• Dabah Baner
  • 657124814

الله محبة، ونرفض خطاب الكراهية والعنصرية، أياً كان لونه وأياً كان شكله

المطران عطا الله حنا

الله محبة، فهذا ما ننادي به في كل حين، وخاصة في هذا اليوم المقدس. فلا مسيحية بلا محبة، ولا إيمان ولا روحانية بلا محبة. ومن يفقد المحبة والرحمة إنما يفقد إنسانيته وإيمانه، ونتمنى له أن يعود إلى رشده وإنسانيته وإيمانه القويم.
كثيرة هي وسائل التواصل الاجتماعي التي تحمل الطابع الديني، لكنها في الواقع تحرّض على الكراهية والعنصرية، وهذا أمر لا يمكن قبوله أو تبريره بأي شكل من الأشكال.
يحق لكل مؤمن أن يدافع عن قيم إيمانه، ولكن دون التحريض والإساءة والتخوين والتكفير.
إن المنصات الإعلامية التي تتخذ الطابع الديني وتحرّض على الكراهية والعنصرية إنما تسيء، في الواقع، إلى الدين ورسالته في هذا العالم.
أنا أنتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية، وأفتخر بانتمائي إليها؛ ففيها تعمّدت، وفيها تربّيت وكبرت، واليوم أخدم فيها كأكليريكي وأسقف، وأرفع رأسي عالياً بانتمائي إلى كنيستي، وهي أقدم وأعرق كنيسة موجودة في هذه البقعة المباركة من العالم.
أنا أرثوذكسي وأفتخر بذلك، ولكن أرثوذكسيتي لم تكن في يوم من الأيام  حاجزاً أو سوراً يفصلني عن أخي الإنسان، سواء أكان مسيحياً أم غير ذلك.
إلى أولئك الذين يدّعون أنهم يبشّرون بالمسيحية ويدافعون عنها، أقول لهم: كونوا سفراء للإنجيل في مجتمعكم، ولا تدافعوا عن المسيحية بأساليب ليست مسيحية، فالمسيحية لا تحثّنا على الكراهية والعنصرية تجاه أي إنسان، حتى وإن اختلف عنا في معتقده أو دينه.
عندنا الديانات التوحيدية الثلاث: المسيحية والإسلامية واليهودية، ولا يجوز على الإطلاق أن نحرّض على أي إنسان بسبب انتمائه الديني. نحن نرفض الشرور الموجودة في هذا العالم، أما الأشرار فيجب أن نصلّي من أجلهم لكي يتوبوا ويعودوا إلى إنسانيتهم ورشدهم.
نحن نعيش في زمن عصيب، حيث تنزف فلسطين دماً، ويعيش شعبها المظالم في مختلف تفاصيل حياته. كما أن العالم كله يعيش حالة من الاضطراب والانفلات الأخلاقي؛ فنرى دولاً في هذا العالم تتغنّى بالحريات والديمقراطيات وحقوق الإنسان، بينما تتجاهل ما يتعرّض له الإنسان الفلسطيني من مظالم مروّعة وجرائم بحق الإنسانية.
نعيش أوقاتاً عصيبة تحتاج منا إلى الألفة والمحبة والتعاون والتفاعل بين مكوّنات مجتمعاتنا، بعيداً عن لغة التكفير والإقصاء والعنصرية، التي لا يستفيد منها إلا أعداؤنا، أولئك الذين يريدوننا ان نكون منقسمين على أنفسنا، من خلال الفتنة والطائفية وتقسيم المجتمعات.
يحق للمسيحي أن يدافع عن مسيحيته، ويحق للمسلم أن يدافع عن دينه، ويحق لليهودي أيضاً أن يدافع عن معتقده، ولكن يجب الابتعاد عن لغة الكراهية والتحريض والعنصرية. فنحن، كفلسطينيين، لا نكره اليهودي لأنه يهودي، بل نرفض الحركة الصهيونية والعنصرية الممارسة تجاه الشعب الفلسطيني، وكذلك الممارسات العنصرية التي تستهدف هذا الشعب.
