لم تعد عقوبة الإعدام في إسرائيل مجرد نص قانوني معطّل أو احتمال نظري. ففي مساء الثلاثاء 24 مارس 2026، صادقت لجنة الأمن القومي في الكنيست الإسرائيلي على مشروع قانون يفرض الإعدام على الأسرى الفلسطينيين، تمهيداً لطرحه للتصويت النهائي خلال الأيام المقبلة. وبموافقة اللجنة على الصيغة النهائية بعد تجاوز أكثر من ألفي تحفظ قُدّمت خلال المداولات، بات المشروع أقرب من أي وقت مضى إلى التحول إلى تشريع نافذ، في خطوة قد تعيد عقوبة الموت إلى السجون الإسرائيلية بعد أكثر من ستة عقود على آخر تنفيذ له.
هذا التطور يفتح فصلاً جديداً في سياسة العقوبات الإسرائيلية، إذ لم تُنفّذ إسرائيل عقوبة الإعدام إلا مرة واحدة منذ تأسيسها، حين أُعدم الضابط أدولف أيخمان عام 1962 بعد إدانته بجرائم إبادة جماعية خلال الحرب العالمية الثانية. ومنذ ذلك الحين ظل تنفيذ الإعدام استثناءً نادراً، رغم بقاء النص القانوني قائماً في بعض الجرائم الاستثنائية.
اليوم، يُعاد فتح هذا الباب في سياق مختلف تماماً، حيث يُطرح القانون في ظل صراع سياسي وعسكري طويل، ليطال فئة محددة من الأسرى الفلسطينيين.
أولاً: جذور المشروع
ميراث الانتداب وحسابات اليمين
مشروع قانون إعدام الأسرى ليس جديداً في بنيته، بل يندرج ضمن منظومة قانونية استعمارية ورثت إسرائيل أجزاءً منها عن حقبة الانتداب البريطاني، حيث احتوت التشريعات الانتدابية على عقوبات إعدام طُبقت آنذاك في سياق إدارة الاستعمار البريطاني لفلسطين.
ومع قيام دولة إسرائيل، أُبقي على عقوبة الإعدام في بعض الجرائم الاستثنائية، ثم أُلغي تطبيقها في جرائم القتل العادية عام 1954، ليبقى استخدامها محصوراً في حالات محدودة للغاية تتعلق بجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية.
الباحث القانوني وسيم الشنطي، في ورقة بحثية أعدّها لمبادرة لاهاي للقانون والعدالة، يوضح أن عقوبة الإعدام ما تزال قائمة في قانون العقوبات الإسرائيلي لعام 1977، ولا سيما المادة 97 التي تجيزها في الجرائم التي تمس بسيادة الدولة. إلا أن الحكومات الإسرائيلية امتنعت عملياً عن استخدامها، ليس بدافع حقوقي بقدر ما كان بدافع سياسي وأمني، خشية أن يؤدي تنفيذ الإعدام بحق فلسطينيين إلى تصعيد الصراع أو تشجيع عمليات اختطاف بهدف المقايضة.
المسار الزمني من الرفض إلى أبواب التشريع
يوليو 2015
طُرح المشروع للمرة الأولى في الكنيست لكنه رُفض بأغلبية واسعة.
يناير 2018
مرّت القراءة التمهيدية بفارق ضئيل 52 صوتاً مقابل 49، غير أن حل الكنيست لاحقاً أوقف مساره التشريعي.
مارس 2023
عاد المشروع إلى الواجهة ونجح في تجاوز القراءة التمهيدية بـ 55 صوتاً مقابل 9، لكنه توقف نتيجة تحفظات المستشار القانوني للكنيست.
28 سبتمبر 2025
أعادت لجنة الأمن القومي إدراجه على جدول الأعمال بدعم من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير.
10 نوفمبر 2025
صوّت الكنيست بالقراءة الأولى لصالح المشروع بأغلبية 39 عضواً مقابل 16 معارضاً.
