• 657124814
  • 41651

سراب العودة في حنين الأطفال في كتاب سنعود بعد قليل، تأملات من وحي الذكريات… بقلم: مصطفى عبد الفتاح

سراب العودة في حنين الأطفال
في كتاب سنعود بعد قليل
تأملات من وحي الذكريات
بقلم مصطفى عبد الفتاح
كوكب: 28.7.2026
في مقدّمة كتابه يبحث علي عن وعد لم يتحقّق، انتظرَ طويلًا، وبحث كثيرًا في ثنايا الذّاكرة لكن الوعد بالعودة تبخّر كالحلم، يعاتب الطّفولة التي صدَّقت أنَّ العودة قريبة، ولكنّها خيَّبت آماله، يعاتب الكبار على انَّ وعدهم الّذي صدَّقوه فأكملوا يومهم بابتسامة، قد تبخَّر وطار بغير رجعة، ” طال انتظارنا ولم تعد تلك الأيام.. طال انتظارنا ولم ترجع تلك اللحظات، ألم تعدونا أنَّكم ستعودون مع رائحة الماضي الجميل؟ ألم تعدونا أنَّكم ستعودون مع رائحة الطّفولة البريئة؟ طال انتظارنا…. ” ص 2 يقولها علي بألم وحسرة على ماض تولّى. بل ويمعن في نهاية كلامه بالعتاب على من تركوه ومن وعدوه بالعودة ولم يعودوا، يقول ” أين أنتم الآن؟ أين ذلك الفاصل الّذي يَعد ولا يخون؟ أين العودة التي وعدنا بها؟ أين نحن الآن؟ ” ص 2 أسئلة البحث والتَّوهان والضّياع في عودة لم تتم أو عودة ترن في الذَّاكرة لن تعود. فعن أي عودة يتحدث علي في نصوصه الجميلة؟ عن عودة شعب؟، أم عن عودة طفولة مضت بلا عودة، أم عن عودة برنامج تلفزيوني بهر طفولتهم وملأ فراغ أوقاتهم كان ولم يعد؟
يمضي علي في الحديث عن طفولته وطفولة أجياله، عن حلم طفولة داعبتها برامج تلفزيونيّة وألعاب طفوليّة أخذوا منها زاد يومهم وانتظروا فرح طفولة تسربت من بين أصابعهم فانتظروا عودتها ولم تعد. ويترك حيرته إلى نهاية الكتاب ليتساءل: ” لماذا نحن مهووسون بالنوستالجيا والذّكريات؟ أهي مقارنة بين الماضي والحاضر؟ أم أنَّها أطياف تأبى الانفلات من دهاليز عقولنا؟ أم أنَّنا بكلّ بساطة كنّا لا نرى إلا ماهو جميل في هذه الحياة؟” ص 60، لا يعرف عليّ أنّ الطفولة ليست مجرّد نوستالجيا أو حنين إلى الماضي، إنَّها جزء من صيرورتنا الإنسانية والاجتماعية، كلُّ جيل له ألعابه وله مساحته على الأرض، له أحلامه وأفكاره وطموحاته الّتي بنت شخصيته وصهرته الأرض الّتي نما عليها في ذاتها ليخرج إلينا رجلًا كما نعرفه، إسأل والدك يا صديقي وسيحدّثك ساعات، عن لعبة البنانير، والطّميمة، والحيزة، والضّامة، ولعبة الدوش والكعاكير، سيشرح لك عن قوانين البحث عن الاعشاش بين الأشجار، وصيد الحجل بالخطاطير، سيحدثك عن الافخاخ وصيد العصافير، عن رعي المواشي في الوعر ولعبة السحسيلة وتمزيق الملابس، عن السباحة في العين الفوقا، وعن العمل مع الأهل في زراعة التبغ “التتن” ، عن أكل الأعشاب البرية حتى لا نجوع الخس البري، والسنارية، وشيّْ الفطاريش وغيرها وغيرها ، سيحدثك ساعات عن مغامراته التي ما زالت تعشش في خلايا الذَّاكرة، احتضنا الأرض والوطن وعشنا في ظلالها، نُحبها كما يحب الطّفل حضن أمه، لم نبحث عن مسلسل أجنبي، ولا عربي، كنا أبطال الملعب، كنا أسرة واحدة بصداقاتنا بعلاقاتنا، بخلافاتنا بجوعنا وعطشنا، تربينا أنَّنا أبناء وطن وأبناء بلد وسنبقى، هذه غرست فينا قيمنا ومبادئنا وأفكارنا، حبَّنا وانتمائنا تمامًا كما فعلت بكم، شاشات التَّلفزة، وتفعل اليوم أيفونات المستقبل وما تمثله.
