حين تصبح المواطنة رهينة الخوف
ليست أخطر أشكال الهيمنة تلك التي تُفرض بالقوة وحدها، بل تلك التي تتسلل إلى الوعي، حتى يصبح الإنسان رقيبًا على نفسه، ويبدأ بتحديد مواقفه السياسية وفقًا لما قد يرضي القوى المهيمنة أو يغضبها.
في المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل، تثير المخاوف من رد فعل اليمين الإسرائيلي على دعم الأحزاب العربية إشكالية عميقة تتجاوز الحسابات الانتخابية. فالسؤال لم يعد فقط: أي الأحزاب تمثل مصالحنا؟ بل أصبح لدى البعض: كيف سيعاقبنا اليمين إذا اخترنا ما لا يرضيه؟
وهنا يكمن الفرق بين الحذر السياسي المشروع وبين استبطان الخوف. فالأول يقوم على تقدير المخاطر والنتائج، أما الثاني فيهدد بتحويل الخوف إلى مرجعية تحدد سقف المطالب السياسية وحدود التعبير عن الهوية والانتماء.
إن مفهوم «المواطنة الناقصة» لا يقتصر على التمييز في الحقوق والقوانين، بل يمكن أن يمتد إلى الشعور بأن ممارسة الحق السياسي تحتاج إلى إثبات حسن النوايا، وأن المطالبة بالمساواة قد تستوجب دفع ثمن، وأن القبول والاعتراف مشروطان بتجنب ما يثير غضب الأغلبية الحاكمة.
والأخطر أن تتحول هذه المعادلة، مع مرور الوقت، إلى قناعة تتوارثها الأجيال، فلا يعود السؤال عما يستحقه المواطن من حقوق، بل عما يُسمح له بالمطالبة به دون أن يثير غضب الآخرين.
ليس المطلوب إلغاء الاختلاف حول الأحزاب العربية أو تحصينها من النقد والمحاسبة؛ فالمواقف منها يجب أن تُبنى على برامجها وأدائها ومواقفها ومدى تمثيلها لتطلعات الناس، لا على الخوف من ردود فعل خصومها.
إن أخطر ما قد تفعله الهيمنة بالمجتمع ليس أن تمنعه من الاختيار، بل أن تجعله يخشى اختياره الحر.
فالمواطنة المتساوية لا ينبغي أن تكون مكافأة على الطاعة، والحقوق لا ينبغي أن تكون مشروطة بالرضا السياسي، والكرامة لا تُقاس بمدى قبول القوى المهيمنة بمواقفنا.
وحين يصبح الخوف هو الذي يرسم حدود الموقف السياسي، فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس فقط: ماذا سنخسر إذا اخترنا بحرية؟ بل أيضًا: ماذا نخسر من وعينا وكرامتنا السياسية حين نسمح للخوف بأن يختار بدلًا منا؟
يوسف السالم