مارس 2026
صادقت لجنة الأمن القومي على الصيغة النهائية للقانون، وأُحيل المشروع للتصويت في القراءتين الثانية والثالثة.
ويقود هذه المبادرة حزب القوة اليهودية بزعامة بن غفير، الذي جعل من القانون شعاراً انتخابياً تحت عنوان الردع ضد الإرهاب، ما يعكس البعد السياسي الواضح للمشروع في الخطاب الداخلي الإسرائيلي.
ثانيا:ً ماذا يقول القانون
النص والمخفي وراءه
يقترح القانون تعديلاً على المادة 300 من قانون العقوبات الإسرائيلي لعام 1977، بحيث يُفرض حكم الإعدام على من يُدان بقتل إسرائيلي بدافع عنصري أو عدائي أو بقصد الإضرار بدولة إسرائيل والشعب اليهودي.
غير أن الصيغة النهائية التي أقرّتها لجنة الأمن القومي تتضمن بنوداً أكثر تشدداً من مجرد النص الأساسي.
ينص المشروع على فرض عقوبة الإعدام بشكل إلزامي دون الحاجة إلى طلب المدعي العام، كما يمنح رئيس الحكومة صلاحية تأجيل تنفيذ الحكم لفترة لا تتجاوز 180 يوماً.
ويُنفذ حكم الإعدام شنقاً بواسطة مصلحة السجون الإسرائيلية خلال مدة لا تتجاوز 90 يوماً من صدور الحكم النهائي.
كما يتضمن المشروع تعديلات إجرائية مثيرة للجدل، أبرزها خفض شرط إصدار الحكم من الإجماع القضائي إلى أغلبية قاضيين من أصل ثلاثة، وتوسيع نطاق المحاكم التي يمكنها إصدار الحكم ليشمل المحاكم المدنية إلى جانب العسكرية.
وتبرز إحدى أخطر النقاط في النص القانوني في مسألة التمييز في العقوبة، إذ يترك القانون المجال أمام إمكانية الحكم بالسجن المؤبد على مواطنين إسرائيليين في ظروف مماثلة، في حين يفرض الإعدام إلزامياً على الفلسطينيين في الحالات المشمولة بالقانون.
كما يتضمن المشروع بند التطبيق بأثر رجعي على أسرى هجوم السابع من أكتوبر 2023، إضافة إلى إلغاء حق الاستئناف ومنع العفو حتى من قبل رئيس الدولة.
وبموجب آلية التطبيق المقترحة، ستصدر المحاكم العسكرية في الضفة الغربية أحكام الإعدام بحق الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، بينما يُطبق القانون داخل إسرائيل والقدس الشرقية عبر النظام القضائي الجنائي الإسرائيلي.
ثالثاً: الأسرى في سجون الاحتلال
الأرقام التي تسبق القانون
قبل أن يتحول الإعدام إلى نص تشريعي، كان الموت حاضراً بالفعل في واقع السجون الإسرائيلية.
وفق بيانات نادي الأسير الفلسطيني ومؤسسات شؤون الأسرى، يقبع في السجون الإسرائيلية أكثر من 9300 أسير فلسطيني، بينهم نساء وأطفال، يعيشون في ظروف احتجاز توصف من قبل منظمات حقوقية بأنها قاسية ومخالفة للمعايير الدولية.
وتشير المعطيات إلى أن عدد شهداء الحركة الأسيرة المعروفين بالاسم منذ عام 1967 بلغ 292 شهيداً، بينهم 64 أسيراً لا تزال جثامينهم محتجزة لدى السلطات الإسرائيلية.
وبحسب نادي الأسير، استشهد ما لا يقل عن 88 أسيراً داخل السجون الإسرائيلية نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي أو ظروف الاحتجاز القاسية، فيما تشير تقديرات منظمات إسرائيلية إلى أن العدد قد يصل إلى نحو 100 أسير.
ومنذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى منتصف عام 2024 وحده، استشهد 54 أسيراً في السجون الإسرائيلية نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي أو سوء ظروف الاحتجاز، وكان معظمهم من معتقلي قطاع غزة.
