عيد في الزنازين كيف سرقت حرب الإبادة آخر ما تبقى من إنسانية الأسرى في أعيادهم

File 69bd9f791b9d1

عيد كانوا يصنعونه من لا شيء. قبل أن تبدأ حرب الإبادة، كان الأسرى الفلسطينيون يفعلون شيئًا يصعب وصفه إلا بالمعجزة: كانوا يصنعون عيدًا.

خلف قضبان السجون الإسرائيلية، في أقسام نفحة والنقب وعوفر وغيرها، كان يتكرر كل عام مشهد يجمع بين القسوة والكرامة في آنٍ واحد. رجال يقضون عقودًا من أعمارهم في الأسر، يتدافعون عند حلاق القسم، ويتعطرون، ويصنعون من فتات الطعام المتاح شيئًا يشبه الحلوى. كانوا يعرفون أن العيد لن يأتيهم، فقرروا أن يذهبوا هم إليه، رغم كل شيء.

العيد كما كان

يصف الأسير المحرر محمود العارضة، المُبعَد إلى مصر، كيف كانت تُبنى تلك اللحظات حرفيًا من لا شيء:

“كنا نصنع مما يُقدَّم لنا خلال الشهر قطعة متواضعة من الحلوى. ممنوع لقاء الأسرى بعضهم ببعض، لكن كنا نتبادل التحية من خلف القضبان، ومن خلف الأبواب، ومن خلف النوافذ. وكنا نصنع فرحة، ونرسم الابتسامة على الوجوه رغم قسوة الظروف.”

وهذا ما يؤكده الأسير المحرر وليد خزيق بكلمات تختصر الصورة:

“العيد داخل السجن ما كان له أي بهجة نهائيًا. لكن من باب إننا نعمل لأنفسنا بهجة، كنا نحاول في وسع النهار نخلق شيء بسيط.”

كانت لجنة الأسرى في كل قسم تنسّق زيارات الغرف والخيام لتبادل التهاني. يروي خزيق:

“في آخر فترة كنا في خيام، وكان فيه تنقّل بين الخيام. أربعة أو خمسة أفراد من الهيئة يلفّون على باقي الخيام من باب إننا نعمل نوعًا ما من طقوس العيد، وإنه نعيد على بعض.”

كانوا يعرفون أن الزيارة العائلية لن تأتي في يوم العيد تحديدًا. كان ذلك حزنًا مألوفًا، لكنه حزن يُتقاسَم بين بشر يشبهون بعضهم، له طعم قطعة الحلوى المصنوعة من فتات الأيام.

ما بعد السابع من أكتوبر — العيد الذي تحوّل إلى جحيم

ثم جاء السابع من أكتوبر 2023، ولم يتغير عدد الأسرى فقط، بل تغيرت طبيعة السجن ذاتها.

يروي الأسير المحرر رائد عبد الجليل ما صار يعنيه يوم العيد داخل الزنازين:

“في آخر فترة، كانت الأعياد أكثر الأيام وجعًا وألمًا. كنا لا نتمنى أن يأتي العيد علينا ونحن في الزنازين، لأن السجانين، وبأمر من ابن غفير، كانوا يضبطون توقيتهم على أيام الأعياد، ليس ليهنئونا، بل ليشعرونا بأكبر قدر من الوجع والألم.”

وكانت البداية أن يُسلَب الأسرى حتى معرفة الوقت. يُكمل عبد الجليل:

“كنا، حين يأتي العيد، قد لا نعرف أصلًا أنه عيد، وربما نعلم بعد يوم أو يومين، لعدم امتلاكنا أي وسيلة لمعرفة الزمن.”

وهو ما يُثبّته العارضة من زاوية أخرى:

“حُرمنا من كل أداة نعرف بها الوقت، حتى أوقات طلوع وغروب الشمس. إحنا صمنا 30 يوم وخلاص، وبعدين عرفنا إنه عيد.”

أما صلاة العيد، تلك اللحظة التي كانت تجمعهم في الساحة وتجعلهم يشعرون بأنهم أمة واحدة، فقد أصبحت تُؤدَّى في الخفاء. يقول عبد الجليل:

“بعض الزنازين كانت تتمكن من أداء صلاة العيد، لكن دون تكبيرات أو رفع للصوت، خوفًا من أن يسمعنا السجانون.”

ويضيف خزيق:

“حتى صلاة العيد صلّيناها بصعوبة، وكانت متأخرة عن وقتها ساعتين أو ثلاث، وبعدد قليل من الأسرى، بسبب الخوف.”

الجحيم الموصوف بالاسم

لم يكن العنف عشوائيًا. كان موقوتًا، مُبرمَجًا، يستهدف اللحظة التي يحاول فيها الأسير أن يشعر بأنه إنسان.

يُعيد عبد الجليل رسم المشهد بتفاصيله:

“وما إن نبدأ بالتهيؤ لتهنئة بعضنا بقول ‘كل عام وأنتم بخير’، ونحاول أن نُقبّل بعضنا ونحتضن بعضنا، حتى كان يبدأ الجحيم. صرخات في الممرات، سبّ وشتم، وقع أقدام ثقيلة، نباح كلاب، وهراوات تُضرب على الأبواب الحديدية بعنف.”

ويُوضّح خزيق الطابع الممنهج لهذا التوقيت:

“التعذيب ما كان مربوطًا لا برمضان ولا بالعيد، كان موجودًا دائمًا. لكن في رمضان والعيد كان يزيد، لأنهم يعرفون إنك عندك طقوس دينية وعبادات، فكانوا ما يخلّوك تمارسها.”

