صوت العروبة المنبعث من قلب حيفا
حسن عبادي| حيفا
.
أهداني الدكتور خالد تركي، لاهتمامي بأدب الحريّة وإصداري كتاب “احتمالات بيضاء“[1]، نسخة من ديوان “ريح الجهاد” لطيّب الذكر الكاتب الحيفاوي الراحل داود تركي[2] (أبو عايدة، كما كان يحلو له أن ينادوه) (120 صفحة، دون ذكر اسم الناشر).
يحوي الديوان (38) قصيدة؛ قصائد إنسانية وسياسية ووطنيّة واجتماعية وعاطفية، منها ما كتبه خلف القضبان خلال فترة الأسر، ومنها ما كتبه بعد تحرره النورسيّ، بالإضافة لمقدّمة/ كلمة وفاء كتبها رفيق دربه ورفيق الأسر جورج كرزم، وأخرى كتبها المربّي والمؤرّخ الحيفاوي إسكندر عمل.
جاء في كلمة كرزم: “إني أرى في شعر أبي عايدة وثيقة أدبية مرجعية هامة، تعبئ وتشحن الناس على التمرد والثورة ضد الظلم والاضطهاد والفساد والاستعمار، وتحلل لمحطات تاريخية وسياسية مفصلية في الأرض المحتلة عام 1948 وفي الوطن العربي عامة“.
وجاء في مقدّمة عمل: “واكبتُ كتابته الشعرية وهو خلف القضبان، وزاد إعجابي ببلاغته وثقافته واطلاعه بعد تحرّره. فقد ولجَ بحور الشعر وهو يحمل في ذاكرته آلاف الأبيات الشعرية للمتنبي وأبي فراس الحمداني وغيرهم من الشعراء، فكانت ثروته الشعرية رصيداً ثقافياً أغنى تجربته الشعريّة فصُقلت في أبهى صورة في هذا الديوان“.
شاع بعد النكبة مفهوم “الأدب الملتزم” وبرز شعراؤنا أمثال راشد حسين، حنا أبو حنا، توفيق زياد، محمود درويش، سميح القاسم، وشعرهم هيّج الجماهير العربية وعبّأها وكان الشعلة لإكمال المسيرة والبقاء، وساد الشعر الشعاراتي المباشر، عن وضع الأقليّة العربية في الداخل الفلسطيني ووضع العالم العربي بزعاماته وحكامه وتشرذمه، وعليه نرى أشعار تركي تبحث عن العروبة والهوية، حالمة بالأمل، فنجده ينادي بتوحيد المنطقة في وحدة سياسية واحدة لإيمانه بأن فلسطين والأردن ولبنان وسوريا بلد واحد.
جاءت قصائد الديوان عموديّة من الشعرَ الكلاسيكي التقليدي/ الموزون والمقفى، ولغته سهلة انسيابيّة ودون مجمّلات لفظيّة ولغوية.
ليس من باب الصدفة أنّ قصيدة “مطران العروبة” قد تصدّرت الديوان ونجدها لمسة وفاء للمطران هيلاريون كابوشي [3] وجاء فيها:
هذا الكبوشِيُّ استوته عِزّةٌ
ما بزّها بعُلُوِّها أطوادُ
مطران قُدسِ العُرب جلّ وفاؤُه
والبذلُ وانعدمت له أندادُ
تبِعوا المسيحَ وخالفوا أقوالَه
إلّا كبوشي الإبا المِعنادُ
وتلتها القصيدة التي يحمل الديوان عنوانها “ريحُ الجهاد” واستهلّها قائلاً:
ريحُ الجهاد أثارها القسّامُ
وتماوجَت لعيونك الأعلام
لفحت خيالَك والفؤاد بحرِّها
وحمِيّةٍ قد بثّها الهمّام
كان تركي صوت الشعب ونبضه، فأنشد وغنّى له لشحذ الهمم كما ورد في قصيدة “صوت الشعب” وكذلك الأمر في قصيدته “عتاب النفس“.
