عكا… الفخار مرآة للعلاقات التجارية البحرية في مدينة عكا الصليبية

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp

الفخار مرآة للعلاقات التجارية البحرية في عكا الصليبية

عدنا شطرن – سلطة الأثار

ترجمة د. وليد أطرش

مقدمة

خلال الحفريات الأثرية واسعة النطاق التي جرت في عكا من قبل سلطة الآثار في سنوات التسعين، تم العثور على مجموعة واسعة من الأواني الفخارية المؤرخة للفترة الصليبية. وكشفت هذه الحفريات عن أجزاء من المدينة الصليبية التي كانت مركزًا تجاريًا مزدهرًا بعد احتلال فلسطين من قبل الصليبيين في عام 1104. أصبحت عكا عاصمة المملكة الصليبية وميناءها الرئيسي، عندما فقدوا الصليبيون حكمهم في القدس عام 1187. خلال القرن الثالث عشر وحتى سقوط المملكة الصليبية في عام 1291 كانت الحركة في ميناء عكا نشطة، ولعب دورا هاما في التجارة البحرية مع أوروبا والإمبراطورية البيزنطية والدول الإسلامية.

خلال الحفريات عكا التي جرت في مركز فرسان الإسبتارية “منتجع الفرسان” والعديد من حفريات الإنقاذ صغيرة الحجم، كشف عن مجموعة مباني عامة، سكنية، محلات تجارية، مناطق تجارية وشوارع. تم العثور على أنواع عديدة من الأواني الفخارية التي كانت تستخدم لتخزين، للطهي وتقديم الطعام. هذه المجموعة تعكس أنواع الأواني التي كانوا يستخدمونها سكان عكا الصليبيون على اختلاف مستوياتهم. تم العثور على العديد من الأواني كاملة أو شبه كاملة، وهذا يساعدنا على تحديد مصدرها وأنواعها المختلفة. ميزة أخرى استثنائية، وجود مجموعة واسعة من الأواني المستوردة من مختلف أنحاء العالم، ومن غرب البحر الأبيض المتوسط​​. إن استيراد كميات كبيرة من الفخار وعلى نطاق واسع لم يكن معروف في الفترة السابقة – الفترة الفاطمية – وكذلك في الفترة التي تلت الفترة الصليبية – الفترة المملوكية. إن اكتشاف كميات كثيرة من الأواني الفخارية في عكا، منحنا فرصة مثالية لدراسة التجارة بالأواني الفخارية وانتشارها في دول حوض البحر الأبيض المتوسط ​​في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلادي.

مجموعة الأواني الفخارية من عكا

تم العثور في حفريات عكا على مجموعة أواني فخارية متنوعة، محلية ومستوردة من الفترة الصليبية (القرنين الثاني عشر والثالث عشر). تنقسم الأواني الفخار المحلية المكتشفة في عكا إلى مجموعتين رئيسيتين: الأولى، أواني فخارية عادية غير مزججة، وتم تحديد إنتاجها في عكا بالاعتماد على الاختبارات الكيميائية والبتروغرافية للأواني الفخارية (شكل 1). معظم هذه الأواني من النوع المفتوح، من بينها “صحون عكا”، وهم صحون مع شفة قصيرة تبرز إلى الخارج وقاعدة مسطحة. وكذلك تحتوي هذه المجموعة على الصحون الكبيرة المغلقة المعروفة ب “أواني عكا”. أما المجموعة الثانية، فهي متنوعة وتحتوي على الأواني المزججة والغير مزججة، والمصنوعة من الطين الأحمر. وتشمل هذه المجموعة على المصابيح، أواني طبخ، صحون مزججة ومزينة بمجموعة متنوعة من تقنيات الديكور (شكل 2). يبدو أن هذه الأواني قد تم إنتاجها في بيروت، ودليل على ذلك وجود كميات كبيرة منها هناك، وكذلك بالاعتماد على التحليلات الكيميائية والبتروغرافية. تم العثور على مجموعات صغيرة من الأواني التي إنتاجها في شمال البلاد وفي جنوب لبنان. على الرغم من أن أواني الفخار التي تم إنتاجها في بيروت وضواحيها قد تم إحضارها إلى عكا عن طريق السفن، إلا أنها تعتبر أواني محلية لأن بيروت في تلك الحقبة التاريخية كانت جزءًا من المملكة الصليبية. تم العثور على مجموعة أواني فخارية، وخاصة الصحون المزججة، التي تم استيرادها من أماكن مختلفة حول حوض البحر الأبيض المتوسط (شكل 3). هذه الأواني تشكل حوالي نسبة 30% من مجموعة الأواني الفخارية. تم استيراد أواني فخار إلى عكا من شواطئ شمال سوريا (شكل 4)، من آسيا الصغرى وقبرص (شكل 5)، أواني بيزنطية وإيجة، من شمال وجنوب إيطاليا وصقلية (شكل 6)، من جنوب فرنسا (شكل 7)، من كتالونيا الإسبانية، من شمال إفريقيا ومن المناطق البعيدة عن البحر الأبيض المتوسط – من الصين (شكل 8). تم تحديد مصدر الفخار المستورد وفقًا للدراسات النموذجية والتحليلية. إن الفخار المستورد متنوع الأشكال، والأكثر شيوعًا الصحون والصحون المزججة وهم بنسبة 84.7% من إجمالي الواردات، وأقلها شيوعا أواني الطهي، ونسبتها 11.1% والأمفورات 4.2%.

