قراءة في كتاب «قمم لجونية…كتاب البديهيات – مقدمة لفلسفة الصواب» للأستاذ صبيح محاميد

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp

 

قراءة في كتاب «قمم لجونية…كتاب البديهيات – مقدمة لفلسفة الصواب» للأستاذ صبيح محاميد

بقلم : الدكتور منير توما – كفرياسيف

كان الأستاذ المحامي صبيح محاميد قد أهداني مشكورًا نسخة من كتابهِ «قمم لجونية…كتاب البديهيات – مقدمة لفلسفة الصواب» متمنيّا عليّ قراءته وابداء رأيي حول ما ورد فيهِ . وحين قمت بقراءة الكتاب ، وجدت أنَّ المادة تتناول أمورًا فلسفية بحثة مشوبة ومقرونة ببعض العناصر الانتروبولوجية والتاريخية على مدى عصور شتى لها ارتباط بالنواحي الفلسفية على وجه العموم . ولقد لاحظت أنّ هذا الكتاب بمادته الفلسفية الأكاديمية ليس موجّهًا للقارئ العادي وإنما يثير اهتمام وعناية المعنيين بمثل هذه الموضوعات التي تتطلب خلفية دراسية معمّقة الى حدٍ معين ، وبالتالي ، فإنَّ الكاتب الأستاذ صبيح محاميد قد تطرّق الى أفكار العديد من الفلاسفة العالميين الغربيين والشرقيين قديمًا وحديثًا ، وتوسّع في ربط هذه الفلسفات بظواهر حياتية مجتمعية وأحداث تاريخية دينية وعلمية وانسانية .