وتشير دراسات حقوقية إسرائيلية إلى أن نسبة الإدانة في المحاكم العسكرية الإسرائيلية التي تنظر قضايا الفلسطينيين في الضفة الغربية تتجاوز 99%، وهو ما يثير مخاوف قانونية جدية من أن يؤدي إدخال عقوبة الإعدام إلى أحكام نهائية في نظام قضائي يواجه أصلاً انتقادات واسعة بشأن ضمانات المحاكمة العادلة.
وفي إحدى الحالات التي وثقتها مؤسسات الأسرى، توفي الأسير عرفات ياسر حمدان بعد تعرضه لنوبة سكر حادة دون أن تقدم له إدارة السجن العلاج اللازم، ما أدى إلى وفاته داخل الغرفة أمام زملائه.
رابعاً: أصوات حقوقية
من القاهرة إلى جنيف
حذّرت منظمات حقوقية دولية من أن مشروع القانون يشكل تراجعاً خطيراً عن المعايير الدولية المتعلقة بعقوبة الإعدام.
منظمة العفو الدولية اعتبرت أن المشروع يمثل خطوة خطيرة نحو تكريس التمييز ضد الفلسطينيين، مؤكدة أن عقوبة الإعدام تُعد أقسى أشكال العقوبات القاسية واللاإنسانية والمهينة.
كما أكدت منظمة هيومن رايتس ووتش أن تطبيق عقوبة الإعدام في سياق احتلال طويل الأمد يثير إشكاليات قانونية خطيرة، ويقوض مبادئ العدالة والمحاكمة العادلة.
وقال خبراء من الأمم المتحدة إن العقوبات الإلزامية بالإعدام تتعارض مع الحق في الحياة، لأنها تمنع القضاة من مراعاة الظروف الفردية لكل قضية.
المفوضية السامية لحقوق الإنسان عبرت بدورها عن قلق بالغ من المشروع، مؤكدة أن اعتماد مثل هذا القانون قد يؤدي إلى تنفيذ إعدامات تعسفية تستهدف فئة محددة على أساس الهوية القومية.
أما المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، فقد اعتبر أن المشروع يعكس سياسة تمييز ممنهجة ضد الفلسطينيين ويشكل انتهاكاً لقواعد القانون الدولي الإنساني.
المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان وصف القانون بأنه تشريع انتقامي يستهدف الأسرى الفلسطينيين، مطالباً المجتمع الدولي بالتحرك لمنع إقراره.
كما وصف حلمي الأعرج مدير مركز الدفاع عن الحريات والحقوق المدنية المشروع بأنه قانون سياسي انتقامي يهدف إلى الانتقام من الأسرى الفلسطينيين وليس تحقيق العدالة.
كما حذر مسؤولون أمنيون إسرائيليون سابقون من أن تطبيق عقوبة الإعدام قد يؤدي إلى تصعيد خطير في الصراع، بما في ذلك زيادة محاولات اختطاف الإسرائيليين للمطالبة بالإفراج عن أسرى محكومين بالإعدام، وهو التخوف ذاته الذي دفع حكومات إسرائيلية سابقة إلى الامتناع عن تطبيق هذه العقوبة رغم وجودها في القانون.
ومن داخل إسرائيل نفسها، عبّر خبراء قانونيون وأمنيون عن معارضتهم للمشروع، محذرين من تداعيات قانونية ودبلوماسية خطيرة.
كما أعرب الاتحاد الأوروبي في نوفمبر 2025 عن قلقه من عودة إسرائيل إلى عقوبة تتعارض مع الاتجاه العالمي لإلغائها.
خامساً: انتهاكات القانون الدولي
التفصيل القانوني
تشير الورقة البحثية الصادرة عن مبادرة لاهاي للقانون والعدالة إلى أن مشروع القانون يتعارض مع عدة مبادئ أساسية في القانون الدولي.
