وما كان يُسحق في الداخل، وشعرت أن ما بقي يذكّرها دائمًا بذلك الباب… وبالأيام التي تشبه القيامة الصغيرة.”
وعقّبت والدة تسنيم عودة: “من والدة الأسيرة تسنيم بركات عودة، بنتي حلمها تدرس قانون لكن السجن حرمها هالحلم وقف في طريقها رغم ثباتها إلا أنهم حرموها كانت بتشتغل ع مشروع التخرج، ومددوا اعتقالها بتهمة التحريض إللى هو: نعت والدها بكلمات شوق وفقد،،، بتعاملوا معاها جوة بوحشية وبعاقبوهم بعباداتهم حرمان، بتمنى الشهر الجاي يوخذ القاضي كلام تسنيم إللى وجهتلو ياه بعين الاعتبار والرأفة وتطلع بالسلامة وتكمل حلمها وحلم والدها إلى بلشتو بالجامعة (القانون). ربي يسعدك ويحفظك، ربي يشرح صدرك ويسر أمرك أفرحت قلبي باهتمامك بأمور الأسيرات”.
“بمشّط شعري بإيدي”
زرت صباح الأربعاء 26 تشرين الثاني 2025 سجن الدامون في أعالي الكرمل السليب، لألتقي بالأسيرة أماني محمود رضوان النجار للمرّة الثانية (مواليد 01.01.1984 ومعتقلة منذ 26.02.2025) من مخيّم الفوّار/ الخليل، خرّيجة لغة إنجليزية في جامعة الخليل، معلمة بمدرسة حمد الله الخطيب الأساسية المختلطة في بلدة يطا، أم لسلسبيل، محمد، محمود، حمزة، رهف.
أوصلتها سلامات ورسائل أختها ناريمان وزوجها وأولادها والأهل؛ تريّحت كثير وقالت بعفويّة: “اليوم طبقت 9 أشهر بالسجن، أعطيتني معنويّات لسنة”.
أماني بغرفة 8؛ برفقة منى عنبتاوي[1]، هيام شحادة[2]، عائشة عساف.
في الدامون 49 أسيرة، 3 أسيرات جدد؛ سلام عواد، فاطمة حسين وسهير أبو ماريا… وتسنيم الهمص (غزة) [3].
خفّت القمعات (فقط لصبايا محدّدة)، الإجراءات شديدة، التفتيشات مستمرة (بفتّشوا على قلم!)، المسبّات ع الطالع والنازل، بمشّط شعري بإيدي، ما مشّطته من يوم الحبسة). حفظت سورة البقرة كاملة وسورة النور.
سلّم على أمي وأبوي كثير السلام، وخواتي وأزواجهن وأولادهن وبطلب رضاهم.
طلبت إيصال سلاماتها لخواتها الستّة وجيزانهن وأولادهن، وأخوها محمد وزوجته وأولاده، وبتبارك لأختها أمل مولودها (يمان) ولأختها ناريمان بتخرّجها من دورة حجامة.
كل الحب لسلسبيل (ابنتها، طالبة جامعية، إنجليزي وفرنسي، دايماً بحكي لبنات الدامون عنك وعن طبخاتك وحلويّاتك اللي بتعمليها وفخورة فيك والبنات حابات يتعرفن عليك، سلام كساب نفس تاريخ ميلادك). وسلامات لمحمد ومحمود ورهف (تفقدوا كل يوم قبل المدرسة محارم وأقلام وكتب ومشّطوا شعرها شويّة شويّة، وزوروها بالمدرسة).
وزوجها “رصيد حبّي إلك بالعلالي”، وحمزة “كل الحب لحمزة، مشتاقة ودير بالك ع دراستك ومتأكدة رايح ترفع علاماتك عشاني”.
ابعثوا لي تفاصيل عن حياتكم مهما تكون تافهة. فش أسرار بالدامون. كل شي ع المكشوف. أخبار الكلّ بتهمّ الكلّ. فضحنا الدنيا وكل أسرار الأهل. فش شي مخبّى.
الأمانة سلّم على الحبايب.
طلبت إيصال سلامات ورسائل لأهالي الأسيرات كرم موسى، فداء عساف، سامية جواعدة [4]، آية عقل وشاتيلا أبو عيادة.
