“هل غادرَ الشّعراءُ مِنْ مُتردَّمِ“
(إلى الأستاذ الكبير بتواضعه ومعرفته وعلمه وأدبه ونقده وبحثه وتربيته وتعليمه وثقافته وصفاته الطّيّبة وكرم أخلاقه وقيمه السّامية، الإنسان المعطاء، بروفيسور إبراهيم طه)
دمعة حرّى اندفعت من مآقيه في أعلى جبل الكرمل، “والكرملُ فينا“، فسالت على وجنتي الجليل الأعلى والأسفل، الغربيّ والشّرقيّ، وكفكف ماءها المالح مثلّثنا بشماله وجنوبه، وما لبثت أن جفّت على خدّ النّقب في لهيب تمّوز مخلّفة طريق الملح المؤدّي إلى ثغر الوطن؛ دمعة من مآقي القلب ذرفتْها قلوب المآقي، وكأنّها لحظة اتّحاد الفرد في الجموع، وانصهار الإنسان في الوطن.
قبل أيّام نشر الأستاذ إبراهيم صورته بين طلّاب الشّهادة الجامعيّة الثّانية والثّالثة، أثناء تقديم محاضرته الأخيرة كأستاذ للأدب الحديث عامّة، وللأدب الفلسطينيّ خاصّة، في مساقات قسم اللّغة العربيّة، في جامعة حيفا، بعد مسيرة تعليميّة تمتدّ لثلاثة وأربعين عامًا، منها سبعة وثلاثون في جامعة حيفا؛ وكان التّأثّر يرشح من كلماته كما يرشح الماء من إبريق الفخّار على حافّة نافذة من بيوتنا القديمة المُطلّةِ على الطّريق وهو مكلّل بالحبق ويدعو المارّة إلى “بلّة الرّيق“، في صيف يغذّ الخُطى نحو الصّبر والتّين والعنب.
شيء غريب عجيب حصل وقتها، لا يحصل إلّا مع إبراهيم طه بالذّات، إذ اتّسعت، فجأة، قاعة المحاضرة لجميعنا، وقف أمامنا بهدوئه وتواضعه ورزانته وإنسانيّته المعهودين، وعبّر عن مشاعره في لحظة تتحقّق مرّة في نهر العمر الجاري، ولا تتكرّر، وكادت الدّمعة أن تفرّ من عينيه، أو ربّما أحسن إخفاءها عن عينيه وعن عيوننا، واكتفى بجريانها في قلبه. لقد اعتقد الأستاذ إبراهيم أنّه ينفرد بطلّابه في هذه اللّحظة، فإذا هي تجمعنا، من طلّاب، وأصدقاء، ومحبّين، ومعجبين، وممتنّين، ومقدّرين، ومتابعين، وقارئين؛ قاعة واحدة تجمعنا حوله، نرنو إليه بالشّكر والامتنان والتّقدير والفخر والمباهاة والمحبّة والإكبار والإجلال؛ قاعة تفتح أبوابها وتبسط جدرانها تحت أقدام ودّنا وحبّنا ليقف كلّ الأحبّة حولك يحيّونك يا أستاذ إبراهيم!
قبل أيّام، نشرت في إحدى كبسولاتك عن طفولتك الفلّاحيّة، وعن عملك في اللّيل في مطابخ المطاعم لتموّل تعليمك، وكيف حصلت على معدّل لم يؤهّلك لمواصلة تعليمك، وكيف تغلّبتَ على كلّ تلك المصاعب، وبلغتَ ما كان يبدو مستحيلًا آنذاك؛ وقد خلتُك يا أستاذي العزيز، تتمثّل بالفاروق، وتعيد تلك الواقعة بثياب عصريّة تلائم حياتنا اليوم؛ والقصّة معروفة، ولكنّني أذكّر بها، من أجل إبراز وجه الشّبه بين الحالتين: “فنادى عمر الصّلاة جماعة….. فلما اجتمع النّاس وكبّروا صعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلّى على نبيّه… ثم قال: “أيّها النّاس….. لقد رأيتموني أرعى على خالات لي من بنى مخزوم، فيقبضن لي قبضة من تمر أو زبيب فأظلّ يومي وأيّ يوم” … ثمّ نزل، فقال له عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين، ما زدت إلّا أن قمأت نفسك، (أي عبتها)، فقال ويحك يا ابن عوف! إنّي خلوت فحدّثتني نفسي فقالت: أنت أمير المؤمنين فمن ذا أفضل منك؟ فأردت أن أُعرّفها نفسها“.
