رسالة مفتوحة لقوم لم ولا يقرأون

جواد بولس

بقلم: جواد بولس

 

كما كان متوقعًا وبناءً على نتائج الانتخابات الاخيرة في اسرائيل، لم يجد بنيامين نتنياهو صعوبات عسيرة حقيقية في تشكيل حكومته التي، من دون شك، سوف تسعى الى تنفيذ ما جاء في خطوطها العريضة ووفق جميع الالتزامات التي اشتملت عليها الاتفاقات الثنائية الموقعة بين كل حزب على حدة وبين رئيس الحكومة القادم.

لن أكتب عن ممارسات الحكومة المقبلة المتوقعة على جميع الجبهات والاصعدة ، لكنني أذكّر بأننا نقف على عتبة عهد ظلامي اسرائيلي جديد لا يشبه ما ألفناه طيلة العقود الماضية.

لقد امتلأت الصحافة العبرية ومنصات الاعلام بآراء أعداد كبيرة من المعقبين والمحللين الذين أبدى معظمهم تخوفًا مما ستنتهي اليه العملية السياسية الجارية التي يقودها بنيامين نتنياهو، واسقاطاتها شبه المؤكدة على تقويض أسس الدولة كما بناها وأرادها مؤسسوها الأوائل. لن أتطرق الى مواقف المئات ممن ابدوا مخاوفهم ومواقفهم جهارة ضد الحكومة القادمة، لكنني سأشير الى موقف رئيسة المحكمة العليا الاسرائيلية السابقة، دوريت بينيش، الذي صرّحت به مؤخرًا في الصحافة العبرية. سأفعل ذلك لسببين ، أوّلهما شخصي، وثانيهما، لأنها تنطق عمليًا باسم آخر المعاقل المطلوب “رأسها” والاجهاز عليها من قبل الحكومة المقبلة، وأعني المنظومة القضائية بكل فروعها، وفي مقدمتها  المحكمة العليا  الاسرائيلية.

وهذا، في الواقع، ما نوّهَت اليه القاضية بينيش، في مقابلة أجرتها معها يوم الاربعاء المنصرم جريدة “كلكليست” الاسرائيلية، وأعلنت فيها: “اننا، من دون شك، نواجه واقعًا مغايرًا؛ والمهم ألا نصاب بالذعر لكن علينا ألا نستسلم”. ثم أردفت مؤكدة على أن “نظام الحكم الذي كان سائدًا بفخر طيلة 75 عامًا يواجه الخطر في هذه الايام. فنحن لسنا ازاء عملية اصلاحات قضائية، كما يقال في تعابير مغرضة ، بل نحن أمام تغييرات جذرية في مبنى السلطة والحكم، وفي المفاهيم السياسية والاجتماعية الخاصة باسرائيل. أنا قلقة جدًا. لقد تخطوا الخطوط. انهم يحطّمون الاطر الاساسية التي بنيت عليها، خلال سنوات طويلة، السلطة ونظام الحكم  في اسرائيل. يتوجب علينا ان نستفيق”.

أتمنى سيدتي،  أن تستفيقوا، لكنني أخشى من حكاية  “الثور الابيض” . أتتذكرينها؟

لست متأكدًا من أن أقوال القاضية بينيش ستلفت عناية المواطنين العرب في اسرائيل، بالرغم من كونها تصريحات مقلقة جدا، وتشكّل عيّنة من فيض مخاوف مشابهة كان قد أبدتها مئات من الشخصيات الاعتبارية المرموقة اليهودية، التي تمثل شرائح واسعة داخل المجتمع الاسرائيلي، والمنتمين الى مجالات مهنية مختلفة: سياسية وأكاديمية واقتصادية وعسكرية وأمنية وحقوقية وغيرها. أرى أن عربات النار تسير نحو أهلنا وناسنا وهم يحسبونها طيورا من الجنة، أو أنهم نيام.

أمّا بالنسبة لي فهذه الأقوال تذكّرني بقصتي الطويلة والمؤسفة مع الرئيسة السابقة للمحكمة العليا دوريت بينيش وزملائها القضاة. أتذكّرهم اليوم وأشعر مستفَزًا وحزينًا.

لقد تعودّت منذ سنوات أن أكتب مقالي الأخير في نهاية كل عام ميلادي على شكل رسالة مفتوحة معنونة لشخصية كنت اختارها حسب الظروف ولأهمية مضمونها في ذلك الوقت. كانت رسالتي المفتوحة  في نهاية عام 2010 معنونة لرئيسة المحكمة العليا، في حينه، القاضية دوريت بينيش. لقد خاطبتها على أثر قيام مكتب الادارة العامة للمحاكم في اسرائيل بنشر بيان بخصوص قرار حكم أصدرته المحكمة العليا بحق شرطي يهودي كان قد أدين في المحكمة المركزية بقتل شاب عربي. كان اصدار بيان ادارة المحاكم فعلًا غير مسبوق ومفاجئاً للجميع وقد جاء كردة فعل تبريرية ودفاعية من قبل جهاز المحاكم ضد حملة تهجمات شعبوية واسعة قادتها منظمات وشخصيات يمينية واستهدفت قضاة المحكمة العليا بسبب قرار حكمهم في قضية الشرطي الذي قام بقتل العربي دون أن يكون لذلك أي مبرر أو مسوغ، كما جاء في قرار المحكمة.

