• 657124814
  • 41651

في ذكرى رحيل عاشق ومجنون حيفا… حسن عبادي

صورة أحمد دحبور في حيفا

في ذكرى رحيل عاشق ومجنون حيفا

حسن عبادي/ حيفا

.

ولد الشاعر أحمد دحبور في حيِّ وادي النسناس الحيفاويّ يوم 21 أبريل عام 1946، وهُجِّرَ منها في النكبةِ حين كان في الثانيةِ من عمرِهِ.

كانت حيفا حبّه الأزليّ، كانت تُحضرُها والدتُهُ دومًا في غنائِها، إذ تأخذُه معها في كلّ أغنيةٍ، بصوتها المميّز الجميل، إلى حلم حيفا، ذاك الصوت الذي يحملُ بأشجانِهِ حنينَهُ إلى حيفا، حيفا الجنّة، حيفا الحاضرة، العصيّة على النسيان.

تحدّث دائماً عن الذاكرةِ والطفولةِ والوجدانِ الفلسطينيّ الذي لا يُنسى، ولا يُغفر نسيانُهُ، تحدّث عن معاني المنفى والعودة، مؤكّدًا بجميلِ كلمتِه أنّ بحرَ حيفا لن يخونَ أبناءَ مدينتِهِ العزيزة، فمنه ستأتي موجةُ العودة القادمة لا محالة.

تجولنا ذات صباح في شوارع حيفا، جلسنا لنشربَ القهوةَ في أزقّة وادي النسناس مع أهلِها، متأثّرًا بتلك اللحظة أخذ يسترسل بأبياتِ شعرٍ من قصيدته: يا طيورًا طائرهْيا وحوشًا سائرهْبلّغي دمعَ أمي أن حيفا لم تزل حيفاوأني أسأل العابرَ عنها في ربوع الناصرهْ“.

كان للمنفى والاغتراب حضورٌ مميّزٌ في حياته، فهو حيفاويٌّ حتى النخاع، حمل حيفا معه إلى كلّ مكان، كما فعل صديقُهُ الـعائد إلى حيفاطيّبُ الذكرِ غسّان كنفاني، فهو، نعم هو، مجنون حيفا!

جلسنا في مقهى بحريٍّ على سفوحِ الكرملِ وشاطئِ حيفا، برفقة صديقنا الراحل حنا أبو حنا، لم يكفَّ عنِ الحديثِ عن معشوقتِه حيفا، وحين ناولتُه ديوانَهُهنا وهناكليوقّعَ عليه، انسكبت دموعُه وألقى على مسامعِنا قصيدتَهمسافر مقيم:

وكيف جئت أحمل الكرمل في قلبي

ولكن كلما دنا بعد؟

حيفا، أهذي هي؟

أم قرينة تغار من عينيها؟

لعلها مأخوذة بحسرتي

حسرتها علي أم يا حسرتي عليها؟

وصلتها ولم أعد إليها

وصلتها ولم أعد إليها

وصلتها ولم أعد

دمعت عيناه حين قدّمت له، برفقة زوجتي سميرة، في أمسية حيفاوية لوحة فنيّة معبّرة عن حيفا وشموخها الكرمليّ من تصميم صديقي الفنان التشكيلي المبدع ظافر شوربجي.

وحقّقنا له، ولزوجته رحاب (لروحها الرحمة والسكينة)، مساء اليوم التالي رغبته بسهرة على شاطئ عكا (في مطعم المرسى) برفقة الأصدقاء خولة وإياد سلايمة.

انتمى شاعرنا إلى جيل الذبيحة وهو القائل:

كنت المنادَى، ربما والمناديا

تذكّرت من يبكي عليّ فلم أجد

سواي، على جيل الذبيحة/ باكيا

كان أحمد راويةَ المخيّم، وصل حيفا ولم يعُد إليها حين صُدِم بصدمة العودة، بقي يحملُ فجيعةَ الغيابِ، يحملُ الخيبةَ، لكنّ صوتَ اللجوءِ والعودةِ المشتهاة لم يكن ليخبوَ أبدًا، بل ما زال يشتعلُ يحرقْ الأفئدةَ.

حيفا، كانتْ ولا زالتْ، تجمعُنا أينما كنّا، تسكُنُنا وتذكّرُنا بكلّ ما هو جميل حاضر  ففي حيفا يمسي الغيابُ حضورًا، ويمسي الحنينُ واقعًا

وإذا كان أحمد قد رحل عنّا قسرًا، فهناك عودةٌ تدغدغُ أحلامَ أخوتِنا في الشتات، وهي قادمةٌ لا محالة.

حيفاك الأبيّة، تستصرخُك حيفا، وتؤكّدُ لك، أنّه على الرغمِ من محاولات السلطةِ اقتلاع الحيفاويّين من بيوتِهم وطمسِ الوجودِ الحضاريّ من طبيعة المكانِ، بحرًا وكرملًا وأحياء، سيبقى حيُّك، أيّها المولود في حيّوادي النسناسالعريق، باقيًا حاضرًا، عصيًّا على التغييب أو الغياب.

رحل أحمد في مثل هذا اليوم عام 2017.

الرحمة لروح الذي زرع اللوز الأخضر في الدار

عزيزي أحمد؛

أنت الحضورُ وإنْ غبتَأنت الشعرُ وإنْ سكتَّ، أنت الصوتُ الخالدُ وإنْ رحلتَ

حيفا 08.04.2026

صورة أحمد دحبور وحنا أبو حنا وحسن

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007. يرجى ارسال ملاحظات لـ akkanet.net@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد الأخبار
  • اعلان مربع اصفر
  • عكانت مربع احمر