نجده صاحب رؤية ورؤيا؛ ووقف في وجه الكولونياليّة والاستعمار الغربي بسلاحه الذريّ المعادي للعروبة وحليفته، دولة الكيان، كما جاء في قصيدته “شرطيّ هذا الكون” حين خاطبهم جهاراً:
يابان تعرفكم، مدائنها
تروي جرائمكم وتذكر
كوريّتي هزمت جحافلكم
وكذلك الفتنام والمجر
والصين قد داست صلافتكم
مهما بها تتباين الصور
وربيبك المحتال أدّبه
أطفالنا الأبطال والحجرُ
نجد داود تركي نصير الضعفاء والمسحوقين والطبقة العاملة فينشد في قصيدته “رفرفْ لواءك” بمناسبة عيد العمال العالمي:
رفرف لواءك وانتصب أيّـار
أمماً بها يتوقّد الإصرار
عمّالك الأحرار عزمُ زنودِهم
لرؤوس ظُلاّم الورى بتّار
أيارُ ما زِلت المنار لثائر
بك يهتدي ويُقاومُ المغوارُ
وكُن المؤدي ظلمهم لنهايةٍ
أنت الوحيد وعزمك المقدارُ
وشهد الأمل في أطفال الحجارة فغنّى لهم في قصيدة “أطفال الانتفاضة” قائلاً:
أبطال فرٍّ في مواجهةٍ
وعلى الظليم تنمّروا كشَرا
إيهٍ بلادي طفلنا أسدٌ
سيزيلظلمالخونوالكدرا
ونِعاله تاجٌ لمنهزم
وبُصاقه عِطرٌ لمن صغُرا
أولئك الأطفالُ مفخرةٌ
لرجولةٍ تجتاح منحدِرا
نجد تركي عروبيّاً حتى النخاع؛ يعتز بعروبته ووطنه وفِكره القومي كما جاء في العديد من قصائد الديوان، ومنها “حيّ العروبة“:
فتوحّدي يا أمّتي عربيّة
وتآلفي أو حالفي الأقواما
صهيون ذئب ما تغيّر طبعُه
أنيابه تتعقّب الاغناما
تشكو فلسطين احتلال ترابها
ومطامعاً تستعبد الآناما
وكذلك في قصيدته “إيهٍ دمشق” التي عشقها منذ نعومة أظفاره:
سبعون عاماً عمرها في ثائر
وبها تمسّك سعيُه المتألـِّـقُ
تهدي خطاه روحها ومبادئ
لا ينثني عن دربها متحرِّقُ
إيه دمشق يقُضّني ومحبّتي
بُعدٌ يعذّب خاطري ويُمزِّقُ
وفي قصيدته “بغداد“، رمز العروبة يقول:
دومي على النَّهرين قـــاهرةً
كيد العِدى، دومي مدى الحِقب
دومي لشعبِ العُرب مفخرةً
ومنارةً للعلم والطّلــــــب
بغداد دومي ضـــاد أمّتنا
وامضي إلى العلياءِ فالشُّهـــب
بغدادُ أنت المجد نُشهره
عزماً على العُدوان واللّجب
وفي قصيدته العروبيّة “فيروز دومي” يناجي بيروت والشام ودمشق وجبال الشيخ وعمّان والأردن وبغداد ومصر العروبة والمغرب وقدس العرب وحيفا ولا ينسى مسقط رأسه… قرية المغار، وكذلك الأمر في قصيدته “أنا يعْرُبيّ النّفسِ” وغيرها من قصائد الديوان.
