تقرير: فراس حج محمد| نابلس
شهد مركز الطفل الثقافي في مدينة جنين، يوم السبت الموافق 10/1/2026، حدثاً ثقافياً ووطنياً تمثل في إطلاق ومناقشة كتاب “زهرات في قلب الجحيم” للمحامي والكاتب الحيفاوي حسن عبادي، في فعالية جمعت بين البعد الأدبي والشهادة الحقوقية والوجدانية.
لم يكن اختيار جنين مكاناً لإطلاق الكتاب سوى دلالة رمزية استدعت استحضار دور المدينة في الصمود تجاه ما تتعرض له يومياً؛ ففي ظل تراجع النشاطات الثقافية في فلسطين منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023 وما تبعها من حرب إبادة على قطاع غزة، جاءت هذه الفعالية لتكسر حالة الركود الثقافي، وتؤكد دور الكلمة في مواجهة محاولات المحو والنسيان.
يبرهن هذا النشاط استمرارية مشروع عبادي التواصلي الذي لم ينقطع رغم التضييقات القانونية والأمنية. فالفعالية لم تكن احتفالية بقدر ما كانت جلسة مكاشفة ومناقشة لواقع يزداد تردياً خلف القضبان، حيث تحول الكتاب إلى “لسان حال الأسيرات” اللواتي يعانين من عزل تام عن العالم الخارجي.
وخلال فعالية إطلاق الكتاب التي تولت كل من الدكتورة عائدة أبو فرحة والكاتبة سعاد شواهنة عرافتها، بين الباحث عمر عبد الرحمن أهمية توثيق اللقاءات بالأسرى كفعل مقاوم للنسيان، وتحدثت الأسيرات المحررات فلسطين أبو سلامة، ومنى قعدان، وتحرير أبو سرية عن الأثر النفسي والعملي لزيارات المحامي حسن عبادي، وأكدن أن هذه الزيارات، التي تنفذ بشكل تطوعي، تمثل “النفَس” الذي يربط الأسيرة بعائلتها في ظل غياب الزيارات الرسمية وتعطل دور المؤسسات الدولية مثل الصليب الأحمر.
وأشارت ولاء صوالحة، باسم أهالي الأسرى، إلى أن المحامي عبادي هو “صوت الأسيرة” الذي يحمل رسائل الأهالي وصور الأبناء، مما يحول لحظة الزيارة إلى حالة من الفرح الممزوج بدموع الشوق.
وسلطت الفعالية الضوء على التدهور غير المسبوق في ظروف الأسيرات بعد السابع من أكتوبر 2023، فقد تحول سجن الدامون إلى بيئة لا إنسانية تتسم بالاكتظاظ الشديد، حيث تقبع 8 أسيرات في غرفة واحدة، وتضطر نصفهن للنوم على الأرض في ظروف تسودها الرطوبة والعفن، عدا سياسة التجويع المتمثلة في تقديم وجبات طعام شحيحة ومراقبة وزنها بدقة لمنع أي زيادة، والحرمان من النظافة، والتعذيب بالبرد، والعزل والتفتيش العاري
وأكد حسن عبادي خلال اللقاء أن مشروعه التواصلي يستهدف “الكل الفلسطيني” دون استثناء، جغرافياً أو فصائلياً، ويهدف المشروع إلى “أنسنة” القضية وتحويل الأسيرة من رقم إلى حكاية إنسانية نابضة بالآمال والآلام، وأشار إلى أن هذا الجهد يهدف أيضاً إلى “تدويل” قضية الأسيرات عبر الكتابة والتشبيك مع وسائل الإعلام العالمية، ومن أهمها “التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين“.
وقد تعددت المشاركات في فعالية إطلاق الكتاب لتعكس تكامل الأدوار في دعم الحركة الأسيرة، فقدم الشاعر سائد أبو عبيد قصيدة تضامنية، وقرأت الشاعرة دلال عتيق نصا آخر، رسمت فيه ملامح الحنين والتحدي، في حين تحدث محمود قواريق، وهو والد شبل في الأسر، عن أهمية مشروع عبادي في ظل “غياب المؤسسات” الرسمية، معتبراً إياه حبل الوصل الوحيد المتبقي، وشددت سحر أبو زينة ووائل محيي الدين وعاهد شعبان على ضرورة هذا النوع من الكتابة حيث التوثيق الإنساني، كأداة قانونية وأدبية لمواجهة سياسات الاحتلال.
لقد أكدت المشاركة الواسعة في إطلاق كتاب “زهرات في قلب الجحيم” التضامن الاجتماعي مع قضايا الأسرى، ويبعث رسائل صمود وتحدٍ، ترى أن كل ورقة تخرج من السجن هي انتصار على السجان، وكل نشاط من هذا النوع يجعل قضية الأسرى حية ودائمة الحضور في الوجدان الجمعي الفلسطيني، وتذكير بمعاناة الأسرى جميعهم نساء ورجالا، ما يستدعي التحرك العاجل لإنقاذهم من عمليات التعذيب الممنهجة التي تفضي أحيانا إلى إزهاق أرواحهم، أو على الأقل جعلتهم أشباحاً بسبب سياسات التجويع داخل السجون.