تجارة وانتشار الفخار في البحر المتوسط خلال العصور الوسطى

حلال الحفريات الأثرية في المواقع الساحلية الخاضعة لسيطرة الفرنجة (في فلسطين، لبنان، سوريا وقبرص)، تم العثور على مجموعات من الأواني الفخارية المتشابهة، وتحتوي على أنواع كثيرة من الأواني المستوردة. وهذا يدل على وجود نظام توزيع مكثف على طول الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط في الفترة الصليبية. تم العثور على فخار مستورد من الشرق في موانئ دول غرب المتوسط التي كانت نشطة في التجارة مع بلاد الشام. ربما كانت هذه الظاهرة نتيجة لنموذج تجاري بحري الذي تطور مع إنشاء الممالك الصليبية في الشرق بين الموانئ الفرنجة في شرق البحر المتوسط ​​لتلك في الغرب. التكنولوجيا البحرية في تلك الفترة أجبرت السفن على الوقوف في الموانئ المختلفة على طول الطريق، وبالتالي أدت إلى ازدهارها. التجار الإيطاليين، وخاصة تجار جنوة، بيزا والبندقية، كانوا القوى الرئيسية في شبكة التجارية، وساعدوا الجيوش الصليبية في حملاتهم لاحتلال المدن الساحلية الفلسطينية. خلال القرن الثالث عشر انضموا تجار من جنوب فرنسا ومن كاتالونيا إلى هذا النشاط التجاري. وعرفت هذه الفترة من قبل العديد من المؤرخين الثورة التجارية”. أصبح التجار من الغرب أكثر جرأة وطوروا تقنيات تجارية أكثر من أي وقت مضى، وهذا اعطى المدن البحرية الإيطالية (جنوة، بيزا والبندقية) للسيطرة على النقل البحري، والتجارة في جميع أنحاء البحر المتوسط ​​وبلاد الشام. كانت السفن التجارية في تلك الفترة أكبر وأفضل من سفن الفترات السابقة، وكذلك تطور التكنولوجية في التنقل واختراع البوصلة، وتطوير خرائط وجداول الإبحار، وتحسين طرق الشحن في البحر الأبيض المتوسط. كل هذه العوامل أدت إلى انخفاض تكاليف النقل البحري، مما دفع لزيادة عدد السفن التي أبحرت من أوروبا إلى شرق البحر الأبيض المتوسط. وتألفت التجارة البحرية من التجارة طويلة الأجل بين أوروبا وبلاد الشام، والتي كانت موجودة حتى قبل الحروب الصليبية، وكبرت كثيرا بعدها. التجارة متوسطة الأجل بين بلاد الشام، مصر والإمبراطورية البيزنطية؛ والتجارة البحرية قصيرة الأجل، وفيها أبحر السفن التجارية على طول شواطئ بلاد الشام، ومن آسيا الصغرى إلى مصر، وقاموا بشراء وبيع البضائع في مختلف الموانئ. خلال التنقيب الأثرية، والمسح في البحر الأبيض المتوسط، تم اكتشاف حمولة من الأواني الفخارية من الأنواع الموجود في عكا. وهذا يساعدنا على رسم الصورة التجارية لانتشار الأواني الفخارية. كل سفينة حملت كمية كبيرة من الأواني الفخارية، بما في ذلك الجرار، الصحون المزججة أو مجموعة من الأواني الفخارية من مناطق إنتاج مختلفة.