وكما نرفض العنصرية الصهيونية التي تلبس ثوب الدين، علينا أن نرفض أي نوع آخر من العنصرية. فالمسيحي الذي يتحدّث بلغة عنصرية إنما يسيء إلى مسيحيته، والمسلم الذي يتحدّث بلغة عنصرية يسيء إلى دينه. والبشر جميعاً، وإن تعدّدت أديانهم انما ينتمون إلى أسرة بشرية واحده خلقها الله؛ فنحن عائلة واحدة، وإلهنا واحد، وهو الذي يدعونا إلى المحبة والرحمة والإنسانية.
في هذا اليوم المبارك، أقول للمسيحيين في هذه الأرض إن مسيحيتكم تحثّكم على الإنسانية والرحمة ومحبة الإنسان.
المسيحية تحثّكم على المحبة التي لا حدود لها و هي ليست مشروطة باي شيء ومن يحبّ عليه أن يضحّي في سبيل من يحب. ونحن نعرف الظروف الصعبة التي نعيشها في هذه الديار، في ظل سياسات الاحتلال وحصاره ومنع الإنسان الفلسطيني من الوصول إلى عمله وقدسه ومقدساته، الأمر الذي جعل البعض يفكّرون بالهجرة.
وأنا أقول للمسيحيين: من أحبّ كنيسته أحبّ وطنه، وبقي في أرضه وصمد وثبت فيها، حتى وفي أقسى الظروف. اقرأوا تاريخ الكنيسة، وانظروا كيف عاش المسيحيون الأوائل في ظروف الاضطهاد والاستهداف، وكيف ازدادوا، كلما اشتدّ عليهم الاضطهاد والاستهداف، إيماناً ويقيناً وصموداً في مسيحيتهم وإنسانيتهم.
من كان مسيحياً حقاً، فعليه أن يدافع عن شعبه وعن الإنسان الفلسطيني المظلوم، وألا يستمع إلى أولئك الذين يقولون إن هذا شأن سياسي لا يجوز لنا التدخل فيه.
إن الدفاع عن الأرض المستهدفة والمستباحة، وعن الإنسان المظلوم، ليس شأناً سياسياً فحسب، بل هو شأن إنساني وأخلاقي بامتياز، بل أجرؤ على القول إنه شأن مسيحي بالدرجة الأولى؛ فالمسيحي الحقيقي لا يبقى صامتاً أمام الظلم، بل ينادي دوماً بالكرامة الإنسانية وصون حقوق الإنسان.
ندرك جيداً أن الأبواق المغرضة، إلى جانب الأوضاع السياسية الراهنة وتراجع مستوى التربية والتعليم السليم، انما دفعت البعض إلى الانعزال والتقوقع الابتعاد عن القضايا الوطنية والاجتماعية.
لا يجوز للمسيحي أن يكون منعزلاً عن مجتمعه، بل يجب أن يكون سفيراً لإنجيله في هذا المجتمع وفي هذه البيئة التي نعيش فيها. وحتى إن استمعنا إلى من يكفّرنا ويسيء إلينا، فعلينا أن نقدّم الصورة الحقيقية للمسيحية، المسيحية التي تعلّمنا المحبة والرحمة والإنسانية.
لا يجوز أن نردّ على الخطاب التكفيري بخطاب تكفيري من نوع آخر، ولا أن نردّ على الخطاب التحريضي بخطاب تحريضي من نوع اخر .
الله محبة، وعندما تغيب المحبة عن حياتنا، تصبح هنالك غشاوة تحول دون أن يرى البعض ويسمعوا ما ينبغي لهم أن يروه ويسمعوه.
القدس مدينة مقدسة في الديانات التوحيدية الثلاث، ولا يجوز لأحد أن يحتكر المدينة المقدسة وكأنها له وليست لغيره. ومشكلتنا مع الاحتلال أنه يريدها مدينة يهودية، دون الأخذ بعين الاعتبار أنها مدينة مقدسة في الديانتين المسيحية والإسلامية.