حين افترقنا قالت: “قدّيش مطلوب لي؟”
“لمّا لمحت أهلي انبسطت وتروحنت”
بعد لقائي بأماني، أطلت الأسيرة تسنيم بركات عودة (مواليد 17.09.2003، رهن الاعتقال منذ يوم 12.12.24) من عناتا/ القدس، طالبة قانون في جامعة القدس/ أبو ديس.
بعد التحيّة بادرت قائلة: “وصلني منّك أنّه أختي آلاء تزوّجت وحامل. في منّه هالحكي؟ هل أنا عائق في تأجيل جيزتها؟ بهمني تتجوّز وتنبسط” وانفرجت أساريرها حين أكّدت لها الخبريّة.
تسنيم في غرفة 3 برفقة ليان ناصر، ريهام موسى، سهير أبو ماريا (أسيرة جديدة)، كرم موسى، فداء عساف، سلام كساب، سلام عواد (أسيرة جديدة). (في الغرفة 6 أبراش؛ صبايا ثنتين بناموا ع الأرض).
الأكل بعده شحيح، زادوا شويّة رز فقط. النحشون كثير متوحشين؛ القفص الصدري بوجّع من ضرباتهم بالبوسطة، ووجع ظهر. عذاب البوسطة قبر متجوّل. كلبشات على الإيدين والإجرين ومغمّضة العينين، جرجروني على الدرج ووقت عدّة مرات، وضرب بالبسطار.
أنا مؤذّن القسم، بصلّي قيام الليل وبصحّي البنات يصلّوا. إن شالله بطلع أحسن من تسنيم قبل.
منيح اللي رحت على المحكمة وجاهي ع شان أشوف أهلي.
سلّم على إمي، خبّرها “بحبها كثير ومشتاقة للكل واشتقت لطبخاتها، صحتي منيحة، اشتقت للحِلبِة. كثير انبسطت لما لمحتها بالمحكمة”.
سجود (أختها): ديري بالك على إمي وعلى لولو ومحمود، تبوّسلي إياهم وتظل تحكيلهم عنّي.
محمد وإياد كثير انبسطت لما شفتهم بالمحكمة. صايرين شباب ومناح. الدار بأمانتهم.
آية (أختها): مبارك الجيزة والحمل. انتبهي على دروسك وجامعتك.
خواتي لور وأمينة، اشتقتلهن وكثير انبسطت لما شفتهن بالمحكمة. كثير بنبسط وبرتاح أشوف الأهل بالمحكمة. مزبوط شحطوني درج كامل وأنا معصّبة عيني، بس لمّا لمحت أهلي انبسطت وتروحنت. لليوم بحكي للبنات شعوري عن لمحة أهلي قبل 14 يوم.
وخلّيهم يتابعوا الجامعة ومشروع التخرّج، إن شالله بتشوفوني محامية كيف تمنّى حياة أبوي.
راضية بالحكم مهما كان، كونوا قويّين.
بارك لشيماء بالتخرّج وسلّملي عليها.
طلبت إيصال رسائل الأسيرات لأهاليهن؛ بنان أبو الهيجاء، ماسة غزال [5] (بتسلّم كمان على حليمة)، ربى دار ناصر (بتعايد على أخوها)، بشرى قواريق (وصلت الصورة لوليد؟)، كرم موسى (ضحى إجت عالبلاد؟)، سماح حجاوي، فداء عساف (ليش المحامي بحضرش الجلسات؟)، آية عقل (علي ما يضغط حاله بتدبير مبلغ الغرامة. مستعدّة أقعد شهر زيادة)، شاتيلا أبو عيادة (وصلت ورقة الغرامة/ التعويض وصارت 220.000 شاقل. ليش المحامي بعده مش دافعها؟ المصاري وصلته من سنين!)، وليان ناصر.
طلبت إيصال سلاماتها واشتياقها لكرمل ولكلّ من يسأل عنها بالخير.
حين افترقنا قالت: “بالله عليك خبّر أهل تسنيم الهمص/ غزة [3] أنها بالدامون”.
لكما عزيزتيّ أماني وتسنيم أحلى التحيّات، والحريّة لك ولجميع أسرى الحريّة.
الدامون/ حيفا تشرين ثاني 2025
[1]تحررت منى عنبتاوي يوم 30.12.25
[2]تحررت هيام شحادة يوم 21.12.25
[3]تحررت تسنيم الهمص يوم 27.11.25
[4]تحررت سامية جواعدة يوم 10.12.25
[5]تحررت ماسة غزال يوم 26.02.26





