ولظاهر العمر مسجد معلق

 

في عهد ظاهر نهضة عمرانية

لقد ساهم الظاهر عمر الزيداني مس اهمة فعال ة في النهضة العمرانية في مدينة عكا منذ اواسط القرن الثامن عشر الميلادي،

اذ أقام فيها المباني العديدة، ومنها: السوق الأبيض والحمّام الشعبي والأسوار والأبراج وخان الشونة، وكذلك هذا المسجد الذي نحن بصدده.

الموقع

يقع هذا المسجد في نهاية السوق العمومي من طرفه الجنوبي، وفي الجهة الغربية-
الجنوبية من ساحة الكراكون، وفي الجهة الغربية من ساحة الجرينة المحاذية
للميناء، كما يقع بالقرب منه من جهته الجنوبية-الغربية الحمام الشعبي الذي أقامه
أيضا ظاهر العمر.
ويرد ذكر هذا المسجد في حديث المؤرخ ابراهيم العورة عن عمار جامع البحر
عام 1232 هجري ) 1816 م( أيام حاكم عكا سليمان باشا العادل، وذلك في قوله:
«فكان كل ليلة عند عشية يحضر مؤذن من المرتبين في جامع ظاهر العمر في
تلك الناحية يؤذن بها 1(» (.ويمتاز هذا الجامع بعلوه عن سطح الأرض.
 

نقشان تأسيسيان

فوق قنطرة مدخله الخارجي الشرقي اثبتت لوحة رخامية مربعة الشكل وقد نقش
عليها :
بسم الله الرحمن الرحيم
انشأ هذا المسجد ووقفه وحبسه
الشيخ ظاهر بن عمر في شعبان سنة 1161
اما النقش التأسيسي الآخر فقد اثبت تحت قنطرة المدخل الشرقي حاملا خمسة
من الأبيات الشعرية تقول:
انشاه وقفا ظاهر نجل الفتى عمر المقدس
من آل زيدان الذي من كل طيب فيه مغرس
قصد الاله به وطهر ه من الشرك المنجس
فجزاؤه غرف الجنان بمسجد التقوى المؤسس
ما قال فيه مؤرخ هو جنة سمة وأنفس سنة 1161
وقد اقيمت الصلوات في هذا المسجد حتى عام 1948 م، ثم سكنته احدى العائلات
العربية العكية لسنوات طويلة، حتى قامت جمعية التعاون الاسلامية في عكا
بترميمه عام 1987 ميلادي، وعادت الصلاة لتقام فيه.

مئذنة تأرجحت بين شّباك مفتٍ وكف عفريت ورعشة ارضية

من الملفت للنظر في هذا المسجد مئذنته المقطوعة والتي لم يبق منها الا قاعدتها.
اما في تعليل سقوط المئذنة فقد ذهب العكيون فيه ثلاثة مذاهب : فمن قائل ان
المفتي عبد الله الجزار الذي كان يسكن بمحاذاة المسجد قد ضايقه وجود هذه
المئذنة امام نوافذ قصره!! وكما لا يخفى على احد فهذا الادعاء ساذج باطل لا
يقبله العقل والمنطق، ولعل بعد المغرضين قد أشاعوا هذه الفرية. ومن مدع بأن
عفريتا قد شق هذه المئذنة فتصدعت. وهو ادعاء ساذج ايضا، وقد وجد في ذلك
الوقت عند العامة ارضا خصبة لتلتقطه آذانهم وتتناقله ألسنتهم. أما البعض فقد
ربطوا بين تصدعها والهزة الأرضية. وتظهر هذه المئذنة في صورة فوتوغرافية
التقطت عام 1894 م من عدسة ل.غوتيه )بالاضافة الى مقهى الكراكون القريب
منها(. ويبدو ان تصدعا خطيرا قد اصابها على اثر الزلزال العنيف الذي ضرب
بلادنا عام 1927 م، وقد احتفظ العيون بحجارة هذه المئذنة على مقربة من هذا
المسجد حتى الستينيات بانتظار اعادة بنائها.

ذاك الشيخ المعلق

في هذا المسجد درّس الشيخ توفيق الدّبّاغ /ابو عادل) 3( في مدرسته الوطنية في
اواخر حكم الدولة العثمانية على بلادنا وايام الانتداب البريطاني. ومما تعلمه طلابه
فيها اللغة العربية والدين الاسلامي والحساب. ولقد اتفق الرواة من معاصريه على
تعيين أوصاف هذا الشيخ: فهو ابيض البشرة، نحيف البنية، فارع الطول، وذو عينين
زرقاوين، مع ارتجاجات متواصلة للرأس بحركات لا ارادية، كما اعتمر طربوشا
احتضنته لفة من الغاباني.
كان شديدا قاسيا ارعب الصبية من طلابه، وقد عُرف في عكا باسم «الشيخ
المعلق 4(» (. إذ كان ينزل اشد العقاب بالمذنبين والمقصّرين، وذلك بالضرب بالعصا
بعد ربط رجلي المذنب بالفلق وتثبيته بالعمود الضخم في الباحة الخارجية للمسجد.
وقد روى لي احد العكيين وهو من مواليد عام 1918 )والذي وجّهه شقيقه وهو ابن
8-7 سنوات تقريبا ليأخذ العلم على يدي هذا الشيخ في اواسط العشرينيات(، فقال:
«فوّتني اخوي حسين على هادا الشيخ المعلأ.. رحت على المدرسة.. صرت اخبص
يمين وشمال.. قال الشيخ المعلأ ارفعوه.. ويا حَدّادي طيحي بالوادي.. استويت..
وهربت عند حياة امي ». اما اسم المعلق فقد انتقل ايضا من هذا الشيخ الذي ارعب
المئات من تلاميذه ليطلق ايضا على المكان، فقالوا «جامع المعلق ». اما الباحث آريه
يتصحاكي ) ( فينقصه التدقيق في ضبط الاسم الذي اطلق عليه
اسم «جامع الموعليق») 5(، كذلك الباحث م. يحيئيلي ) ( فيطلق عليه
اسم «المعلقة» ويقول ان العكيين قد اطلقوا عليه اسم «جامع الجرينة»

(محاولا تعليل تسميته بالجامع المعلق في الهواء لأن مئذنته قد انتصبت
عاليا فوق المسجد الذي لم يكن يُرى من بعيد لانه كان محاطا بالأبنية كالمعلقة
في الفضاء).

 

 

guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض كل التعليقات
جديد الأخبار