أعيشك عكا
بقلم: وسام دلال خلايلة
ح (10): ديرْ بالَك!
لم يكنْ سوق “عكاظ” … وما هم شعراءُ الجاهليّةِ في الغزل … بيْن الأزقّةِ في طريقِنا مِن وإلى السّوق (أنا وصديقتي) – كسائر البنات – كانت القصائدُ تتطاير صوبَنا مُختَزَلةً بصَفيرٍ أو كلمةٍ (أيشْ يا حلو…)، (يسعدلي…)، (دخيلووو…)، (أموت بالسمك…)، الإلقاءُ لا وزنَ له بل لحنًا وصوتًا جهوريّا خشِنًا ما استطاع إليه سبيلا … تتهافتُ القصائدُ وتتزاحمُ … فنشرئبُّ أنوثةً متجاهلات حُضور الشّاعر … يعني يتمنّعن وهنّ راغبات … في خضَم المشهد، وإذْ بصوتٍ خشنٍ يقطعُ استرسالَ الشاعر المفتون لينبّهه: دير بالَك! هاي أخت صاحبنا … فتصمُتْ القصائدُ وتندثر أبياتُ الغزل في سكونِ الرّهبة والحرَجِ … فأضاعفُ خَطواتي سرعةً … وتشتدّ عقدةُ الحاجبيْن مع شعورٍ ممزوجٍ بالغضب من أخي لأغبطَ صديقتي بلْ أحسدَها أنّها وحيدةً بلا أخوة … وللحكايةِ بقيّة
ح (11): كراوية
حالَ وصولِنا (أنا وصديقتي) إلى بيت جدّتي … تستقبلُنا بالترحابِ والقبُلات وتُجلِسُنا على كرسيّين من طقمِ “القَشْ” في الغرفة الوسطى (العقْد) وليْس في الصالون … فهو مُخصّصٌ وفقطْ للضّيوف الكرام! … نجلسُ جلسةَ السيّدات بهدوءٍ مفتَعَلٍ وننتظرُ الضيافةَ أشهاها ولذيذَها – وكيفَ لا- فلم تخلُ ثلّاجةُ جدّتي من صُنع يديْها أشهى المأكولات (الكراوية: أرُزّ مطحونٌ يُغلى على النار مع بهار الكَراوية)، (السحلب أو بَحْتة: أرُزّ مطحونٌ يُطبخ مع الحليب وماء الزّهر والورد)، (الفاكهة المطبوخة السابحة بالعصائر طبيعيّة).. تُغمر بها الكاساتُ البلّوريّةُ وتزيّن بالمكسّراتِ … “تفضّلي يا سِتّي – كذلك لصديقتي – تفضّلي يا سِتي وانتبهوا ما تْنقطوا على الكراسي! ولا توسْخوا الأرض!!” … بيْن المتعةِ والخوفِ نُنهي واجبَنا ونودّعها … ننتقلُ عبرَ زُقاقٍ ضيّقٍ أعْيا الشمسَ الولوجَ … لنصلَ بيتَ جدّتي الثانية… ولا يحلو لنا إلّا الاستماعَ إلى حكاياتِها … فإذا باتتْ عندنا في بيتنا (خارجَ الأسوار) حظَيْنا بحكايةٍ لكلّ ليلةِ مَبيتٍ … وحكايةُ ” الحَنَش” كان نصيبُها ساعاتِ الليْلِ المتأخّرةِ ليكتملَ مشْهدُ الرُّعبِ … نقبّلُها ثمّ نلوذُ إلى فِراشِنا معَ تنهيدةٍ وابتسامةِ مَن ارْتوى بعدَ ظمأٍ …وللْحكاية بقيّة


