قصيدة «يا جارة الوادي» واستعادة أمير الشعراء ذكرياته في مدينة زحلة… بقلم: الدكتور منير توما

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp

قصيدة «يا جارة الوادي» واستعادة أمير الشعراء ذكرياته في مدينة زحلة

بقلم : الدكتور منير توما

كفرياسيف

تُعتَبَر زحلة من أكثر المدن اللبنانية تَمَيُّزًا ، ومن الأكثر زهوًا . وقد اتخذتْ لها نشيدًا خاصًا بها يبدأ بالعبارات التالية : «زحلة يا دار السلام ، فيكِ مربى الأسودي» . سُمّيت زحلة «عروس البقاع» و «وادي السباع» وأيضًا «جارة الوادي» في قصيدة الشاعر المصري الكبير أمير الشعراء أحمد شوقي التي لحّنها الأستاذ محمد عبد الوهاب وغنّاها ، كما غنّتها فيروز  ، وبالإضافة اليهما ، غنّت نور الهدى وعبد الهادي بالخياط أبيات القصيدة كما لحّنها وغنّاها عبد الوهاب . ومن اللافت أنّه يُشرف على مدينة زحلة تمثال العذراء الأسود (وهي تحمل بيد عنقود عنب وبيد الطفل يسوع رافعًا سنبلة قمح) . وترتفع زحلة كقاعة مسرح فوق ضفاف نهر البردوني ، وفيها يعيش جنبًا الى جنب الروم الكاثوليك والارثوذكس والموارنة والبروتستانت والسريان والسّنة والشيعة في تآلفٍ تام متوزعين بصورة أساسية على سبعة عشر حيًّا . وعدد الشعراء في زحلة يربو على المعدّل الوطني العام ، فهي مسقط رأس الشعراء سعيد عقل والإخوة معلوف (فوزي وشفيق فياض) . لقد كان أمير الشعراء أحمد شوقي يحب تمضية فصل الصيف في ربوع لبنان . وذات مرة زار زحلة وامضى فيها بضعة أيام ممتعة لاسيما وأنّ الطعام طيّب المذاق والشراب لذيذ والجلسة في المطاعم المنتشرة عند ضفة نهر البردوني تجمع بين أطايب الطعام وطريف الكلام في الأمسيات ذات النسيم العليل . وفي سنة 1925 كان شفيق المعلوف لم يبلغ العشرين من العمر بعد ، وألقى على مسمع أحمد شوقي قصيدة كتبها عنه ، قال في مطلعها :

مَنْ كشوقي رافلًا في سؤدِدِهِ

                           صولجان المتنبي في يده

ردَّ عرشَ اليعربيين لنا

                         فتنزّى مجدُهُ من مرقده

وعند سماع شوقي ذلك ، طَرِبَ لهذهِ الأبيات ، وقرّر العودة الى زحلة . وجاء صيف 1927 ، وبرفقتهِ محمد عبد الوهاب والمحامي والصحافي فكري أباظة . جاء الى المدينة القائمة بين جبلين ، والتي سمّاها «جارة الوادي» ، وفي جعبتهِ قصيدة لها يتحسّر في بدايتها على تقدمه في العمر ، ويقول لها قبل أن يتغزل بها ، ليته عرفها في عمر الشباب . وفي الفندق ، أسمع شوقي مرافقيهِ القصيدة ، فهتف عبد الوهاب على الفور «هذه قصيدة للغناء وليست للإلقاء» . وقام عبد الوهاب بإنشاد بعض أبياتها ، فأطرب شوقي الحضور . والقصيدة طويلة ، غنّى عبد الوهاب ثمانية من أبياتها . يقول شوقي في مطلع القصيدة :

شيّعتُ أحلامي بقلبٍ باكِ

                                 ولممتُ من طُرقِ الملامحِ شباكي

أمّا البيت الذي بدأ بهِ عبد الوهاب الأغنية فهو البيت العاشر في القصيدة :

يا جارة الوادي طربتُ وعادني

                         ما يشبه الأحلام من ذكراكِ

وهكذا نرى أنّ أحمد شوقي في البيت الوارد في مطلع القصيدة ، آنف الذكر أعلاه ، يودِّع أحلام الشباب بقلب مملوء بالحسرة والبكاء على أيامٍ جميلةٍ مفعمة بالأحلام والذكريات الحافلة بالهوى . وحينما تبدأ القصيدة المغنّاة بالبيت العاشر منها ، كما سبق وأشرنا ، حيث يخاطب زحلة «بجارة الوادي» مُعَبِّرًا عن عواطفهِ الجيّاشة التي تختلج في نفسهِ مما جعلته يطرب بذكرياته فيها ويستعيدها كأنها أحلام تراوده. ويكمل عبد الوهاب إنشاده للأبيات المختارة من القصيدة :

مثلّت في الذكرى هواكِ وفي الكرى

                                   والذكرياتُ صدى السنين الحاكي

ولقد مررتُ على الرياضِ بربوةِ

                        غنّاء كنت حيالها ألقاكِ

ففي هذين البيتين ، نلمس ذكريات الشاعر العذبة الماضية التي تعود إليه في مخيلتهِ وفي أحلامهِ ، وهذه الذكريات الجميلة فيها ما ينعش روحه مستذكرًا أيام الصبا الخوالي . وحين يمر على الطبيعة الخلّابة للرياض وتلاله الساحرة بجمالها ، تجعله ينغمس في ذكرياتهِ عميقًا وكأنَّ حبه يتجدّد ويستعيد هواه .