الغاية لم تكن الجسد وحده. يصفها عبد الجليل بدقة:

“كان هذا العنف متعمدًا لزرع الرعب؛ لم يكن الهدف فتح الأبواب أو كسرها، بل إدخال الخوف إلى نفوسنا.”

وما إن تُفتح الأبواب حتى تبدأ مرحلة أخرى:

“ترتفع الهراوات، لكن الغريب أن صوت ضربها يتغير، لأن أجسادنا وعظامنا كانت تمتص ذلك الصوت، بينما كان الوجع يكبر أكثر. كنا نسقط واحدًا تلو الآخر، ثم يُسحب كل واحد منا من يديه أو رجليه إلى ساحة أُعدّت مسبقًا لهذه اللحظة. كانت الأرض مليئة بالمياه الآسنة، مياه المجاري القذرة، ورائحتها خانقة.”

يُكمّل خزيق من جانبه:

“كان في ضرب شديد، يضربك على صدرك، وعلى يديك، وعلى رأسك. ممكن يفتحوا رأسك، وبعدين يجيبوا دبّاسة الخشب ويدبّسوا الجرح — تخيّل دبّاسة خشب على رأس إنسان.”

حين تُغنّي الروح وهي في الماء الآسن

في أعمق لحظات الكسر، كان الأسرى يُثبتون أن فيهم ما لا يُكسر.

يروي عبد الجليل:

“في تلك اللحظات، كانت هناك مواقف ترفع معنوياتنا. أتذكر أخي ورفيقي وجدي جودة، رغم أن يديه كانتا مقيدتين إلى الخلف، بدأ يتحسس شعري ويقول: ‘كل عام وأنتم بخير يا رفاق’. لم نكن قادرين على الرد، من شدة الألم والخوف والقهر، لكنه كان يعرف دواءنا. بدأ يدندن أغنيته المعروفة: ‘بدنا وطن، بدنا وطن’. وكنا، حين نسمعها، نردد خلفه بصوت خافت.”

“كانت الساحة تمتلئ بالمياه الممزوجة بالقذارة والدم، وتمتلئ بأسرى مكسوري الأجساد، وأيدٍ مقيدة، لكنهم يغنون للوطن. في تلك اللحظات، كنا ندرك أن السجن لم يفهمنا بعد، وأن هذا الاحتلال لم يفهمنا. قد يكسرون عظامنا، قد يخيفوننا، قد يغرقوننا في المياه، لكنهم لم يستطيعوا أن يقتلوا الروح النضالية فينا.”

صوتهم في العالم — شهادة الأشقر

يُلخّص الأسير المحرر وسامة الأشقر ما يطلبه الأسرى في هذه اللحظة، لا بلغة الشكوى، بل بلغة من يعرف حقّه:

“حُرمنا من الخروج إلى الساحات، حُرمنا من الصلاة الجماعية، حُرمنا من مواساة بعضنا، حُرمنا من أكل حلويات العيد، وحُرمنا من أبسط الشعائر الدينية التي هي حق مكفول لكل البشرية ولكل إنسان في هذا الكون. لنكن صوتهم في العالم أجمع.”

عيد 2026 — استثنائي في الاستثناء

هذا العيد يأتي في سياق يتراكب فيه الألم فوق الألم. فإلى جانب استمرار حرب الإبادة على غزة، يعيش الأسرى في ظل تصعيد إقليمي مستمر يُضعف الاهتمام الدولي بملفهم. هذا المناخ لا ينعكس على الزنازين فقط، بل يوسّع عزلتهم، ويجعل معاناتهم أقل حضورًا في الأجندة الدولية.

وفق مؤسسات الأسرى الفلسطينية، تحتجز سلطات الاحتلال أكثر من 9,350 أسيرًا ومعتقلًا فلسطينيًا في ظل ظروف وُصفت بغير الإنسانية. أكدت المقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيزي وجود أدلة موثقة على تعذيب ممنهج وانتهاكات جسيمة بحق الأسرى. وتمنح شهادات المحررين الواردة في هذا التقرير صورة ميدانية لما تعنيه هذه الأرقام في الواقع.

توصيات مؤسسة العهد الدولية

أولًا: الضغط الفوري لإتاحة زيارات منتظمة وغير مقيّدة من الصليب الأحمر الدولي لكافة مراكز الاحتجاز.

ثانيًا: استنكار صريح من هيئات الأمم المتحدة لانتهاك اتفاقية جنيف الثالثة المتعلقة بحق المعتقلين في ممارسة شعائرهم الدينية.

ثالثًا: فتح تحقيق دولي مستقل في الشهادات الموثقة المتعلقة بالتعذيب الممنهج خلال أوقات الأعياد الدينية تحديدًا.

رابعًا: توثيق شهادات المحررين عبر مؤسسات حقوقية دولية ورفعها إلى المحكمة الجنائية الدولية.

 

في الأعياد التي مضت، كان أسير يجلس ممدودًا على أرض مليئة بمياه المجاري، يداه مقيدتان إلى الخلف، ويسمع رفيقه يتحسس شعره ويهمس: “كل عام وأنتم بخير يا رفاق.”

هذه الجملة البسيطة كانت تعني: أنا ما زلت هنا. أنا ما زلت أعرف اسمك. أنا ما زلت إنسانًا.

هذا العيد، يريد الاحتلال أن يسرق حتى تلك الجملة.

مهمة التوثيق مهمة بالضبط لأن هذا يحدث الآن، وبالضبط لأن هناك من يريد ألا يُوثَّق.

وإذا لم يُكتب هذا الآن، فسيُعاد ارتكابه بصمت.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007. يرجى ارسال ملاحظات لـ akkanet.net@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد الأخبار
  • اعلان مربع اصفر
  • عكانت مربع احمر