ومن اللافت أنّ الكاتب في بدايات كتابهِ يتحدث عن منطقة اللجون ومعها منطقة وادي عارة وعلاقتها مع السيد المسيح ، وعن كون منطقة مجيدو واللجون والتواجد الروماني مركزًا إداريًا ، تجاريًا ، دينيًا ، ثقافيًا عسكريًا رئيسًا . ويشير الكاتب الى فرضيتهِ بأن مرج بن عامر واللجون كان مرتع شباب السيد المسيح . ويوضِّح الكاتب أنّ أصل انتمائه يعود الى قرية اللجون حيث وُلِدَ وعاش جده . وفي مرج بن عامر قطن جده وأبناؤه والذين انتسبوا لعائلة قريشية كانت تؤمن بالرسالة المحمدية . ويذكر الكاتب أنه درس الفلسفة في بلغاريا أيام الاتحاد السوفياتي ومنظومة الدول الاشتراكية آنذاك ، وانتقل بعدها الى دراسة المحاماة في جامعة صوفيا العاصمة البلغارية . وفي نطاق بحث الكاتب في سياق تناولهِ للأمور الفلسفية يقول بأنه من المستحيل أن تتواجد حقيقة وهي غير صائبة ، لذا ومن البديهي أنَّ كل حقيقة غير صائبة فهي ليست حقيقة ، أما الحقيقة وصوابها لن يكونا إلّا النفع والمنفعة والاستفادة المطلقة . ويأتي الكاتب بقول سقراط وأفلاطون كمثال على ذلك ، بأن الذهاب الى الطبيب ، غايته ليس مجرد الذهاب الى الطبيب ، إلّا أن من وراء ذلك غاية ما وهو ما ينفع الصحة . وينوّه الكاتب الى أنّه من خلال ما أسماه «الصواب اليقيني» تستطيع لمس واكتشاف نسبية الحقيقة . ويؤكد في كلامه أنَّ حدود قدرتنا على معرفة الصواب هي بحدود الصواب نفسِهِ . ويرى الأستاذ صبيح محاميد أنَّ الصلة الضابطة (الصقولة) هي جوهر ومبدأ الوجود والتواجد الأزلي . كما أنَّ كل جزء من الكلي يكون بنفسِهِ منظومة ، وكل منظومة هي بنفسها كلي وشامل ومتكامل وكل منها تؤلف جزءًا من كلي أكبر منها تؤلفه مجموعة منظومات . كذلك نلمس من بحث الكاتب هنا أنّ التموضع الكلي المثالي هو اكتمال نشوء الصلات الضابطة لوجود المنظومة . علاوةً على ذلك ، يذكر الكاتب أنّ الوجود منظومة واحدة ، موجودة فقط تركيبيًا من منظومات الموجودات ، والتي أساسها منظومة الصلات (الصقولات) بين أجزائها . ونلاحظ هنا أنّ الكاتب يخوض تحليلًا عميقًا في جوهر هذه الأمور التي تشكل عنصرًا لافتًا وفريدًا في موضوع الفلسفة على وجه الخصوص . وفي الفصل الثالث من كتاب الأستاذ محاميد يكرِّس حديثه حول الصواب البديهي من خلال الشك ، ويرى أنَّ الغزالي وديكارت يتفقان عند هذه النقطة . كما أنَّ الأستاذ محاميد يخوض غمار الفكر الميثولوجي وتاريخ الأديان ، والفكر في العصور الوسطى حتى ديكارت . ويشير الكاتب الى أنّ الحضارة الإسلامية قد حملت راية المعرفة العقلية من بعد اليونان ، ويقول من بعد الإغريق لأن الثقافة الرومانية لم تأتِ بإنجاز يذكر ، حين وقد اقتصرت مساهمة الرومان في الفكر البشري على أن يخطو الى الأمام وأن يتقدم بأن وضعوا الدساتير القانونية . ويبيِّن أنَّ الشاميين أحفاد الكنعانيين أبناء النطوفيين كانوا أشهر المهندسين في الامبراطورية الرومانية ؛ ومصطلح «نطوفي» هو ذلك الوادي الذي يقع في جنوب رام الله القريبة من القدس كما يخبرنا الكاتب . ويُسهب الكاتب في استعراضهِ لسيرة أبي حامد الغزالي وخلفيتهِ الفلسفية والعلمية ومنهج الشك المنهجي والذي يعني عنده أن يفرض المرء على نفسهِ ، وبأدواتهِ شكه بالحقائق المتوارثة والتقليدية وبذلك يضعها على محك الخطأ والصواب ، الذي يكون مؤقتًا حتى الوصول لليقين . وعن رأي الغزالي في التحرّر من التقليد يخبرنا الكاتب إنَّ على الباحث ألّا يتبع مذهبًا أو طريقًا ما ، بل أن يعتمد على نظره هو وبصيرتهِ . بالإضافة الى كل ذلك ، فإنّ الكاتب أيضًا يستفيض في الشرح عن حياة ديكارت ومنهج الشك عنده . ويُظهر لنا حقيقة أن كلًا من الغزالي وديكارت قد رفضا في مناهجهما الوصول الى اليقين بمساعدة البرهان والتجربة والقياس والمنطق ، وقد عَدّوها سُبلًا للإستدلال وهي تُعد وسيطًا يستعين بهِ العقل للوصول الى اليقين. أما في الفصل الرابع من الكتاب ، فإنَّ الكاتب يتناول بالدراسة والبحث الفيلسوف الألماني هﻴﭼل واصفًا إياه بإمام وشيخ الديالكتيك . ويذكر لنا الكاتب بأن هﻴﭼل في كتابهِ «تاريخ الفلسفة» قد هدف من وراء تأليفهِ لهذا الكتاب هو إثبات أنَّ تاريخ الفلسفة هو تاريخ التطوّر الذي أصاب الفكرة الفلسفية ، والفكر الإنساني عبر العصور ، لذا نصح أن يتبع تاريخ الفلسفة تطور الأفكار والفكر ليكون تاريخًا للفلسفة ، لأنّ علم التاريخ ليس موضوعه الأفكار ، ولا الفكر . وهنا يتفق الكاتب مع هﻴﭼل في ذلك بقولهِ إنَّ تاريخ الفلسفة تاريخ الفكرة ، لكن منها الثابت، ومنها المتغيِّر . ويختم الأستاذ صبيح محاميد كتابه بالفصل الخامس واصفًا محتوياتهِ بعنوان مساهمة في نقض نظرية الاجتماع . ويقول في هذا الشأن إنّ الفلاسفة قد قدّموا الذات البشرية كأساس للاجتماع على الطبع التكاثري ، جاعلين بهذا قوة التنظيم المعرفية أقوى من الطبع التكاثري ، لذا ترسّخت عندهم السياسة . وهكذا فإنَّ الكاتب عند نظره في آراء الفلاسفة ، وعلى مرّ العصور ، يُبَيِّن وبوضوح ، اعتمادهم على ادراك وفهم وارادة البشر لإنشاء المجتمع ، ويُبَيِّن كيف أنهم أغفلوا أو امتنعوا عن القول بالطبع التكاثري كمؤسس للمجتمع البشري ، الذي يعني أنّهم ميّزوا المجتمع الإنساني بميزات وخصائص ظاهرية ليست جوهرية وعينية . ويضيف الكاتب في هذا الصدد أنّ الحقيقة تقاس عند البشر ببديهية المبدأ ، وإنْ كانت الفلسفة لم تنتبه لبداهة مبدأ التكاثر وعلته بتكوين المجتمع ، فلن يساعد هنا الإغفال هذه الفلسفة لتصل لمبدأ وطبع شتى الظواهر الاجتماعية لدى البشر .

وخلاصة القول ، إنّ الاستاذ المحامي صبيح محاميد قد قدّم في هذا الكتاب شرحًا فلسفيًا معمّقًا يتصف بكثير من شمولية البحث مما يتطلب دراسة وافية تحليلية لكل ما ورد فيه من قواعد المعرفة الفلسفية ونظريات متنوعة على شتى الصُعُد البشرية والعصور الزمنية ، ولا شك أنّه قد بذل مجهودًا مضنيًا في وضعهِ لهذا الكتاب مما يستحق على ذلك خالص الثناء والاطراء والتقدير ، متمنين له موفور الصحة ، ودوام التوفيق والعطاء .    

guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض كل التعليقات
جديد الأخبار