أولاً
اتفاقية جنيف الرابعة، ولا سيما المادة 68، تشترط ضمانات قضائية صارمة قبل إصدار أي حكم بالإعدام في الأراضي المحتلة، بما في ذلك الحق في طلب العفو أو تخفيف العقوبة، وهو ما يلغي المشروع المقترح إمكانية تطبيقه.
ثانياً
مبدأ عدم التمييز، حيث يربط المشروع العقوبة بهوية الضحية أو المنفذ، ما قد يؤدي إلى تطبيق عقوبات مختلفة على الجرائم ذاتها تبعاً للانتماء القومي.
ثالثاً
مبدأ عدم رجعية القوانين الجنائية، إذ ينص المشروع على تطبيقه بأثر رجعي، وهو ما يعد أحد أخطر الانتهاكات في القانون الجنائي الدولي.
رابعاً
نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي يصنف إصدار أحكام بالإعدام دون محاكمة عادلة أو تنفيذ الإعدام بحق أشخاص محميين جريمة حرب محتملة.
وبما أن دولة فلسطين طرف في المحكمة الجنائية الدولية، فإن أي تطبيق للقانون قد يفتح الباب أمام مساءلة قانونية دولية.
كما يرى خبراء الأمم المتحدة أن توسيع تطبيق القانون الإسرائيلي داخل الأراضي المحتلة في الضفة الغربية يشكل انتهاكاً إضافياً لمبدأ العدالة وسيادة القانون.
وعالمياً، يتجه النظام القانوني الدولي نحو تقليص استخدام عقوبة الإعدام تمهيداً لإلغائها. فبحسب بيانات الأمم المتحدة، ألغت أكثر من ثلثي دول العالم هذه العقوبة قانوناً أو عملياً، بينما يفرض العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية قيوداً صارمة على استخدامها حتى في الدول التي ما زالت تطبقها.
موقف مؤسسة العهد الدولية
ترى مؤسسة العهد الدولية أن مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين يمثل تصعيداً خطيراً في منظومة التشريعات الإسرائيلية المرتبطة بإدارة الاحتلال، ويشكّل انتهاكاً واضحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
وتؤكد المؤسسة أن فرض عقوبة الإعدام في الأراضي المحتلة يخضع لقيود صارمة بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، ولا سيما المادة 68 التي تشترط ضمانات قضائية استثنائية، بما في ذلك الحق في طلب العفو أو تخفيف العقوبة، وهو ما يتعارض مع نص المشروع الذي يلغي هذه الضمانات أو يقيّدها بشكل كبير.
كما تحذر مؤسسة العهد الدولية من أن تطبيق هذا القانون، إذا أُقرّ، قد يفتح الباب أمام مساءلة جنائية دولية محتملة، نظراً لما قد ينطوي عليه من إصدار أحكام بالإعدام في سياق احتلال عسكري ومن خلال إجراءات قضائية تثير تساؤلات جدية حول ضمانات المحاكمة العادلة.
وتدعو المؤسسة المجتمع الدولي، ولا سيما الهيئات الأممية والدول الأطراف في اتفاقيات جنيف، إلى اتخاذ موقف واضح لمنع إقرار هذا التشريع، لما يحمله من تداعيات خطيرة على حماية الأسرى الفلسطينيين وعلى منظومة القانون الدولي الإنساني برمتها.
يسعى الإعدام، بقدر ما يقتل الأفراد، إلى إعادة تعريف الصراع بلغة العقاب النهائي، حيث يتحول الانتماء القومي في سياق الاحتلال إلى عامل قد يحدد مصير الحياة أو الموت.
القانون المقترح، إن أُقرّ، لن يكون مجرد تعديل تشريعي، بل سابقة قانونية قد تفتح الباب أمام استخدام عقوبة الإعدام في سياق سياسي وصراعي طويل.
المسافة بين النص القانوني وحبل المشنقة لم تعد بعيدة. والسؤال الذي يطرحه هذا المشروع لا يتعلق فقط بمصير الأسرى الفلسطينيين، بل أيضاً بمدى قدرة النظام القانوني الدولي على حماية الحق في الحياة عندما يُهدَّد بالتشريع نفسه.