للشهيد منزلة خاصّة لدى الشاعر، فكان له نصيب في الكثير من قصائد الديوان ومنها قصيدة “كرِّم شهيدك” فيقول:
كرّم شهيدك وامض ملتزماً
بمبادئ لم ترْقَها الخُطب
واحزم أمورك واسع منتضِياً
عزماً يشدّ ونسمة تثِبُ
فشهيدنا تخليده عملٌ
في ساحة الإقدام ينتصبُ
وكذلك قصيدته “شيخ الشيوخ” لروح الشهيد أحمد ياسين:
شيخ الشيوخ شهيدنا وجهاده
دربٌ يئجُّ به الشباب ويزأرُ
طبع البلاد بصدقِه وأمانةٍ
قد شعّها إسلامه وتحضّرُ
ياسين أحمدنا وغُرّة موطنٍ
أعدى العُداةِ لصِدقِه يتقهقرُ
كان تركي أممياً يكنّ الاحترام لأحرار العالم فحيّى نلسون مانديلا في قصيدته “حُيّيتَ مانديلا” مندّداً بالاستعمار ومقتدياً به وبدربه النضاليّ وصموده الأسطوري في وجه سجّانه قائلاً:
حُيّيت مندلّا بعالمنا
شهماً تنكبّ جهده الدأبا
سبعٌ وعشرون تقلّــدها
قيْدٌ يعنِّي الحرّ والصَّلِـبا
وجنوب أفرِقيا على ظلمٍ
للظُّلمِ هبَّ وواجهَ اللهبا
والشعبُ جبَّارٌ تقدَّمـَهُ
بطلٌ على الظُّلامِ قد وثبا
فأنا مثيلك في النضال أفي
حقّي وأتركُ ظالمي لَهبا
أنت المثال لثائر كبُرَت
آماله وترَفَّعتْ غَلبــا
كما وحيّى المناضل الأممي جيفارا في قصيدته “حيّ النضال” قائلاً:
حيّ النضال ومجّد الأبرارا
وفريد ثوّار الدّنى جيفارا
حيّ النضال ألا ومجّد واهباً
نفساً أفاض عطاءها جيفارا
للأسر والأسير مكانة في قلبه ووجدانه فينشد في قصيدته “حيّ الأسير” ليشحذ الهمم، قائلاً:
حيّ الأسير مآثراً وكفاحا
وانشر نداه على الوجود جناحا
وانثر على فخر العروبة والورى
فخراًتنكَّبللكفاحسلاحا
لا عِزّ في بذخ ينام على الأذى
تحت النعال مجيئة ورواحا
منّا الشهيد هفت إلى تكريمه
شُمُّ النفوس ووهَّجت إصباحا
للنصر نمضي في ظلال شهادةٍ
نسجت لنا فجر الخلاص وشاحا
لتركي موقف واضح من تصريح بلفور المشؤوم:
“بلفور” جُرمٌ ليس يغفره
أحفادنا مهما تفُت حِقبُ
مستعمر ردُؤَت مآربه
وربيبه يكوي وينتحبُ
آثاره في الشرق مائلةٌ
تشكو أذاها الأرضُ والهُضُبُ
وكذلك الأمر من سلام الشجعان كما جاء في قصيدته “أنا الشعب“:
ومن يبغِ في الدنيا سقوط انتفاضتي
ينَله وفائي والعقابُ المقطّع
“سلامٌ وشجعانٌ” مقولة ساقطٍ
بها القبح والخَون الحقير مبرقَعُ
ألا قل “لتجّار السلام” وزُمرةٍ
فِدى الحكم خُنتم أمّةً تتلوّعُ
أنا الضدُّ لاستسلامكم وبيارقي
تفي الناصريين الجمال وترفَع
ستبقى مدى الأزمان تخفق عزّةُ
وعزماً بأغراس الشجاعة يُزرعُ
وأعلن موقفه تجاه الوهم الأوسلوي منذ البدايات بقوله:
“أسلو” طريقنذالةٍتعبيده
رأس تدنّى غايةً ومقاما
فالدهر يرفض للتفرّق طاعة
ويحطّ جبناً صاغراً نمّاما
ويطيع سعياً للتحرّر مخلصاً
ولوحدٍةٍقوميّةٍتمّاما
ينشد الشاعر للوطن عبر قصائد الديوان، وفي قصيدته “هيّا إلى يافا” يذكر الناصرة وربى الجليل والمثلث والنقب وعكا ولكن تبقى حيفاه سِدرة المبتدأ والخبر؛ فيناجيها بحاراتها ومعالمها في قصيدته “سنعود يا حيفا” قائلاً:
سنعود يا حيفا وتحتفل
بجموعنا الوديان والجبل
وبذلك الوادي ينادينا
نَسناسه والشعر والزجل
وادي الصليب لأهله وجِدٌ
والبرج توّاق ومحتمل
والساحة الخمرى يحرِّقها
شوقٌ إلينا ظلّ يعتمل
وادي الجِمال بيوته حزنت
مُذ نالها السفهاء والهمل
يا كرمل الأحرار أسألكم
عن أهلنا وأشاوسٍ بسلوا
هذي الكبابير التي شهدت
قتلاً لدى “السيّاح” يستهل
وفي قصيدة أخرى بعنوان: “لحيفا عزّتي“:
لحيفا عزّتي بقيت مناراً
وشعلة ثائرٍ يردُ الشّهابا
أنا باقٍ لحيفا لست أخشى
بحبِّ حبيبتي النار اقترابا
ملاحظاتلابدّمنها؛
تناول عمل في مقدّمته للديوان قصيدة “أديب أخي“، التي خصّ بها الشاعر صديقه في العمل الثوري ورفيقه في سجنه أودي أديب [4] والتي يستهلها بهذه الأبيات:
أديب أخي يُشاغِلني الوجود
ومنطقه المعقد والحقود
سلامي لليهود بكــل أرضٍ
إذا قبلوا السّلام يفي المزيد
إذاودّوامعيعيشالتساوي
سيشملهم به الفجر الجديد
ويغمرهم وداداً مستــزيداً
دمقراطية وندى يسـود
ولاجئنا يعود الى حمـــاها
ويحضنه بموطنه السّـعود
بحثت عنها في الديوان ولم أجدها؛ وتساءلت بيني وبيني هل تم حذفها بعد كتابة المقدّمة؟ هل حذفها الشاعر أم من أشرف على نشر الديوان؟ أم عامل المطبعة؟ هل تغيّرت مواقف تركي السياسيّة أو الدينيّة ممّا أدّى لحذفها؟ وأخذتني إلى كتاب “جدل الشعر والسياسة والذائقة… دراسة في ظاهرة الحذف والتغيير في أشعار محمود درويش“ لصديقي الدكتور عادل الأسطة.
فوجئت بأنّ الكتاب لا يحمل اسم الناشر و/ أو المطبعة؟ وراودني الشك بأنّه كان من المحظورات في حينه لمحتوى الكتاب و/ أو لهويّة صاحبه.
الهوامش:
[1] صدر عام 2025 عن دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله وعمان.
[2] ولد عام 1927 لأسرة مسيحية فلسطينية في قرية المغار الجليلية، وتوفي يوم 08 آذار 2009، كان من قادة حركة متسبين العربية– اليهودية المعادية للصهيونية، وأمضى في السجن 12 عاماً، وتحرّر من الأسر في صفقة تبادل النورس عام 1985، وهي صفقة تبادل الأسرى التي أجراها أحمد جبريل (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين– القيادة العامة) أطلق عليها اسم “عملية النورس“.
[3] رجل دين مسيحي، شغل منصب مطران لكنيسة الروم الكاثوليك في القدس. عُرف بمواقفه الوطنية المعارضة للاحتلال ودعم المقاومة. اعتقلته سلطات الاحتلال في آب 1974 أثناء محاولته تهريب أسلحة للمقاومة، وحكمت عليه محكمة عسكرية بالسجن 12 عاماً. أفرج عنه بعد 4 سنوات وأبعد عن فلسطين.
[4] ولد عام 1946 لأسرة يهودية في كيبوتس غان شموئيل الذي أقيم على أنقاض خربة السركس المهجرة وانضم لحركة متسبين وأمضى في السجن 12-عاماً وتحرّر من الأسر في صفقة تبادل النورس.




