• Dabah Baner
  • 657124814

قراءة في كتاب الحيفاوي حسن عبادي “أعطني فنًّا… لنجعل الحياة ممكنة”

غلاف أعطني فنا على شرفة الحرية

قراءة في كتاب الحيفاوي حسن عبادي

“أعطني فنًّا… لنجعل الحياة ممكنة“

صالح حمدوني/الأردن

.

يسجل حسن عبادي، المحامي والناشط الحيفاوي، شهاداته عبر تدوينات ومقالات عن مسرحيات ولقاءات ومعارض وكتب عاينها أو قرأها، في كتابه “أعطني فنا، لنجعل الحياة ممكنة” الصادر عن داري جسور ثقافية (عمّان) والرعاة للنشر والتوزيع (رام الله) 2026، والذي ينتظم كلّه على مبدأ واحد صاغه المؤلف في تصديره: “أعطني مسرحا أعطك شعبا؛ وأنا أقول: أعطني فنا أعطك شعبا“. وحول هذه المقولة تنبني أفكار حسن عبادي، فيعتبر أن الفن بنية تحتية رمزية للبقاء لا ترفا، كما أن الذاكرة واحدة من أدوات مواجهة المحو، أو ما يُسمّيه الكتاب تهويد الحيّز وكيّ الوعي، البيت والاقتلاع والعودة، والجسد المحتجز، أسيرا حيّا أو ميتا في ثلاجات الاحتلال ومقابر الأرقام، ووحدة الشعب عبر الجغرافيا المقسّمة؛ وحرية التعبير في مواجهة رقابتين، رقابة الاحتلال ورقابة الداخل. وتبديل العبارة المتداولة مسرحا بـ فنّا، هو ما يفسّره الكتاب بأن المسرح التقليدي يتعذّر في واقع الحصار والإغلاق الذي يفرضه الاحتلال على الشعب الفلسطيني، فيصير كل مرسم وكل عريشة لاجئ خشبة مسرح، أو مساحة لإنتاج الفن بشتى أشكاله، وهذا الفعل الإبداعي مهمته أن يحوّل الحياة من مُعطى إلى احتمال يُصنع.


يقول الفيلسوف بنيتشه: “نمارس الفن كي لا نموت من الحقيقة“، غير أن الكتاب يقلب مقصد العبارة؛ ففي نيتشه يحمي الفنُّ الإنسانَ من هول الحقيقة بما يمنحه من وهمٍ جميل، أما عند عبادي فالفن هو الأداة التي تحفظ الحقيقة نفسها من الطمس، هذا التحوّل المُضمر يقدّم لنا جملة إنسانية تفاؤلية: الفن شرط إمكان الحياة، والأمل واجب أخلاقي، فما أضيق العيش لولا فسحة الأمل. كل ذلك يقدّمه عبادي بلغة غير معقدة، بسيطة ومليئة بالدفء والوضوح، تُبرز خلال مقالاته حجم الامتنان والشعور بالحظّ لدعوات الأصدقاء، أو لقاءه بهم صدفة، خلال افتتاح مناسبات أو حفلات توقيع الكتب، ثم وصف وحكاية وسيرة، ثم قفزة تداعٍ تستحضر نصّا آخر (درويش، كنفاني، مونك، مايكل أنجلو) تُختم بخلاصة فكرية و/أو أخلاقية، تؤكّد على الموقف المبدئي للمؤلف.
يجترح المؤلف مفاهيم جديد تعبر عن السياق العام لإمكانات مواجهة الاحتلال، مثل انتفاضة الابتسامة، والتي تجمع بين مفردتين متنافرتين، العنف الجماعي الثوري ولفتة الوجه الرقيقة، فيغدو الابتسام فعل تحدٍّ يسلب السجّان سلطته على الصورة. وسيلفي الجثامين، عنوان ملصق حملة تحرير الجثامين، يصدم بتجاور الخفّة التكنولوجية والموت المحتجَز. ووين الحوت؟، يحوّل الغياب إلى سؤال احتجاجي: النصب المهدوم يظل حاضرًا بسؤال يحمله المتظاهرون.
يصدر الكتاب من موقعٍ محدّد: فلسطيني من حيفا، محامٍ تطوّع في “أمنستي“، وينشط في التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين، وتحيط به شبكة من الجمعيات الثقافية الأهلية تؤدي ما تؤديه الدول عادةً من رعاية الثقافة. وأفقه التاريخي النكبة والنكسة والانتفاضة الأولى وأوسلو، والحرب على غزة بعد السابع من أكتوبر 2023؛ وهذا الأفق يتسرّب إلى المقالات تسرّبا: ففي “مدام سراي” يقرأ المؤلف الحاجز الخشبي بين العاشقين فيسأل: هل هو جدار الفصل الأبرتهايدي يا إبراهيم؟، ليتحوّل المشهد إلى إدانة سياسية.


