“هذا الرجل لا أعرفه”… بقلم: حسن عبادي

هذا الرجل لا أعرفه

                                              حسن عبادي/طرعان/حيفا

قرأت في حينه روايةغفرانك قلبيللرّوائية المقدسية ديمة جمعة السمّان؛ رواية بلا مكان أو زمان، تصلح لكلّ البلدان العربيّة، تناولت ظلم الأنظمة والحكّام العرب ولا ديموقراطيّة وصولهم للحكم، وكأنّي بها تقول كما قال معلمّي لمادة التاريخ في ثانوية الرامة (الأستاذ سرحان سرحان) “ندرس التاريخ لنعرف الماضي، لنعيش الحاضر ونأمّن المستقبل، فكتبت: “خذني إلى الدّنياإلى الحياةإلى الشّمس والقمر والنجوم والزهورفالبستان في الانتظارخذني إلى الماضي لننسى أنّه مرت مثل تلك الأيّامولنوهم أنفسنا أنّ الأيام غفتوالزّمن توقف عن المساروأنت الهوى الذي يرفعني فوق الغمام.”، طرحت أمور مجتمعيّة وسياسية، جلت بوضوح في مناجاة الحبيب.

وقرأت بعدها روايةهذا الرجل لا أعرفه” (205 صفحة، تصميم: شربل إلياس، إصدار مكتبة كل شيء الحيفاوية لصاحبها صالح عباسي، وغاب صاحب لوحة الغلاف الرائعة)؛ وكأنّي بها الجزء الثاني لغفرانك قلبي.

ابتكرت ديمة السمان مكان متخيّل وبنته على كيفها؛ حوّلته من صحراء قاحلة إلى مدينة عصريّة ودولةذات سيادة، في مكان ما في العالم العربيّ. تمامًا كما فعل الروائي عبد الرحمن منيف في كتابهشرق المتوسط، والروائي صبحي فحماوي في روايتهسروال بلقيس؛ تتحدّث عن دولة عربية دون تحديد أسماء أو مدن، مجهولة الهويّة، لذلك كل عربي يقرأ هذه الرواية أياً كانت جنسيته، يشعر وكأنها تتحدث عن بلدة قريبة منه أو تخصّه، فمواضيعها تجمعنا، هو علامة عربية فارقة مطبوعة على جبين كل المدن، معلّقة على أبواب البيوت، موجودة في كل مكان، في الشوارع، البيوت، الغرف، يصلح ليكون في كلّ مكان في الوطن العربيّ!

سلّطتالكاتبةالضوءعلىظواهراجتماعيةعديدة؛وكونهانصيرةالمرأةفعلًالاقولًا،تناولتأهميّةعملالمرأةخارجالبيتودورها؛

فاطمة التي اشتغلت في مزرعة العائلة وطوّرتها ووسعّت نفوذها وضمّت إليها الأراضي، ولم تهمل البيت والأبناء: فارس الضابط الكبير، كريم التاجر، وحيد رجل الاقتصاد

ناهد التي اشتغلت وزيرة للإعلام، ومن ثم للخارجيّة وأهملت شئون البيت والعائلة ممّا جعل نهايتها سريعة.

منى التي فضّلت حياة زوجية مستقرة على الحب، نجحت في عملها بوزارة الزّراعة، لتقيم مزرعة نموذجيّة مُثلى. ووجدتهابطلةالرواية دون منازع.

حنان ربّة البيت المثالية وركيزة عائلتها.

