عكّا أمستردام‎… بقلم العكيه المغتربه حنان بكير

1630782939 Jcvc2pfmr8

 

#عكانت

عكا: كان ذلك أواخر العام 2000، المكان مطار أمستردام.. أنتظر الطائرة التي ستقلع بي إلى أوسلو بعد ثلاث ساعاتٍ. التسكّع في المطارات لا يزعجني أبداً.

انشغلت بتقييم زيارتي لبيروت هذه المرّة، وأستعرض أهمّ الأحداث التي عايشتها.. كان الانسحاب الإسرائيليّ أهمّها وأكثرها إثارةً، ثم النقاشات التي دارت حول إشكاليّة وضع فلول جيش انطوان لحد، الذين تركوا، أو تركتهم إسرائيل، يواجهون أقدارهم وحدهم، بعد انسحابها وتخلّيها عنهم.

استوقفني فجأةً، شابٌّ قصير القامة، أسمر اللون، أميَل إلى النحافة وربّما لم يتجاوزِ العشرين عاماً.. حيّاني وتكلّم معي بلغةٍ إنكليزيّةٍ أكثر من ركيكةٍ. كان مرتبكاً وحائراً، قال أنه مغادرٌ إلى كندا ولا يعرف إلى أيّ بوّابةٍ عليه التوجّه، ناولني تذكرة سفره وبطاقة العبور. كان اسمه جورج، لفتني وجود خارطة لبنان فضّيّةٍ معلّقةٍ بسلسلةٍ في رقبته. سألته: أنت لبناني؟ اندهش وأخذ نفساً عميقاً طال احتباسه،
وسألني: بتحكي عربي؟ نعم أجبته. قال: نعم أنا لبنانيّ وهذه أوّل مرّةٍ أسافر فيها خارج لبنان. قلت: أنا فلسطينيّة لبنانيّة.من وين إنت من فلسطين؟ من عكّا، أجبته. أشرق وجهه بابتسامةٍ عريضةٍ، قبل أن يضيف وبدهشةٍ كبيرةٍ ارتسمت على وجهه: أنا قادمٌ من عكّا الآن.. كنت في ضيافة عائلةٍ عكّاويةٍ هناك!

تجمّعت في ذهني بعض الخيوط: جورج لبنانيّ وكان في عكّا/ فلسطين.. ما الذي قذف به هناك! قلت له: أنت من جيش لحد؟ عاد الارتباك إلى سحنته وتبعثرت ابتسامته. مش مهم الآن! طمأنته. وأنا أدرك تماماً أنّه
لو التقاني على حاجزٍ في جنوب لبنان وبيده رشّاشه،
وأنا الفلسطينيّة.. ماذا كان سيكون مصيري!

وضعت حدّاً لاسترسالاتي، وسرت معه إلى حيث بوّابة المغادرة إلى كندا. كان لديه ساعة انتظار،
وقرب البوّابة دعوته إلى كافتيريا، طلبت له كوب شاي وقطعة كاتو. كانت فرصتي لأُزيح ولو بعض الغبار المتراكم على دماغه. كيف يمكن اختصار تاريخ نكبةٍ ولجوءٍ بلغا عمر الشيخوخة، في وقتٍ يُعدّ بالدقائق! لكنّي فعلت قدر المستطاع!

عيناه التائهتان لم يفارقهما شبح دمعاتٍ استعصت على الانهطال، ودّعته ومشَيْت بضعة أمتارٍ.. سمعته يناديني باسمي هذه المرّة وليس “مدام”.. التفتّ إليه جَدْوَلان صغيران من الدموع شقّا طريقهما على خدّيه، وبصوتٍ مخنوقٍ قال: معقول! معقول هيدا اللي صار معي؟ سكتّ
ولم أسأله شيئاً.. أضاف: هربت إلى (إسرائيل) خوفاً، بعد انسحابهم، فتخلَّوْا عنّي. حضنتني عائلةٌ من عكّا، عشت
معهم وأكلت على سفرتهم ونمت في غرفة ابنهم.. عاملوني كابنهم الذي تعرّفت عليه صدفةً وأخذني إلى بيته..
وهم من أوصلوني إلى المطار وأعطَوْني بعض المال،
وحين تهت في مطارات أوروبا.. التقيت سيّدةً عكّاويّةً ساعدتني وخفّفت عنّي وحشة غربتي! كيف يمكنني مكافأتكم؟!

هزّني موقفه ودموعه وأجبته: اذهب في الأرض كلّها واكرز بكلّ تفاصيل ما مرّ بك.. تكلّم بلسان ضميرك! ألقى بحقيبته أرضاً، أسرع نحوي عانقني وهو يجهش ببكاءٍ مريرٍ!! هذه الدموع الصادقة طهّرتك يا جورج!!

 

 

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007. يرجى ارسال ملاحظات لـ akkanet.net@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد الأخبار
  • اعلان مربع اصفر
  • عكانت مربع احمر