في مقالات الكتاب ينتقل حسن عبادي من متفرّج مفتون بمتاحف باريس وبرلين ولندن، إلى متلقٍّ يبدي رأيه ولا يقف على الحياد، وإلى مُبادر يصنع الأمسيات ويقترح الفعاليات ويربط الفنانين بالكتّاب، ثم مؤرِّشفٌ يجمع ذلك كله في كتاب اعتبره لمسة وفاء للفن والفنانين. ويضيء هذا المسار أن صاحبه محامٍ، أي رجل مهتم بالتوثيق والإثبات، ويعرف أن للقانون حدودًا فلا يعيد جثمانًا ولا بيتًا ولا ذاكرة، فيلجأ إلى الفن ليؤدي وظيفة ما بعد القانون: الاعتراف. ومن هنا يبدو هدف الحضور الكثيف للأسماء والتواريخ في الكتاب؛ فالتسمية عنده فعل مقاومة، وإنصاف العازف الذي يُهدَر حقّه في المطوية صورةٌ مصغرة لإنصاف شعبٍ يُراد محو اسمه. أما العاطفة الغالبة فهي الامتنان: تكاد كل مقالة تنتهي بشكر زوجةٍ أو صديقٍ أو فنان.


في قراءته لـ “الخبز والسيرك” ما يستحق التوقف، فالعبارة الرومانية الأصلية نقد لتدجين الجماهير بالتسلية، ويأخذها الكتاب دليلًا على أن الفن حاجة أساسية؛ وبذلك يمرّ على توتر لا يحسمه: هل الفن أداة تحرر أم أداة تخدير تديرها السلطة؟ مع أن في الكتاب نفسه ما يضيء الوجه الثاني، تمويل غربي مشروط وتعيينات وزارية تسخر منها نكتة الكوميدي أبو دياب. كما تحضر في الكتاب أسماء مؤسِّسة للمشهد الثقافي الفلسطيني المُقاوم، مثل الروائي والصحفي الشهيد غسان كنفاني في روايته عائد إلى حيفا، التي يقرأها المؤلف قراءة تعبوية، فما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة؛ ومحمود درويش بسؤال اللجوء الذي يورده على لسانه “هل تتسع كلمة واحدة من ثلاثة أحرف لكل هذه المحتويات؟“، وإميل حبيبي عبر رسوم عبد عابدي لـرواية المتشائل؛ وناجي العلي مقرونًا بكنفاني في سلة واحدة: اختارا الكتابة والرسم لفلسطين… والموت. وهذا الاستدعاء يحمّل الفن حمولة الاستشهاد: الفنان المُشتبك من يدفع حياته ثمنًا لمواقفه، وهو تصوّر بطوليّ تعارضه مسرحية رائدة طه. ورائدة طه ممثلة وحيدة تفكّك هالة الشهيد وتعرّيها من أساطير البطولة جاعلة البطولة الحقيقية للأم ونساء العائلة. إلى ذلك، تحضر أنتيجونا لتنقل حق الدفن –الجثامين المحتجزة–من حكاية فردية إلى رمز كونيّ؛ ويحضر الطوفان في قراءة المؤلف لرواية أحمد أبو سليم “باباس“، إذ يرى في الطوفان الروائي نبوءة بـطوفان الأقصى. وهذه قراءة استباقية تُسقط حدثا لاحقا على نمط أسطوري قديم.


