إن تجريم التضامن مع الشعب الفلسطيني إنما هو جريمة بحد ذاتها، ومن يحرضون على أي نشاط تضامني مع الشعب الفلسطيني المظلوم إنما هم شركاء في الجريمة المرتكبة بحق هذا الشعب المنكوب.
إن التضامن مع الشعب الفلسطيني في محنته وآلامه وأحزانه وأوجاعه إنما هو واجب أخلاقي وإنساني بالدرجة الأولى.
نعلم جيدًا أن اللوبي الصهيوني له نفوذ في أرجاء العالم، وخاصة في أمريكا، ولكننا نشهد اليوم ظاهرة مزعجة لهذا اللوبي، وهي اتساع رقعة التضامن والتعاطف مع الشعب الفلسطيني، حيث إن هنالك شعوبًا متحضرة ومن كافة الأديان والأعراق، تعبر عن مناداتها بتحقيق العدالة المغيبة في فلسطين، والوقوف إلى جانب شعبنا أمام هذا الكم الهائل من المآسي والمظالم التي يتعرض لها.
بالأمس نُسف مبنى آيل للسقوط في غزة، فأدى ذلك إلى استشهاد العشرات، ناهيك عن الجرحى والمصابين. وهذه الظاهرة تحدث بشكل مستمر ومتواصل، فالقصف لم يتوقف، والتدمير الممنهج مستمر، ومن يدفعون الثمن إنما هم أبناء شعبنا الذين حُكم عليهم أن يكونوا محاصرين، وأن يعيشوا أوضاعًا مأساوية وكارثية، في ظل حرب لم تتوقف وقتل ممنهج مستمر ومتواصل.
نتمنى وننادي بأن تؤدي مسألة اتساع رقعة الوعي والتضامن مع الشعب الفلسطيني إلى التأثير على سياسات الحكومات، لكي تتوقف محنة شعبنا.
إلى متى سوف تستمر محنة غزة، التي تحولت إلى دمار وركام؟ وإلى متى سوف تستمر معاناة الإنسان الفلسطيني في القطاع، والذي تحول إلى لاجئ في بلده، ومن بقي على قيد الحياة يعيش فوق أنقاض المنازل المدمرة؟
لم يبقَ شيء في غزة يوحي بأن هنالك حياة؛ فالموت في كل مكان، والدمار والخراب منتشر في كل زاوية من زوايا القطاع، وبات أبناء غزة يشعرون وكأن العالم قد تخلى عنهم وتركهم لقمة سائغة لعدوان غاشم لم يتوقف، وقد أدى هذا إلى كم هائل من الآلام والأحزان والمعاناة.
ننادي كافة الأحرار في عالمنا ونقول: إلى متى سوف تستمر محنة غزة؟ وما فائدة المسيرات والمظاهرات والخطابات التضامنية إذا لم تكن نتيجتها الضغط على الحكومات في هذا العالم من أجل أن يتوقف هذا العدوان الغاشم؟
ما يحدث في غزة ليس خبرًا عاجلًا، وليس نبأً روتينيًا، وليس حدثًا يجب أن يتأقلم معه البعض وكأنه أضحى مشهدًا يوميًا اعتياديًا.
ما يحدث في غزة ليس مشهدًا اعتياديًا روتينيًا، بل هي مأساة شعب وكارثة ونكبة إنسان يستحق الحياة، وذنبه أنه في القطاع ويدفع فاتورة باهظة من دمائه بسبب حرب ظالمة فُرضت عليه.
لا يجوز أن يستمر هذا الحال في غزة، والناس يتضورون جوعًا وعطشًا ويعيشون فوق أنقاض منازلهم المدمرة، وأولًا وقبل كل شيء يبكون شهداءهم. والشهداء ليسوا أرقامًا، وكل قطرة دم لها قدسيتها، لأن الله خلق الإنسان وحباه بنعمة الحياة، ومن يعتدي على حياة الإنسان إنما يعتدي على الإرادة الإلهية.
إن محنة غزة يجب أن تتوقف الآن، الآن وليس غدًا، فكل يوم إضافي في غزة يعني مزيدًا من الشهداء، ومزيدًا من الدماء والآلام والأحزان والمعاناة.
لم يعد من الممكن الانتظار؛ فالانتظار في غزة يعني مزيدًا من الآلام والمعاناة والدماء، فالوقت في غزة يختلف عن أي مكان آخر.
الوقت في غزة مليء بمعاناة شعب، ودموع أمهات، وبكاء أطفال، وانتشال لجثامين ترقد تحت الركام.
يكاد المرء لا يصدق أن هذا يحدث ونحن في القرن الحادي والعشرين.
يكاد المرء لا يصدق أن هذا يحدث في هذا الزمن الذي يتغنى به الكثيرون في هذا العالم بحقوق الإنسان، وحقوق الحيوان، وبالحريات بكافة أشكالها وألوانها.
أين أنتم يا قادة العالم من كارثة شعب منكوب، ذنبه الوحيد أنه يعيش في غزة ويريد أن يبقى في غزة، وهو متشبث بانتمائه لهذه الأرض وهويتها وقضيتها العادلة؟
لم يعد ممكنًا الانتظار. لقد آن لمحنة غزة أن تتوقف وتنتهي بسرعة، وأن تبدأ الإغاثة، فلا يجوز أن يُترك أهلنا هناك جياعًا، وهم يُحرمون من الماء والدواء ومن أبسط مقومات الحياة.
غزة وجعنا جميعًا، وهي وجع كل إنسان حر في هذا العالم. فقد توحدت شعوب الأرض في الدفاع عن غزة، وفي المناداة بوقف العدوان الذي تتعرض له. والتضامن مع غزة ليس مشروطًا بانتماء ديني أو مذهبي، فهنالك منتمون إلى الديانات التوحيدية الثلاث، كما وهنالك أتباع لغيرها من الأديان الموجودة في عالمنا، فقد وحدتهم الالام غزة ومحنتها، وهم ينادون بأن يتوقف هذا العدوان.
ونتمنى أن تصل أصواتهم إلى البيت الأبيض، وإلى قصور الزعماء ومقرات الرؤساء، لكي يتحركوا جميعًا من أجل أن تتوقف هذه المحنة.
إنها محنة شعب في غزة المنكوبة، وكذلك في الضفة التي تعاني ما تعانيه في ظل سياسات الحصار والاقتحامات والاستيلاء على الأراضي، ومنع الإنسان الفلسطيني من أن ينتقل من مكان إلى مكان.
أين هو العالم المتحضر من معاناة شعبنا؟
فنحن، في الوقت الذي نشكر فيه أحرار العالم على تضامنهم النبيل، فإننا نتمنى أن تُترجم هذه المواقف إلى أفعال وقرارات وإجراءات وسياسات يتخذها قادة العالم، لكي تتحقق العدالة المغيبة في هذه الديار.
كان الله في عون أهلنا في غزة الجريحة والمنكوبة، وهم يعيشون في ظل أوضاع كارثية ومأساوية، ونتمنى أن تتبدل الأحوال وأن تتغير الظروف قريبًا وسريعًا، فلم يعد من الممكن استمرار هذا الحال، حيث إن هنالك أكثر من مليوني إنسان يعيشون مأساة وكارثة غير مسبوقة في التاريخ البشري الحديث.
المطران عطاالله حنا
رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس
القدس – 16 أيلول 2026




