أعطني فنّاً أعطِك شعباً (41)
حسن عبادي/ حيفا
في طريقنا لتقديم واجب العزاء برحيل الصديق الممثّل محمد بكري رحمه الله أهداني صديقي وزميلي على مقاعد الدراسة في ثانوية الرامة إبراهيم خلايلة نسخة من مسرحيّة (مدام سراي).
حضرت عرضاً للمسرحية يوم 30.01.2026 في المركز الجماهيري مجد الكروم ورافقني الفنان جميل عمرية.
تدور أحداث المسرحيّة في منتصف التسعينيّات، بعد سنوات معدودة من الانتفاضة الأولى التي غيّرت أشياء كثيرة على الساحة السياسية والاجتماعية لدى المواطن العادي.
أصبح الفرد في حيرةٍ من أمره؛ أيحنّ إلى الماضي، أم يحلم بمستقبل ورديّ؟
أبطالا لمسرحية؛
مدام سراي (تقوم بالدور الممثلة لمى طاطور) – سيّدة أربعينيّة أنيقة وقويّة، مطلّقة بعد زيجتين، وبلا أولاد، سيّدة كلّاس.
السيّد مروان (يقوم بالدور الممثل خالد مروات) – أربعينيّ، مغترب، متزوّج وله بنتان وولد.
مِستِر شلبي (يقوم بالدور الممثل فزع حمود) – خمسينيّ، مُطلّق، له ولد وبنت في الغربة، صاحب فندق صغير وقديم، ويقيم ويعمل في الفندق، يعاني من قلّة الزبائن في فندقه.
وسعاد (تقوم بالدور الممثلة نورهان عفيفي) – عاملة خدوم في الفندق، تعمل في الصيانة والمطبخ ونادلة، وهي الموظفة الأخيرة في الفندق.
ومسرح الأحداث؛ فندق بسيط (LEMON TREE HOTEL)، بأثاثه القديم… وجرس الاستقبال.
يلتقي مروان/ العاشق المغترب، بعد طول غياب، بحبيبته سراي فتباغته: “شو جبتلي هدية؟“
تفاجأ من السؤال وقفز إلى حقيبته ليخرج كيساً قدّمه لها، وإذ بها قنبلة غاز كان قد احتفظ بها ساعة اعتقاله. فما كان منها إلاّ أن دفعته للخلف وصرخت في وجهه: “فكرتك جايب خاتم ذهب… أو بدّك تبوسني.”
تعتبر الانتفاضة نقطة مفصليّة غيّرت الكثير في حياة الفلسطينيّ، وكأنّي بخلايلة يحاول استعادة الماضي الجميل لخلق مستقبل جميل مقاوم، بعيداً عن الاستسلام، عبر مدام سراي، التي تتهكّم على مروان وسذاجته والزمن الجميل الذي يمثّله، فهي حاولت نسيان الماضي، تزوجت وترَمَّلتْ، تزوجت وانفصلت، وتحاول استعادة مروانها الذي اعتقل زمن الانتفاضة وتزوج لكنّه يحنّ لذاك الزمن الجميل الذي لا يفارقه.
يحاول مروان استرجاعها، بتلك البراءة التي لم تفارقه، ولكن الحاجز الخشبيّ الذي طلبت من شلبي وضعه بينهما حال دون الوصل والتواصل. هل هو جدار الفصل الأبرتهايدي يا إبراهيم؟
جعل من مستر شلبي وسيطاً مفاوضاً بين مروان وسراياه، لكنه حاول سلبها منه والاستفراد بها، إبعادا عنه والزواج بها ليخلق واقعاً جديداً، بعيداً عن زمن البراءة الذي آمن به مروان ولم يفارقه للحظة.
تمثّل سراي السراب والوهم الأوسلويّ؛ تحاول السيطرة على مستر شلبي وفندقه وكل ما يملك، عبر زواج وهميّ صوريّ ولكنه يصرخ في وجهها: “أريد زوجة تبسطني لا توجع رأسي.”
انتهت المسرحية على لسان بطلتها سراي: “أنا امرأة لا ترقص لرجل… بل أرقص مع الرجل الذي أختار“. تبدأ بالرقص والدوران، كأنها وحدها، شَلبي ومَروان يُراقبانها بدهشة… ترتفعُ الموسيقى… ثم تجلس في الوسط ظهرها للجمهور ووجهها للداخل.
مسرحيّة اجتماعية وسياسية ووطنيّة هادفة، تفتّح الكثير من الجروح الدامية.
الإضاءة والموسيقى والصوت متناغمين مع حركات الممثلين وأحداث المسرحية وسيرورتها، والديكور بسيط؛ الطاولات والكراسي والبار والحاجز والستائر الحمراء ملائمة لأجواء المسرحيّة، زمانها ومكانها.
المسرحيةمشتركةبينمسرحراسعروسالمجدلاويوالحكواتي/ المسرح الوطني الفلسطيني، وشارك في إنجاح هذا العمل كلّ من محمد خلايلة– إضاءة وصوت، هلا شحوك–مساعد المخرج ومن تأليف وإخراج: إبراهيم خلايلة.
عوفيتم وبوركتم.
عذراً؛ غابت مطويّة بلمحة عن المسرحيّة وأسماء طاقم العمل، أمام وخلف الكواليس، فسامحوني إن لن أذكر أحدكم ولم أنصفه، فحبّذا لو نال اهتمام القائمين كما هو متبّع في المسارح العالميّة (فهناك يوزّع كتالوج يشمل لمحة قصيرة عن كلّ من يساهم بالعمل، يرافقه عرض موجز للمسرحية).
من الجدير بالذكر أنّ إبراهيم خلايلة قد ألّف وشارك في تمثيل مسرحية “تغريبة العبيد“، ومسرحيّة “العصافير“.
وألّف مسرحيّة “أساطير الإنس والجان في دولة برهان الزمان“، ومسرحيّة “راس عروس“، ومسرحيّة “شجَر وحجَر” ومسرحيّة “ممثّل انتحاري“.





