**بين وفرة الإنتاج وسؤال المؤسّسة
بنيامين حيدر – عبلّين
** المداخلة التي قدّمها الشاعر حيدر في ندوة “بين طيّات الكتب” حول كتاب الكاتب سعيد نفّاع: “الأطر التنظيميّة في الـ 45- وفرة في الإنتاج وسوء في الحرث! *
مساء الخير،
حين نقرأ كتابًا يوثّق تاريخ الأطر الأدبية، فإننا لا نقرأ الماضي فقط، بل نقرأ أنفسنا أيضًا. نقرأ أحلام الذين سبقونا، وخيباتهم، ومحاولاتهم المتكررة لبناء بيتٍ للكلمة الفلسطينية في هذه البلاد.
يأتي كتاب «الأطر التنظيمية الأدبية في الـ 48: وفرة في الإنتاج وسوء في الحرث» للكاتب والباحث سعيد نفاع ليضع أمامنا مرآةً واسعة للحركة الثقافية الفلسطينية في الداخل، موثقًا محطات التأسيس والانقسام والوحدة والتجديد، عبر عقود طويلة من العمل الثقافي والتنظيمي.
وأنا أقرأ الكتاب، لم يشغلني فقط ما ورد فيه من أحداث وأسماء وتواريخ، بل السؤال الأعمق:
لماذا نجحنا أفرادًا في الكتابة، وتعثرنا أحيانًا في بناء المؤسسة الثقافية القادرة على احتضان هذا الإبداع؟
لدينا شعراء وروائيون ونقاد وباحثون تركوا أثرًا كبيرًا، ولدينا إنتاج أدبي وفير، لكن السؤال الذي يطرحه عنوان الكتاب يبقى حاضرًا:
هل كانت وفرة الإنتاج تقابلها دائمًا وفرة في العمل المؤسّسي؟
في أحد محاور الكتاب يبرز الجهد التوثيقي للحفاظ على ذاكرة المؤسّسات والاتّحادات الأدبية من الضياع، وهو جهد بالغ الأهمية لأن الأمم التي تفقد ذاكرتها تعجز عن بناء مستقبلها.
وقد خطر ببالي قول محمود درويش:
“نحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلًا.”
وأقول: نحن أيضًا نحب الثقافة إذا ما استطعنا إليها مؤسسةً تحميها وتدعمها وتمنحها الاستمرارية.
فالكاتب يرحل، والقصيدة تبقى، أما المؤسسة فهي الجسر الذي يعبر عليه الإبداع من جيل إلى جيل.
لقد علّمنا تاريخ الثقافة الفلسطينية أن الكلمة كانت دائمًا فعل مقاومة وحفظ للهوية، لكن الكلمة تحتاج كذلك إلى إطار يحتضنها، وإلى مشروع ثقافي يتجاوز الأفراد مهما كانت مكانتهم.
وأستحضر هنا مقولة للمفكر إدوارد سعيد:
“الثقافة هي ميدان الصراع على الذاكرة والمعنى.”
ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب؛ فهو لا يوثق تاريخ مؤسسات فقط، بل يوثق جانبًا من الصراع على الذاكرة الثقافية الفلسطينية ذاتها.
وهذا يقودنا الى الاسئلة التي يجب ان نجيب عليها بكل مسؤولية وامانه:
1. هل تكمن أزمة الحركة الأدبية في الداخل في نقص الأطر التنظيمية أم في ضعف المشاركة فيها؟
2. لماذا تتكرر ظاهرة الانقسام في معظم الأطر الثقافية التي نشأت عبر العقود؟
3. هل ما زال الاتّحاد الأدبي ضرورة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أم أن دوره تغير فقط؟
4. كيف نجذب الجيل الشاب من الكتّاب إلى العمل الثقافي المنظم؟
5. هل استطاعت مؤسّساتنا الأدبية أن تصنع مشروعًا ثقافيًا جماعيًا، أم أنها بقيت رهينة المبادرات الفردية؟
6. ما المعايير التي يجب أن تحكم عمل أيّ اتّحاد للكتّاب: الانتماء الفكري أم الكفاءة الثقافية أم القدرة على العطاء؟
7. كيف نحول الاختلاف بين المثقفين من سبب للانقسام إلى مصدر للإثراء الثقافي؟
8. ما الدروس التي ينبغي أن نتعلمها من التجارب السابقة حتى لا نكرر الأخطاء ذاتها؟
بعد قراءة هذا الكتاب لا نخرج بإجابات نهائية، بل بأسئلة أكثر عمقًا. وربما تكون قيمة الكتاب الحقيقية أنه يدفعنا إلى إعادة التفكير في واقعنا الثقافي، لا بوصفه ماضيًا منجزًا، بل مشروعًا مفتوحًا يحتاج إلى مراجعة دائمة.
تحية للكاتب سعيد نفاع على هذا الجهد التوثيقي المهم، وتحية لكل من آمن بأن الثقافة ليست مناسبة عابرة، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية وإنسانية.
وشكرًا لكم.
*برنامج الاتّحاد: بين طيّات الكتب
أبو سنان 24 آب 2026