القدس في المسيحية هي قبلتنا الأولى والوحيدة، فلا يوجد في المسيحية ما هو أقدس وأهم من القدس والقبر المقدس، حيث القيامة وحيث النور الذي سطع ليبدّد ظلمات هذا العالم.
نتمنى أن ينير هذا النور الإلهي القلوب والعقول في كل مكان، لكي تعود إلى رشدها وإنسانيتها.
«أحبّوا بعضكم بعضاً»، هذه هي دعوتنا اليوم للمسيحيين ولغيرهم، فكلنا ننتمي إلى أسرة بشرية واحدة خلقها الله، ويجب أن نحبّ بعضنا بعضاً.
المحبة تجمعنا وتوحّدنا، أما الكراهية والعنصرية والطائفية فتفرّقنا. ونحن في زمن نحتاج فيه إلى الوحدة والاخوة الصادقة للدفاع عن تاريخنا ووجودنا ومستقبلنا في هذه الأرض المقدسة.
الوحدة حاجة ملحّة لكي نكون أقوياء في دفاعنا عن أنفسنا ومقدساتنا وشعبنا الفلسطيني المظلوم.
أن تكون متديناً، فهذا أمر حسن، ولكن أن تستعمل الدين من أجل بثّ سموم الكراهية، فهذا أمر يجب أن نلفظه ونرفضه جميعاً.
الفلسطينيون شعب واحد، مسيحيون ومسلمون، عاشوا معاً ويتألمون معاً ويعانون سوياً. والاحتلال لا يميّز بين هذا وذاك؛ فكلنا مستهدفون، وهناك من يريد اقتلاعنا من أرض نحن متشبثون بترابها، وجذورنا عميقة في أرضها.
الوحدة الوطنية الإسلامية المسيحية ليست شعاراً نتغنّى به، بل هي حاجة ملحّة لكي نكون أقوياء في دفاعنا عن أنبل وأعدل قضية عرفها التاريخ الإنساني الحديث.
أنتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية، وأنا خادمها وسأبقى كذلك حتى الرمق الأخير، ولكن إيماني يعلّمني المحبة والرحمة، وإنسانيتي تعلّمني أن أعيش الفرح مع الفرحين، والألم مع المتألمين.
أقول للكنائس المسيحية في العالم وللمسيحيين في كل مكان: عيشوا الألم مع المتألمين، والتفتوا إلى فلسطين، الأرض المقدسة التي تنزف دماً، ودافعوا عن هذا الإنسان المظلوم.
أن تكون مسيحياً حقاً، فهذا يعني أن تكون مدافعاً عن كل إنسان مظلوم ومتألم وحزين، وخاصة في هذه الأرض المقدسة، مهد المسيحية وحاضنة أهم المقدسات المسيحية.
المسيحيون في هذه الديار أصبحوا قلة من حيث العدد، ولكنهم ليسوا أقلية، ويجب أن يكونوا خير من يمثّل إيمانهم المسيحي في مجتمعهم ووطنهم.
أيها المسيحيون في هذه الديار، كونوا عائلة واحدة، ولا تقبلوا بأن يمزّقكم أحد أو يقسّمكم. أحبّوا إخوتكم المسلمين، وانتموا إلى شعبكم وقضيتكم، وارفضوا أي خطاب يسعى إلى اقتلاعكم من أصالتكم الروحية والإنسانية والوطنية.

المطران عطا الله حنا

رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس
القدس، 17 تشرين الأول 2026

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007. يرجى ارسال ملاحظات لـ akkanet.net@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد الأخبار
  • اعلان مربع اصفر
  • عكانت مربع احمر