• 657124814
  • 41651

فيروز والأغاني على طريق القدس… بقلم: حمزة البشتاوي

‎⁨حمزة البشتاوي⁩

فيروز والأغاني على طريق القدس

ذهبت، قبل سنوات قليلة، فتاة فلسطينية كانت تعيش في أحد المخيمات الفلسطينية في لبنان إلى الداخل الفلسطيني، فور حصولها على جنسية أجنبية. وبعد أن حطّت في مطار بن غوريون، صعدت إلى الحافلة لتقوم بجولة تجوب فيها عددًا من الطرقات والمدن، دون أن تشعر بأي إحساس تجاه تلك الطرقات والمدن التي رأتها تشبه المدن الأجنبية التي جاءت منها، وتشبه القادمين إليها من الشرق والغرب أكثر مما تشبه صورتها في الذاكرة، المليئة بالمعالم التي رسمتها حكايات الآباء والأجداد عن الدار، وأشجار اللوز والتين والزيتون والصبّار.

كانت الفتاة تتوقع، منذ لحظة وصولها، أن ينادي عليها الزيتون وحجارة البيوت القديمة باسمها، لكن ذلك لم يحصل، ولم يهتز قلبها، ولم تُصب بالرعشة التي سمعت عنها في قصص العائدين. وراحت تسأل نفسها: هل أنا غير وطنية؟ وكيف لا أبكي ولا أشعر بأنني قد عدت إلى بيتي؟ وهل أنا مصابة بنقص الحنين وضعف الذاكرة؟

بقيت الفتاة على هذه الحال إلى أن وصلت إلى مدينة القدس، وتحديدًا البلدة القديمة، وحينها انهارت من البكاء، وراحت تُقبّل حجارة الأرض والأزقة. ولم تهدأ حتى حضر صوت فيروز، كنسمة صيف باردة في صباح حار، وراحت تغني معها للقدس وشوارعها وأسواقها وأهلها الطيبين، مرددة كلمات أغنية «القدس العتيقة» التي غنتها السيدة فيروز بحب وإيمان، بعد زيارتها إلى مدينة القدس، مدينة الصلاة والسلام، في ستينيات القرن الماضي.

يعشق الفلسطينيون، كغيرهم من الشعوب، أغاني السيدة فيروز عن القدس والحب والقرية والصيف والشتاء، ويعتبرون صوتها جزءًا من التراث العاطفي والذاكرة الثقافية، لما يحمله من معانٍ إنسانية وروحية ووطنية، بكلمات أكدت مكانة القدس التاريخية والدينية، وأبرزت قوة الفن في التعبير عن مشاعر الناس وآمالهم.

يشبه صوت فيروز الهادئ والساحر والعميق مدينة القدس في سكونها وشموخها المهيب. وحين يحضر صوتها في القدس، تعود الذاكرة إلى الإنسان والمكان، ويتراجع ضجيج الاحتلال بعيدًا عن المدينة وعن صوت فيروز، لأنهما يوقظان في النفس الإحساس والمشاعر النبيلة، ويرفعان معًا سيف الكلمة المكللة بالجمال، والمسكونة بصدق الانتماء.

في القدس تشعر بأن الصوت مدينة، وأن المدينة صوت تدركه الروح وشغاف القلوب، كجمر يخرج من تحت رماد الخذلان. وفي فلسطين الممتدة على كامل الخارطة مدن لا تُزار بالخطى فقط، لأنها تسكن في حنايا قلوب أبنائها، الذين ينظرون إلى تلك المدن وصوت فيروز، فيرونهما يشتركان معًا في الانتماء إلى عالم النور والذاكرة والحنين، وكثافة التاريخ والمعنى، في مدينة تمشي فيها خطى الأنبياء إلى جانب خطى البسطاء، وتتعانق فيها المآذن والأجراس، ويصافح الغيم قمم الجبال.

وعن وجه الشبه بين مدينة القدس وصوت السيدة فيروز، يقول النشيد الذي يتردد صداه في الحارات والأزقة والقلوب، من جيل إلى جيل، إن هذا الشبه يكمن في حكاية الصمود التي تجمع بين الروح والإيمان والأمل والصبر والمحبة، في مواجهة محاولات التغييب والإلغاء، والمس بهوية القدس، التي يعيش فيها صوت فيروز رمزًا لا يشيخ، ويساهم في الحفاظ على ذاكرة المكان بقلب ينبض في الوجدان، حيث يمنح صوتها الروح هدوءًا وقوة لا تنكسر، في المدينة التي تلتقي فيها الأرض بالسماء.

ومع صوت فيروز أيضًا، يمكن للإنسان الذي يرفض الطغاة والغزاة أن يدخل إلى القدس، ليس فقط من أبوابها الحجرية، بل من خلال فضاء الذاكرة، ودليله رائحة الجدران التي تمنح شوارع المدينة حياة لا تُقاس بالأعوام والوقائع، وكذلك من خلال الشعر والأغاني وجمال الصوت الذي أصبح وثيقة تحفظ للقدس صورتها العالقة بين الألم والرجاء.

لا تحتاج مدينة القدس إلى من يضيف إليها مجدًا، فهي مدينة يفيض تاريخها بالمجد والعنفوان على مر العصور والأزمان. لكن المدن العظيمة تحتاج دائمًا إلى أصوات تذكّر العالم بأنها ما زالت موجودة، على صعيد المبنى والمعنى، في الزمان والمكان. وكان صوت فيروز، بكل البهاء والرقي، صوتًا حمل المدينة في قلبه، بما يعيد للحكاية أصالتها ووجهها الإنساني الجميل. وبهذا الصوت الملائكي أصبحت الأغنية طريقًا إلى القدس، وإلى الحرية والعدالة والإيمان.

حمزة البشتاوي
كاتب وإعلامي

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007. يرجى ارسال ملاحظات لـ akkanet.net@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد الأخبار
Arabesk 2026