وعودة إلى الكتاب، ففي قصّته الأولى وربما في نصه الأول ولن أدخل في تفاصيل نوع الأدب الذي يكتب إن كان نصًا أدبيًا أو قصّة وإن كانت مكتملة العناصر أم لا، والأغلب أنَّها ذكريات طفولة، يحكيها بصيغة الجمع، هذه الطفولة رسَّخت في ذهن جيله قيم ومبادئ وأفكار وربَّما مغامرات عاشوها بعيدًا عن واقعهم، فبقيت حلما يداعب الخيال ويبحث عن الواقع، والموضوع بحاجة إلى نقاش مُعمَّق.
ما يهمّني ما يبحث عنه علي من قيم إنسانية تركتها طفولتهم وفي داخلهم حنين لعودتها، يقول: كان صوت قرع الطبول كسريان تيار من الكهرباء في أجسادنا الصّغيرة تعلن بداية مغامرة في فضاء الكون غير المتناهي” ص 4″ وببراءة الأطفال، ووقوعهم بين تغذية الخيال المجنّح والأسئلة البسيطة الّتي يطرحها العقل السليم يسأل علي ومعه كلّ الأطفال فهو يستعمل صيغة النَّحن وليس صيغة المتكلم، وكأنه يقول هذه الأسئلة كان يجب أن يجيب عليها من صنع هذه القصص فيقول: هزيم وأصدقاؤه يحاربون شتى أنواع الأعداء، نتساءل لكن لماذا ؟ هل هي السلطة؟ اهو النّفوذ؟ ألا تتسع لهم الكواكب والمجرّات؟ أم كان من أجل العدالة؟ وهل يمكن للحروب أن تكون وسيلة لتحقيق السّلام؟ كم من الأبرياء سقطوا ضحية لهذه الحروب؟ وهل يستحق أيّ هدف هذا الثّمن؟ وهل الإنسان يثمَّن؟ أسئلة تصدح برؤوسنا يحجبها عنّا صوت مدفع الرَّعد الخاص بسفينة الصّاعقة وسفينة البركان ذات المدافع الثلاثة. ” ، هي أسئلة يطرحها الكبار يا صديقي، ولكنها تلامس قلوب الصغار، لانها أسئلة الحياة، وأسئلة الانسان وطبيعته في صراعه بين الخير والشر، وتبقى العودة، العودة إلى البراءة، العودة إلى الوطن، إلى الطّفوله، إلى السلام هي أمل الأبناء، وطلبهم المحق من الإباء. ” ويجيب علي على تساؤلات طفولته بألم، : كبرنا لنعلم أنَّ المعارك لا تترك خلفها سوى الرّماد والدّمار وذاكرة مليئة بالفقدان والألم والأوجاع” ص5 . وفي فلسفته عن الحياة يقول علي خلاصته” لم أر طائلًا من المعارك والحروب إلا تلك التي نخوضها بداخلنا، تلك التي نحارب بها أهواءنا لننتصر عليها ونزرع السّلام والحب في قلوبنا قبل أن نبحث عنه بين النّجوم والمجرّات.” ص: 6
في رحلته مع القناص الّذي خرج يبحث عن والده، يكتشف علي أنَّ بساطة الهدف سر عظمته، استعادة شيء عزيز مفقود يعتبره كما يقول” لكنّه في عمقه صرخة إنسانية تمس أرواحنا جميعًا: البحث عن المعنى، عن الحب ، عن الإنتماء، ربما كان والدك يا جون رمزًا لكل ما نفتقده في حياتنا، ربما كنَّا نبحث معك عن والد تركنا، عن حلم ضائع، أو عن لحظة صدق مع أنفسنا. ” ص 8.
ويعود علي من ذكريات الطّفولة وقصصه ليقول لنا استنتاجه” تبًا لعالم يسمح بقتل قبيلته، من ظلم وقسوة يحدث بسهولة شرب الماء في عالم من حولنا، حروب مشتعلة، شعوب تباد أطفال مشرّدة، وعائلات تحت الرّكام، دمار في كل مكان على هذه المعمورة يا للسّخرية” ص 11. ألا يحدّثنا هنا عن الواقع الذي نعيشه ونحياه بكل دقائقه.
يعود علي إلى ذكريات الطّفولة الّتي توجهه في كل مراحل ذكرياته معها في هذا الكتاب ليؤكّد في حديثه وبصيغة الجمع مرّة أخرى، يتحدث نيابة عن جميع الأطفال في جيله، من بوكيمون يستلهم الفكرة الأساسية ليقول: : فيعلّمنا انَّ المعارك التي لا تستسلم فيها حتمًا ستطوّرك وتقوّيك.” ص 20 ، الا يذكّرنا هذا الطرح الطفولي بقصة همنغوي في الشيخ والبحر، لم يكن هدف الشيخ صيد السمكة الكبيرة والاستفادة منها بقدر ما كان هدفة الانتصار لذاته، أن يثبت لنفسه أولًا أنَّه ما زال يستطيع أن يقاوم وعنده القدره على إثبات ذاته حتى في أعماق البحر، تَرْكُ السّمكة الكبيرة للبحر تعني الهزيمة المطلقة للإنسان أمام الطّبيعة، تعني الخنوع الكلي والعجز، وصيدها وإعادتها إلى الشَّاطئ حتى لو كانت هيكل عظمي لا تعني الانتصار الكلي، ولكنها تعني قدرة الانسان على الصّمود والبقاء في كلّ الظروف، ومحاولة الانتصار على الطبيعة، هكذا هم الأطفال يتضامنون مع البطل ليثبتوا هم لأنفسهم أنَّهم قادرون.