لقد حكمت المحكمة المركزية على الشرطي اليهودي بالسجن الفعلي لمدة خمسة عشر شهرًا؛  فقامت نيابة الدولة بتقديم استئناف على الحكم المخفف بشكل غير منطقي، وطالبت بحكم أقسى. قبلت المحكمة العليا استئناف نيابة الدولة وحكمت على الجاني بالسجن الفعلي لمدة ثلاثين شهراً فقط، كما وأوضحت بأن الجاني لم يتقيّد بتعليمات اطلاق النار وقام باطلاق رصاصه من مسافة قريبة جدا، بينما لم يكن في حالة خطر ولا في حالة تستوجب استعمال السلاح أصلا .. أي أن الحادثة، هكذا يفهم، كانت أقرب إلى كونها جريمة قتل مكتملة؛ وعلى الرغم  من ذلك وجدت المحكمة العليا ضرورة لتدافع عن موقفها ولتبرره عن طريق بيان شكّل سابقة وعلامة فارقة في مسيرة تراجعها أمام قوى اليمين وغاراته عليها.

استهجنتُ وقتها في رسالتي المفتوحة خطوة المحكمة وقلت: “أن تضطروا لاصدار بيان في مثل هذه القضية هو أمر يشير الى اهتزاز مكانة المحاكم والقضاء بشكل عام في هذه الدولة. انها اشارة على ضعفكم ودليل لفهمكم الخاطيء لما يجري منذ أعوام طويلة داخل المجتمع الاسرائيلي وداخل منظومة الحكم. لقد انهارت أسس هذه المنظومة القيمية وتراجعت فيها سلطة القانون لصالح ما نشهده من مظاهر الفساد والعنف واستقواء قوى الشر التي استوطنت في كثير من مواقع القول والفصل والحكم، وباتت أقرب مما تتصورون للاجهاز عليكم، ولاحكام سيطرتها الكاملة على مقاليد الحكم، بعد أن تمكّنت من السلطتين التنفيذية والتشريعية”. وأضفت مخاطبًا اياها: “هل تذكرين كم مرة صرخت في آذانكم وأكدت اني اخاف عليكم لأني أريدكم ، انت وزملاءك القضاة، أقوياء وسدنة لسيادة القانون .. وكم مرة صرخت وأكدت على أنني كمواطن أريدكم أقوياء كي يحتمي المواطن المظلوم بقوة عدلكم؛ وكم مرة اكدت أمامكم على أنني، كابن لاقلية قومية، أريدكم أقوياء عساكم تحموننا، ولو مرّة، من ظلم سياف ظالم. هل تذكرين كم مرة عنّفت منكم لأنني تجرأت أن اسمّي ما تفعلونه بحق ابناء شعبي وبنا، المواطنين العرب في اسرائيل، عنصرية وقهرا وظلمًا؟ إن تبريراتكم، كما نص عليها بيانكم، غير صحيحة وغير موفقة وغير لازمة، فالحقيقة هي انكم ضعفاء وتخافون؛ وان بيانكم ما هو إلّا حلقة في مسلسل “قطف رؤوسكم” وفي مسيرة هرولتكم الى الخلف أمام ذلك “الدب” الكاسر الذي لن يكف عن اللحاق بكم. والحقيقة، سيدتي، هي أن جهازًا قضائيا يحتمي بحراس يرافقونه حتى أبواب غرف النوم لن يقوى على مقاومة ظالم أو محاكمة قاتل؛ والحقيقة أيضًا ان محكمة لا يميّز قضاتها بين الضحية وبين جلادها لن تستطيع  في النهاية حماية جلدها، مهما انحنى قضاتها وتراجعوا وبرروا، كما تفعلون في هذه القضية. فإما مواجهة من يهاجمكم أو سوف تهزمون.

سيدتي ! ” أُكِلت يوم أكل الثور الأبيض” كانت قصة من القصص الشعبية المتوارثة في ثقافتنا، والتي كنت أرددها،أحيانًا، في مرافعاتي القانونية أمامكم. لم ترغبوا بسماعها ولا بتذويت حكمتها؛ لكنها كانت وستبقى هي حكمتنا، نحن الضحية الحالية، لضحية المستقبل” .

هذه  مقتطفات من رسالتي في العام 2010؛ ولم تكن رسالتي المفتوحة الوحيدة لقضاة في المحكمة العليا، فمثلها كتبت كثيرًا .. ولكن من دون جدوى. لقد مضت اثنتا عشرة سنة على ما كتبت وعلى حديثنا صدفة حول مضمونها، وبقيت أنا في موقعي، مدافعًا عن الحق والعدل والأمل، وبقيتم انتم في مواقعكم، جنودًا عند نظام يقدس العنصرية ويمارسها علينا، وخدمًا لدولة تحتل شعبًا آخر ؛ وكقضاة في المحكمة العليا، تسوّغون موبقاته وتفرخون، صغار المحتلين، الذين تكاثروا وكبروا ويطالبون، باسم السماء والقوة والسيف، برؤوسكم وبجلودنا.

لقد قرات نصيحتك بضرورة “ألا نصاب  بالذعر وألا نستكين وأن نستفيق”،  فكيف ستصحون وعتمة الاحتلال تملأ قلوبكم؟  ولماذا لم تسمعوا حين نبهتكم، قبل دهور، أنهم قريبون أكثر مما

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد الأخبار