ما أصعب أن تكتب عن وطنٍ صار الجرح فيه هوية، والدموع فيه خبزاً يومياً. لبنان، ذلك الأخضر المعلق بين زرقة المتوسط وشموخ صنين(جبل صنين هو أحد جبال لبنان الغربية. ترتفع أعلى قممه 2695 مترا عن سطح البحر ويعد ثاني أعلى قمم جبال لبنان.)، لم يعد اليوم سوى حكاية شجنٍ طويلة، وقصيدةٍ مكسورة الوزن، تئن تحت وطأة الأزمات التي تترى عليه كأمواج لا تهدأ.
وطنٌ يشيخ في ريعان الأمل
منذ سنوات، ولبنان يرزح تحت أثقالٍ لا تنوء بها الجبال. بدأت كأزمات اقتصادية خنقت الأنفاس، ثم تحولت إلى ثقوبٍ سوداء ابتلعت أحلام الشباب ومدخرات الشيوخ. كيف لوطنٍ كان يُسمى “سويسرا الشرق” أن يتحول إلى ساحةٍ للصراع، ومنارةٍ تنطفئ أنوارها في ليل العتمة الشاملة؟
نزيف الهجرة: لم تعد الطائرات المغادرة من مطار بيروت تحمل مسافرين، بل تحمل “بقايا وطن”؛ عقولاً شابة، وأطباء، ومهندسين، يفرون من واقعٍ سدّ في وجوههم كل أبواب الرجاء.
وجع الانهيار: الليرة التي كانت رمزاً للاستقرار، باتت اليوم ورقةً لا تستر عوزاً، ولا تشتري كرامة عيش في ظل غلاءٍ فاحش ينهش أجساد الفقراء.
بيروت: ست الدنيا.. ومأتم الزمان
ولا تكتمل مأساة لبنان دون العودة إلى ذلك الجرح الذي لم يندمل: انفجار المرفأ. تلك اللحظة التي انشقت فيها الأرض، وتصاعد فيها دخان الموت ليغطي وجه المدينة الجميل. في تلك الثواني، لم تسقط الجدران فحسب، بل سقطت معها ثقة الإنسان بوطنه، وامتزجت رائحة الياسمين برائحة البارود والدم.
“يا بيروت.. من باع سواركِ المرصع بالنجوم؟ ومن أطفأ القنديل في عينيكِ؟”
لقد تحولت العاصمة من ملتقى للثقافة والفن إلى ركامٍ يبحث فيه الثكالى عن حقيقةٍ ضائعة، وعدالةٍ مكبلة بقيود السياسة والتجاذبات.
صمودٌ بطعم العلقم
رغم كل هذا السواد، يطلّ اللبناني برأسه من تحت الأنقاض، متمسكاً بـ “عنفوان الأرز”. لكنه صمودٌ مرير، صمود من لا يملك خياراً آخر سوى البقاء على قيد الأمل. إن المأساة الحقيقية ليست في نقص الكهرباء أو الدواء فحسب، بل في تلك الغصة التي تسكن الحناجر كلما ارتفع النشيد الوطني، وفي ذلك السؤال المعلق في فضاء المجهول: إلى متى؟
دعاءٌ للأرض الجريحة
إن لبنان اليوم ليس مجرد خارطة جغرافية، بل هو اختبارٌ للضمير الإنساني. إنه طائر الفينيق الذي يُراد له ألا ينهض من رماده هذه المرة. ولكن، كما علمتنا الدروس، فإن الضوء لا بد أن يتسلل من بين الشقوق، وأن الأرز الذي عاصر الغزاة والفتن، سيبقى ضارباً جذوره في الأرض، بانتظار فجرٍ يغسل وجه لبنان بماء الطمأنينة والسلام.
يَمامةٌ من ضوءٍ خرساء، تنقرُ صمتَ المدى بمناقيرَ من حنين. هناك، حيثُ يغدو الصدى عِطراً يُرى، واللونُ صرخةً تُسمع في أروقة الروح.
لبنانُ.. يا مصلوباً على خشب الأرزِ، تارةً يغسلكَ البحرُ بدموعِ المحارة، وتارةً تشتعل فيكَ الجهاتُ كخارطةٍ من وجعٍ مُقيم.
أرى في عروقكَ نبيذاً من كبرياء، يعصره الزمان في دِنانِ الصبر، فتفوحُ من جرحكَ رائحةُ الزعتر المسبيّ.
أنتَ الاستعارةُ التي لا تكتمل، والتشبيهُ الذي يَفِرُّ من لغوهِ إلى حقيقةِ الموتِ والحياة. فجركَ طفل يحبو فوقَ أنقاضِ القصيدة، وشمسُكَ رغيفٌ محروق يقتسمُه الجوعى في مأدبةِ الرماد.
يا قديسَ الأزمات، يا من يمشي على الماء بقلبٍ من طينٍ وفكرٍ من نور، كأنكَ سِدرةُ المنتهى في معراجِ العذاب.
أتسمعُ حشرجةَ الحروف؟
إنها خلاخيلُ الأرق فوقَ أقدامِ الليالي الطوال.
عناقيدُ الضوءِ تتدلى من سقفِ ألمكَ، كأنها ثرياتٌ من دمعٍ جمدتهُ الصدمة
هُنا، نلتقي عندَ حدودِ المعنى، حيثُ الرمزُ فانوسٌ مكسور، والذكرى قيد من ياسمين
فيا وطناً يرتدي ثوب الفناء ليغزِل منهُ قميصَ البقاء، طِب نفساً.. فالموسيقى الكامنةُ في أنينكَ، هي ذاتُها التي سيعزفُها القيامةُ غداً، حينَ تنهضُ من رمادِكَ.. طائراً فينيقياً، يغسلُ جناحيهِ بنورِ الحقّ، ويحلّقُ في فضاءِ الوجدِ الأبديّ.
هانم داود