لذلك يطرح السؤال: لماذا تم استيراد كميات كثيرة من الفخار إلى عكا، ومن مراكز إنتاج مختلفة؟ في محاولة للإجابة على هذا السؤال، تم فحص المصادر المكتوبة في تلك الفترة، ووجدنا انه في حالات نادرة تم ذكر الأواني الفخارية، وذلك أثناء مناقشة موضوع البضائع باهظة الثمن أو بقائمة الشحن. لدراسة هذه المسألة استخدم الباحثون أدوات القياس من الماضي وخصوصا التجارة في الأواني الفخارية في الفترات الهلنستية والرومانية، وفيهم كانت التجارة وانتشار الأواني الفخارية عن طريق البحر. وكذلك الدراسات الاثنوغرافية عن تجارة الفخار في البحر المتوسط ​​في بداية العصر الحديث. في الماضي، اعتقد الباحثون أن أواني الفخار في العصر الهلنستي والروماني، بالإضافة إلى كونها أناء، كانت وظيفتها حاوية لمنتجات التصدير، مثل النبيذ والزيت. أما اليوم يميلون الباحثون إلى أن الفخار هو منتج منخفض القيمة، ويصدر عن طريق البحر جنبا إلى جنب مع سلع أكثر تكلفة في موقف “ملء الأرباح، والتي يمكن بيعها. تبين الدراسات الاثنوغرافية أن جميع أنواع الأواني الفخارية تم نشرها عن طريق البحر إلى وجهات قربة وبعيدة. هذه الدراسات كما أظهروا أنه كان هناك طلب على أواني الفخار، حيث كانوا بمثابة منتجات تجارة وللمقايضة.

استنتاجات

كشفت الحفريات في عكا عن وجود كمية كبيرة من الأواني الفخارية، المنتجة محليًا والمستوردة، والتي تم الحفاظ عليها جيدًا. معظم الأدوات المستوردة هم أنواع مفتوحة. تم العثور على أدوات مماثلة في المراكز البحرية الكبيرة في جميع أنحاء البحر الأبيض المتوسط. من المصادر المكتوبة التي تناقش التجارة البحرية، يبدو أن الفخار لم يكن أحد المنتجات الرئيسية في التجارة، وتم توزيعه بشكل أساسي كمنتج فاخر. مع ذلك، العثور على كميات كبيرة من الأواني المستوردة في حفريات عكا، وفي موانئ أخرى في البحر الأبيض المتوسط، ويبدو أن هناك أسباب أثرت على وجود عدد كبير من الأواني المزججة من مناطق مختلفة، وأوجه التشابه بين المجموعات من بلاد الشام وبين هذه في موانئ أخرى في البحر الأبيض المتوسط.

يبدو أن هناك علاقة واضحة بين مراكز الإنتاج التي تصدر أواني الفخار إلى عكا، والموانئ الرئيسية وطرق الشحن الرئيسية في البحر الأبيض المتوسط ​​في القرن الثالث عشر (شكل 9). ولهذا السبب، يعتقد الباحثون، أن طرق الإبحار كانت واحدة من العوامل الرئيسية التي أثرت على انتشار الأواني الفخارية في جميع أنحاء البحر المتوسط. معظم أواني الفخار التي تم استيرادها إلى عكا كانت أوني مطبخ مزججة، وخاصة الصحون والأوعية. هذه الأوعية تم اختيارها لسهولة تعبئتها، وعندما حزمت، وزنها كان ثقيل.

مع توطيد الحكم اللاتيني في شرق البحر الأبيض المتوسط​​، تم تطوير نموذج تجاري جديد بين الموانئ اللاتينية في الشرق والغرب، وزاد عدد السفن التي أبحرت بين الموانئ، وعلى طول السواحل. يبدو أن الأواني الفخارية التي وصلت إلى عكا، ولمواقع أخرى حول البحر الأبيض المتوسط لم يصلوا ​​إلى هذه الأماكن بسبب قيمتها المحددة العالية، وبغض النظر عن أصل المستوطنين الأوروبيين في عكا.

يبدو أن الأواني الفخارية كانت تنقل بالسفن التجارية طويلة ومتوسطة الأجل، وتم بيعها في الموانئ كمنتج ثانوي بجانب التجارة بالمنتجات الأكثر تكلفة. تعكس الكمية الكبيرة من أواني الفخار المستوردة، وانتشارها الجغرافي، العدد الكبير من السفن التي زارت ميناء عكا في القرن الثاني عشر، وخاصة في القرن الثالث عشر، وتشهد على النشاط التجاري البحري الواسع للمدينة الصليبية عكا وطابعها العالمي.

جديد الأخبار