في قصة دراغون بول يتعلَّم الكاتب الطّفل: ” أنَّه رغم الظّلام فالضوء حتما ينتظر خلف الأفق، لكن لن تدور الأرض ولن يأتي النّور ما دمت واقفًا مكانك، بل يجب عليك المضيّ قدمًا وأن تلاحق الأمل أين ما كان” ص 23. وكأنَّه يريد أن يقول لنا، أنَّ هذه المضامين هذه الأفكار الجميلة قد كسبناها من هذه البرامج الَّتي كنّا نتجمَّد أمام الشّاشة لساعات لمتابعة أحداثها وما زلنا بشوق إلى اليوم لمتابعة هذه البرامج.
وينتبه علي فجأة إلى أنَّ البرامج الّتي يحدثنا عنها هي برامج أجنبية مترجمة ومدبلجة، وعندما يصل الحديث عن برنامج “عدنان ولينا” ينتبه إلى أنَّ الأسماء عربية واللغة عربية وهذا يعطي للطّفل بعدًا آخر أقرب إلى القلب وأقرب إلى العادات والتّقاليد والفكر فيقول: “ثم إن اسمه ليس غوكو ليس آش، ليس لوفي، إنَّ اسمه عدنان، أي واحد منَّا كان يمكن أن يكون اسمه عدنان. لقد مثّل لنا عدنان معنى القلب الشجاع، والحياة الحرة” ص: 31. اظن في هذا السّياق أنَّنا بحاجة إلى وقفة تأمّل ومراجعة ذاتية ، لا أرى غضاضة في متابعة برامج الأطفال الأجنبية والعربية، ولكن هناك ضرورة قصوى أن نفهم أنَّ لنا حضارة وتاريخ وقيم عربية وإسلامية ضاربة الجذور في حياتنا، إن لم نتعامل معها نحن فستبقى قيد النسيان، من الاجدى والاسمي والأفضل لنا كشعب يريد أن يحافظ على هُويَّته وحضارته وثقافته أن تكون برامجه أيضًا عربية أصيلة ضاربة جذورها في حضارتنا وتعاليمنا، وتتكأ عليها، نحن لسنا أفضل البشر، ولكنهم ليسوا أفضل منّا في شيء، نحن نستطيع ان نقود سفينة ثقافتنا وحضارتنا الأصيلة بكل جدارة.
في حديثه عن كونان ذلك المحقق الصّغير، يكتشف علي عمق الأزمة الاجتماعية الّتي يعاني منها مجتمعنا فيقول: ” لم نلبث أن فهمنا أنَّها انعكاس للقسوة والتّفكك المتفشيين في البيوت والعائلات، تتفكك الأسر تتمزَّق، فلا الأخ يعين أخاه، ولا الابن يعترف بأبيه. ” ص 34 ويتابع في نفس الصفحة: بتنا نعيش في عالم تشوَّهت فيه الحدود بين البراءة والخطيئة، حيث يلبس الجاني قناع النَّقاء بينما يختبئ بصدره قلب قاتم. ” ص 34 فيذهب علي ليعاتب كونان على وعده دون أن يدري انَّ الواقع أبعد مما يتصوره كونان وأبعد مما يرمي إليه ناروتو من تعاليم. ويرى فيه علي ” الصبي الذي زرع فينا الأمل في تحقيق المستحيل مهما كانت الظروف، والآن انت الرّجل الذي جعل الحلم حقيقه ” ص 47. القضيّة أعمق من ذلك يا صديقي لأنَّ العدو في جميع الأحوال يلبس ثوب الحمل ويعيش في حضن المجتمع.
مبارك لعلي أبو الهيجاء اصدار كتابه الثاني، مبارك لكوكب هذا الزرع الطيب فهي على الطريق
ألقيَت في أمسية إشهار كتاب
علي خالد أبو الهيجاء
سنعود بعد قليل
28.7.2026

 

 

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007. يرجى ارسال ملاحظات لـ akkanet.net@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد الأخبار
Arabesk 2026