وكأنّك يا أستاذنا، أردت أن تعلّمنا درسًا في التّواضع، متمثّلًا بعمر بن الخطّاب عندما أراد أن يؤدّب نفسه أمام النّاس، وكأنّك تريد أن تطهّر نفسك من الغرور والكبرياء والخُيَلاء، وكأنّك تصون نفسك علانية من شوائب الشّهرة ومحبّة النّاس وعلوّ الشّأن، وكأنّك تُبدع نموذجًا نستلهم منه أصالة الإنسان ومروءته وحِلْمه وضبطه لنفسه يروّضها أمامنا ويضعها في نصابها بكلّ تواضع وبساطة وصدق وطيبة واحترام؛ فلم يزدك ما فعلتَ إلّا رفعة ومهابة وجلالًا وثبّت أستاذيّتك علينا وفينا ولنا وعندنا.
أستاذي الجليل، لقد تابعتُ بشغف ما كتبه محبّوك ومقدّروك بحقّك، وأنت تنهي عملك كمحاضر في قسم اللّغة العربيّة، ورئيس للقسم، في جامعة حيفا، وكلّ ما قيل صحيح وأنت تستحقّه، وهو ليس كلّ ما سيقال، فأنت تستحقّ أكثر منه؛ ولا بُدّ أن تبادر مؤسّسات وجمعيّات وأطر ثقافيّة عديدة لعقد لقاءات معك، لكي توفّر الفرصة لعارفي فضلك، ليقولوا لك شكرًا.
في غمرة الثّناء على مسيرتك المباركة: التّعليميّة، التّربويّة، البحثيّة، النّقديّة، الإبداعيّة، التّنويريّة والتّثقيفيّة يحضرني الشّاعر والفارس والعاشق، عنترة بن شدّاد، إذ استهلّ معلّقته:
هل غادرَ الشّعراءُ مِنْ مُتَرَدَّمِ أمْ هلْ عرفتَ الدّارَ بعدَ توهّمِ
وكان يتساءل ماذا يضيف إلى كلّ ما قاله الشّعراء من قبله، لكنّه قرّر أن ينظم معلّقته، لأنّ لديه ما يقوله، ولدي تقدير كبير للأستاذ إبراهيم الّذي جمع بين نشاطه البحثيّ الأكاديميّ، وأستاذيّته الجامعيّة، وبين نشاطه الثّقافيّ العامّ، بقدر ما تسمح ظروفه طبعًا، وهذا الجانب قلّما يتوفّر في الباحث الجادّ والأستاذ الرّصين والإنسان المنخرط بحياة مجتمعه يقوم بواجبه الثّقافيّ والأدبيّ والنّقديّ والاجتماعيّ والوطنيّ تجاهه؛ قلّما نجد محاضرًا مرموقًا له سمعته الأكاديميّة العالميّة يظلّ متمسّكًا بمواقفه الوطنيّة المعلنة، دون خشية على “لقمة العيش“؛ هذه النّوعيّة نادرة الوجود، ونحن محظوظون أنّها تتجسّد في إبراهيم طه؛ أفلا يستحقّ التّكريم من كانت هذه شيمه؟!
وكأنّ عنترة يرافق سيرة أستاذنا، فيعيد على أسماعنا صفات الإنسان الحرّ العزيز الكريم من خلاله:
لا تسقِني ماءَ الحياةِ بذلّةٍ بَلْفاسقنيبالعزِّكأسَالحنظلِ
ماءُ الحياةِ بذلّةٍ كجهنّمٍ وجهنّمٌ بالعزِّ أطيبُ منزلِ
أقول كلمة الحقِّ هذه وأنا أستعيد تقدير والدي المرحوم الأستاذ والشّاعر، أحمد نايف الحاجّ لمواقف الأستاذ إبراهيم طه الوطنيّة الّتي كان يجاهر بها وينشرها، ولو كان والدي على قيد الحياة، لأعلن إعجابه وإكباره لآراء الأستاذ إبراهيم على الملأ، وبما أنّ ذكراه العطرة خالدة فينا، فلنشعر بأنفاسها الدّافئة وهي تنطق بالحقيقة.
نرجو للأستاذ الحبيب إبراهيم موفور الصّحّة، ورَغْد العيش، ومديد العمر، ومواصلة العطاء النّافع للنّاس، فأنت يا أستاذ، أينما داست قدماك تخضرّ الأرض!
طالبك المعتزّ بك
إيادأحمدالحاجّ
8/7/2026