وتتابع القصيدة المغنّاة بالقول :

ضحِكَتْ إليَّ وجوهها وعيونها

                        ووجدت في أنفاسها ريّاكِ

وهنا لا بد لنا أن نشير الى أنه في ستينيات القرن العشرين غنّت فيروز «يا جارة الوادي» أيضًا ، بلحن عبد الوهاب ، بيد أنّ الأخوين رحباني لحّنا هذا البيت الإضافي من القصيدة ، الذي لم يلحنه عبد الوهاب ، فغنته فيروز ، وفيه يستمتع الشاعر بإبتسامة وجه المحبوبة وسحر عيونها الجميلة ، مما جعله يهيم بحبها متذكرًا معاناته وعذابه في ذلك الهوى الفيّاض . وفي الأبيات التالية سنتطرق الى الأبيات الأخرى التي غنّاها عبد الوهاب من القصيدة حيث نتابع :

لم أدرِ ما طيبُ العناقِ على الهوى

                                حتى ترفّق ساعدي فطواكِ

وهنا يؤكِّد الشاعر على عدم معرفته في السابق لمتعة العناق واحتضان المحبوبة العاشق لها والواقع في هواها إلى أنّ شعر بتلك المتعة حين ضمّها بساعديهِ غامرًا إياها بصدرهِ . وباستمرارنا قراءة البيت التالي ، نجد معنىً قريبًا لما سبقه عندما بقول الشاعر :

وتأودت أعطاف بانكِ في يدي

                                   واحمرَّ من خفريهما خَدّاكِ

في هذا البيت نرى كيف أن أحمد شوقي يبلغ الذروة والأوج في تشخيص مدينة زحلة بالمحبوبة الانثى واصفًا هنا تموّج جسد المحبوبة بين يديهِ ، وبالتالي طغت مشاعر الحياء عليها فأحمّر خدّاها بفعل ذلك . وبعد هذا الوصف نأتي الى البيت الرائع الذي فيه يتألق أحمد شوقي بانتقالهِ من مداعبتهِ لشَعْرِ محبوبتهِ الأسود ولوجوده في ليلٍ حيث دخل في ليلين تبلور سوادهما في ظلام الليل وشعرها الأسود، ليُرصِّع ذلك بتقبيل فمها أو ثغرها كالصبح المُشرق المضيء ، وفي ذلك يتحفنا شوقي بهذا البيت :

ودخلتُ في ليلين فرعكِ والدجى

                                  ولثمت كالصبحِ المنوَّرِ فاكِ

ويتلو هذا البيت في القصيدة المغنّاة قول شوقي :

وتعطلت لغة الكلام وخاطبت

                              عيني في لغةِ الهوى عيناكِ

في هذا البيت نرى شوقي يقول بأنّ الصمت قد ساد في حضورهِ مع المحبوبة ، وكان الكلام بينهما يتم بلغة العيون حيث تخاطب عيناها عينيهِ بالنظرات . وتنتهي القصيدة المُغَنّاة ببيتٍ رائع الجمال حيث ينشد شوقي بصوت عبد الوهاب :

لا أمسِ من عُمرِ الزمانِ ولا غَدٌ

                                    جُمِعَ الزمانُ فكانَ يومَ رضاكِ

إنّ هذا البيت يجمع بين ما عايشه الشاعر من ذكريات ماضية وما يحمله ذلك من مقدمة لغدٍ مشرقٍ زاهر بالزمان الجميل ، حيث أنَّ مثل هذه الذكريات تتمنّى وتسعى الى نوال الرضا المؤكَّد للمحبوبة .

وأخيرًا وليس آخرًا ، فإنَّ شوقي يكون بهذه القصيدة قد عبَّر بأجمل تعبير عن حبهِ لزحلة التي بادلته حبًا بحب ، واقامت عام 1971 مهرجانًا شعريًا لذكراه ، وأقامت تمثالًا نصفيًا لهُ . وبقصيدة «يا جارة الوادي» نرى أن شوقي قد رسم بموهبته الشعرية الفائقة لوحةً شعريةً خالدةً تتضمن شطحات خيال جبّارة من أجمل الأوصاف الشعرية في عالم الابداع والأدب .

guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض كل التعليقات
جديد الأخبار