فناءٌ وبقاءٌ ووفاءٌ

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on facebook

 

فناءٌ وبقاءٌ ووفاءٌ
– خالتي الموجوعَةَ والمفجوعةَ، صبحيّة
– عمّي الثّاكلَ الصّابرَ، صبيح
– الأخواتُ المصوناتُ الحكيماتُ، سوار وسماح
– الأخُ المكلومُ المهمومُ، رغيد
– خالاتي الحزيناتِ، يدمعُ صخرُ البروةِ حينَ تَبكينَ ويمرِّغُ الزّيتونُ رأسَهُ بالتّرابِ حينَ تَندبْنَ
– أَخوالي، كِرامَ الأخلاقِ، أُباةَ النّفوسِ
– العائلةُ الموسّعةُ المتّسعة بذكرى أحمدَ، والأصدقاءُ والمحبّون، يحضُنُكم تقديرُنا، كما تحضنونَ ألمَنا
أقفُ في هيبةِ حضرَتِكِ، يا خالتي، مشدوهًا، مُحرجًا، مرتبكًا، مكسورَ العينِ والقلبِ والخاطرِ والظّهرِ، أصابني ما أصابَ الأخُ الذي أوصتْهُ أمُّهُ أنْ يصحَبَ معَهُ أخاهُ في مشوارِهِ، وفي صَخَبِ المشاغلِ وزِحامِ السّائرينَ يُفلتُ الأخُ الأصغرُ يدَهُ من كفِّ أخيهِ المقبوضةِ، دونَ أنْ تَفصِلَ بينَ الكفّينِ ذرّةُ هواءٍ، ويذوبُ، كما تذوبُ ذرّاتُ الملحِ في بحرِ عكّا الكبير.
كيفَ أعودُ إلى قلبِ خالتي خاليًا من ضَناها؟! كيفَ أنظرُ إلى عينينِ تتّسعانِ للدّنيا، ولا تتسّعُ عيونُ الدّنيا لعينٍ واحدةٍ تحتَ أهدابِها، بَلْ لنظرةٍ يتيمةٍ منها؟! لا تقوى العينُ على ملاقاةِ نظرةٍ منْكِ، فقد عُدْنا مَهزومينَ، مُحبطينَ، خائبينَ، لقدَ أفلتَ أحمدُ من بينِ أصابعنا كالماء، يا خالتي، كلّما شدَدْنا قبضتَنا أفلتَ بسرعةٍ أكبرَ، ونحنُ مشدوهونَ واجمونَ مصدومونَ.
ولكن، هل كنا نقوى على الإمساكِ بكفِّ أحمدَ، في هذا المشوارِ، فُرادَى، أو مُجتمعينَ، نُعمِلُ حواسّنا الخمسَ، أو السّتَّ، إنْ شاءَ قلبُكِ، ونَحشِدُ كلَّ طاقاتِ الانتباهِ والفِطنةِ والحذرِ والحَيطةِ والتّدبيرِ؟! هلْ كنّا ننجحُ في الإبقاءِ على جسدِهِ معَنا يَشهَقُ بِحُبِّنا ويَزفُرُ بحبِّهِ؟! ليتَنا استطعْنا حِفظَهُ، أو تأخيرَ غيابِهِ، حتّى لو كنّا مُنِحْنا هذه القدرةَ، مرّةً في العمرِ، كنّا تنازلْنا عنْها، لقاءَ بقاءِ أحمدَ لحظةً أخرى بينَنا.
إنّ القدرَ الذي وَقَعَ فَأعَمى البَصَرَ استطاعَ أن يأخذَ مِنَّا جسدَ الحبيبِ، لكنّه لم يستطعْ أنْ يأخذَ الحبَّ، استطاعَ أن يأخذَ حاضرَ الجَسَدِ، ومستقبلَهُ، لكنّه عاجزٌ عن إفناءِ ماضيهِ الذي ما زالَ يتنفّسُ العلمَ والأدبَ، ويمارسُ الحياةَ دونَ تعبٍ، وسيبقى فينا حاضرًا ومستقبلًا إلى الأبدِ.
لقد تركَ فينا أحمدُ ما يكفي من الماء لِنرويَ حديقتَنا، وأبقى لدينا خيرًا وافرًا من القمحِ لنبذرَ سهلَنا فَيزيدُ عن حاجتِنا، وأورَثَنا مِنَ العلمِ ما يكفي لنثقّفَ أبناءَنا، ومَنَحَنا مِنَ الأخلاقِ ما يُعينُنا على أنْ نرتقيَ بأنفسِنا وبمجتمعِنا، وزوّدَنا من الأملِ ما يُنيرُ أفئدتَنا، ويُضيءُ طريقَنا لمواصلةِ مشوارِ العودةِ إلى تِبرِها ونَسيمِها وحِضنِها، كي تستردَّ العدالةُ بعضَ شرفِها وكرامتِها.
بهذا الإرثِ نتمسَّكُ، وبِهِ نتعزّى، “وأمّا الزّبدُ فيذهبُ جُفاءً، وأمّا ما ينفعُ النّاسَ فيمكُثُ في الأرضِ”. وداعًا أيُّها الجسدُ الفاني، والوفاءَ الوفاءَ لذكراكَ العطرةِ الباقية فينا ما حَيينا.

ابن الخالة أميرة
إياد الحاج
12/11/2013 – حفل تأبين الباقي فينا، أحمد إدلبي

جديد الأخبار