تناولت بجرأة علاقة الزوج (لا الرجل) والمرأةفيمجتمعنا،وأهميّةالنديّةفيالعلاقةوضرورتها؛

يتخبّط الرجل الشرقي في اختيار شريكته، هل له أن يقترن بمن هي أذكى منه؟ أو أنجح منه؟ أم يفضّل أن تكون جارية أو خادمة مطيعة؟؟

وحيد لم يرق له تقدّم ناهد عليه في عملها ومنصبها (يتناسى أنّ علاقتهما بدأت حين اغتصبها وهو في عزّه، وأجبرها على ترك خطيبها، دون أن يأنّبه ضميره) وأرادها أن تكونخادمة البيت، تهرّب ورفض الزّواج من منى رغم الحبّ بينهما، بسبب نرجسيّته ولأنّه أراد تحقيق أحلامه ولم يعاملها بالنديّة ورغم ذلك شعر بالغيرة حين اقترنت بسواه. يمثّل الوصوليّ الانتهازي، ينقصه العامود الفقريوالمبادئ.

تناولت كذلك الحالة السياسيّة والعقليّة القبليّة السائدة حتى بعد التنقّل من البادية إلى المدينة، فالانتقال شكلي وصوري، وتصوّر لنا بسخرية سوداويّة كيف يسعى آل سالم من خلال سيطرتهم على مرافق الدولة والهيمنة على الجيش، بواسطةفارسهم، إلى تطويع الدولة ومرافقها لتكون تحت وصايتهم، وحتّى عندما تُقام انتخابات، فهي صوريّة من أجل إيصال وحيد سالم إلى زمام الحكم...باسم القبيلة ورافعًا رايتها.

ما خرّب بيتنا إلّا آل فلان وعلّان!!

نعم يا ديمة؛ ملعونة مراكز الحكم التي نصل إليها على جثث الآخرين.”

حين قرأت الرواية ثانية حضرتني رواية مديح لنساء العائلة لصديقنا محمود شقير الذي تناول فيها الهمّ النسوي وتطرق لمعاناة المرأة الفلسطينية ومحاولة التمرّد على القيود والتقاليد وسلطة الرجل في مجتمع ذكوريّ لتغيير واقع المرأة وتناول همومها ومشكلاتها محاولًا نقل صورة حقيقية لظلمها واضطهادها.

آمنت كاتبتنا المتشائلة ببناء دولة فاضلة، آمنت بثورة على حاكم جائر، آمنت بالأمل، آمنت بالتغيير، ولكن خاب الأمل وحظينا بحاكم وبحُكم أكثر رذيلة وقسوة وظلمًا، قُتِل أحمد ومعه وُئِد الحلم بالتغيير، وانتصرت القبيلة!

تحوّل الربيع العربي إلى خريف حارق، راح الوطن وثرواته في سبيل كرسي مهترئ.

جاء في الرواية: “ترى أتكون منى جسرًا أعبر به الماضي؟ أعيش فرحة الأيام الخوالي؟ أم تُرى أنّي أعيش الوهم الكبيرأضلّل به النّفسحتّى أحجب عنها مرارة الواقع؟ ما أصعب أن يكون الإنسان لبنة يشكّلها الماضي بيد الأحلام! فيذهب به إلى عالم الأوهامويتوه بين الواقع والخيال“.

تنهي الرواية حين خلعت بطلتهامنىالفستان؛

  • ليس لنا في بعضنا قسمة.
  • ترفضين رئيس دولة!

صرّت على أسنانها:

  • رئيس دولة وصل إلى الحكم على موجة من دم، وكان قاربه جثة، مرفوض، لا أقبل بهنجوم السّماء له أقرب.
  • لا تجعلي اللسان يشطح، أنا رئيس دولةلا أسمح……
  • خذ المزرعة يا سيدي، ودعني أرحل، فالرجل الّذي كنت أعرفه تغيّر وتبدّلهذا الرّجل لا أعرفهلا أعرفه.”.

    نعم، صدق فريدريك انجلز حين قال: تحرّر المرأة معيار تحرّر المجتمع“.

***مداخلتي في ندوة نقاش الرواية يوم الاثنين 19.12.2022 في نادي القرّاء الطرعانيّ في المكتبة العامة/طرعان بإدارة الناشطة الثقافيّة نيروز عدوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد الأخبار