يفكّك الكتاب بجرأة خطابين، الأول للمؤسسة الإسرائيلية بما فيها البلديات والجامعات، والتي تمارس قمعا وسيطرة احتلالية من خلال إلغاء حفل، وحرمان عازف من كمانه، وهدم تمثال الحوت، وإزالة نصب كنفاني. والثاني، مؤسسة الداخل الفلسطيني، نيابة السلطة الفلسطينية تلاحق رواية بحجة خدش الحياء العام، وجامعة تقطع عرضًا فنيًّا أثناء حملة لمناهضة العنف، وهل هناك ما هو أعنف من هذا التصرف؟، وبلدية فلسطينية تلغي حفلًا، وسلطات كنسية في لبنان تطالب بمنع فرقة. غير أن نبرة الكتاب تجاه هذه المؤسسات نبرة الناصح الملتمس، لا نبرة المحلّل الذي يسائل بنيتها؛ وأحدّ نقد للسلطة الفلسطينية يقدّمه المؤلف على لسان الممثل الكوميدي.
ينحاز المؤلف للبسطاء انحيازا أخلاقيا. لذا يشير إلى فنانين يُهدون أعمالهم؛ وفنان يرفض بيع أي لوحة، دون أن يسأل عمن يملك الصالات؟ من يشتري؟ وماذا عن الفنان الذي لا يملك ترف الرفض؟ كما يُقدَّم عزف موتسارت في حيفا بوصفه رسالة مدوية بأننا شعب يستحق الحياة، ويجعل من الفنّ المقياس الأعمق لمدى التقدم الحضاري، ونبرهن على إنسانيتنا بإتقان القانون الجمالي الغربي، وهذا سلاح ذو حدّين: يفضح همجية المحتل، لكنه قد يقبل المعيار الحضاري الذي استند إليه الاستعمار نفسه. حسن عبادي يطرح في كتابه الأسئلة الكبرى حكاية وصورة، فالهوية مشقوقة بين هنا وهناك: بطل ممثل انتحاري يقول إنه من أعالي الجليل وجاء إلى هنا، فينتهي إلى أنه لا يهم لا هنا ولا هناك؛ وسارة المقدسية تسكن بيتا اشتراه زوجها من مغتصِبه فتشعر بالغربة في بيتها. فالمواطن في بيته مغترب، والمشرَّد في منفاه يحلم بالعودة. وجواب الكتاب وجوديّ بامتياز: نحن هنا باقون، نحن الحجر… نحن الوتد.


يضمر الكتاب أن الثقافة الفلسطينية قائمة على جهد أهلي لا مؤسسي: جمعيات ومنتديات وأفراد يؤدون وظيفة الدولة الغائبة. ولذلك يبدو موقف المؤلف من المؤسسات مزدوجا: مؤسسة المحتل محوٌ، ومؤسسة السلطة إهمال، والمجتمع المدني أمل. ويتحرك المؤلف في فضاء ثقافي تتصارع فيه الدولة والبلدية والكنيسة والجامعة والراعي المموِّل، ويعمل كل منها وسيطا يوزّع الهبات والأعطيات–ولو رمزيا: يسمّي ويشكر ويُهدي ويرعى؛ ويمارس الكتاب حق الفلسطيني في أن يحكي حكايته، لا بالحجة السياسية وحدها بل بتراكم الأسماء والوقائع. وعن الواقع والثقافة يقول الكتاب: واقعٌ محاصَر مرتين، بالاحتلال وبالوصاية الأخلاقية والسياسية في الداخل، وثقافةٌ هشّة ما تزال قادرة على أن تملأ القاعة. كما يفكّك الكتاب الرواية الاستعمارية تفكيكًا حاسمًا، ويفكّك الرقابة الأخلاقية الأبوية في أكثر من موضع، ويعزّز –بالمقابل–الخطاب الوطني البطولي (الشهيد، والأسير، والصمود) كما هو، ويُبقي المثقف في موقع الناصح لا المسائل.

حسن وصالح حمدوني

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007. يرجى ارسال ملاحظات لـ akkanet.net@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد الأخبار
  • اعلان مربع اصفر
  • عكانت مربع احمر