عبد الباري عطوان وتشريح اللحظة التي انكسر فيها المعنى
قراءة في كتاب «الدولة الإسلامية: الجذور… التوحش… المستقبل»
بقلم: رانية مرجية-
ليست الكوارث الكبرى تلك التي تندلع فجأة، بل تلك التي تستغرق زمناً طويلاً وهي تتشكل بصمت، بينما ينشغل الجميع بالنظر إلى نتائجها ويتجاهلون أسبابها. وما يُعرف بـ”الدولة الإسلامية” لم يكن، في تقديري، سوى أحد أكثر الأعراض عنفاً لمرض عربي أعمق وأقدم وأشد تعقيداً. ولهذا السبب تحديداً، فإن كتاب الإعلامي والكاتب العربي عبد الباري عطوان «الدولة الإسلامية: الجذور… التوحش… المستقبل» لا يستمد أهميته من تناوله لظاهرة أثارت العالم فحسب، بل من جرأته في العودة إلى السؤال الذي هرب منه كثيرون: كيف وصلنا إلى هنا؟
من السهل دائماً أن نصف الوحش بعد ظهوره، وأن نلعن الخراب بعد وقوعه، وأن نكتب تاريخ المأساة بعد اكتمال فصولها. لكن الأصعب هو أن نعود إلى اللحظة الأولى، إلى الشقوق الصغيرة التي بدأت منها الانهيارات الكبرى. وهذا ما يفعله عبد الباري عطوان في هذا الكتاب؛ فهو لا يكتب عن تنظيم مسلح بقدر ما يكتب عن البيئة التي أنجبته، وعن التاريخ الذي مهّد له، وعن الفراغات السياسية والثقافية والروحية التي سمحت له بأن يتمدد في الجغرافيا والوعي معاً.
لقد قرأت هذا الكتاب أكثر من مرة، وفي كل قراءة كنت أشعر أن موضوعه الحقيقي ليس “الدولة الإسلامية”، بل الدولة العربية نفسها.
تلك الدولة التي وُلدت بعد الاستقلالات الكبرى محملة بأحلام النهضة والحرية والوحدة والعدالة، ثم انتهى بها الأمر إلى إنتاج نقيض ما وعدت به.
فكلما تقدمت في القراءة، بدا لي أن التنظيم الذي يتحدث عنه عطوان لم يخرج من فراغ، بل خرج من المساحات التي تركتها الدولة حين تراجعت عن دورها التاريخي.
خرج من الخيبات التي تراكمت في وجدان أجيال كاملة.
ومن الشعور بالعجز أمام الاستبداد.
ومن الانكسارات التي تكررت حتى تحولت إلى جزء من الوعي الجمعي العربي.
ما يميز عبد الباري عطوان عن كثير من الكتّاب الذين تناولوا هذه الظاهرة أنه لا يكتب من موقع الباحث البارد الذي يراقب الأحداث من خلف الزجاج.
إنه يكتب بصفته شاهداً على زمن عربي كامل.
ابن تجربة سياسية وإعلامية طويلة، عايش خلالها الحروب والتحولات والانكسارات الكبرى، واقترب من شخصيات وأحداث صنعت جانباً مهماً من تاريخ المنطقة الحديثة.
ولهذا لا تبدو صفحات الكتاب مجرد رصد للوقائع، بل محاولة لفهم ما هو أبعد من الوقائع.
ففي كل فصل من فصوله يكاد القارئ يلمس سؤالاً خفياً يتردد بين السطور:
كيف تحولت المنطقة التي حلمت بالدولة إلى منطقة تبحث عن نفسها بين أنقاض الدول؟
وهذا السؤال، في جوهره، أكبر بكثير من التنظيم الذي يتناوله الكتاب.
على المستوى الفكري، تكمن أهمية هذا العمل في أنه يحرر الظاهرة من التفسيرات الاختزالية.
فالتطرف، كما يوحي الكتاب، لا يولد من فكرة مجردة.
الأفكار وحدها لا تصنع الزلازل.
الزلازل تصنعها الشروط التي تسمح للأفكار بأن تتحول إلى قوة تاريخية.
ولهذا فإن “الدولة الإسلامية” لا تظهر هنا بوصفها ابنة العقيدة وحدها، بل ابنة الحروب أيضاً.
وابنة الاحتلالات.
وابنة الطائفية.
وابنة الفشل المزمن في بناء عقد اجتماعي يشعر فيه الإنسان العربي بأنه مواطن لا مجرد رقم في سجلات السلطة.
إن أخطر ما يفعله الكتاب أنه يزعزع ذلك الوهم المريح الذي يجعلنا نعتقد أن الشر يأتي دائماً من الخارج.
فالشر، في كثير من الأحيان، ليس غريباً عن المجتمعات.
إنه ينمو في مناطق الصمت.
في الفجوة بين الشعارات والواقع.
في المسافة بين الدولة والمواطن.
وفي اللحظة التي يصبح فيها اليأس أكثر إقناعاً من الأمل.
فلسفياً، يمكن قراءة الكتاب بوصفه تأملاً عميقاً في مصير فكرة الدولة ذاتها.
فمنذ نشأة الفكر السياسي الحديث، كانت الدولة تمثل انتصار النظام على الفوضى، والقانون على الغريزة، والمؤسسة على العصبية.
لكن التجربة التي يعرضها عطوان تضعنا أمام المفارقة الأكثر إيلاماً:
ماذا يحدث عندما تفشل الدولة في أداء هذه الوظيفة؟
ماذا يحدث عندما تتحول من منتجة للمعنى إلى منتجة للفراغ؟
ومن حاضنة للهوية إلى سبب في تمزقها؟
هنا تبدأ المأساة الحقيقية.
لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش في فراغ المعنى طويلاً.
وحين يعجز الوطن عن تقديم معنى للانتماء، تتقدم هويات أخرى لتملأ المكان.
وحين تفشل السياسة، تتقدم الأيديولوجيا.
وحين يغيب الأمل، يصبح الغضب مشروعاً.
وأنا أقرأ الكتاب، لم أفكر كثيراً في التنظيم، بقدر ما فكرت في الإنسان العربي الذي تقاطعت فوق رأسه كل عواصف العصر.
ذلك الشاب الذي وُلد في ظل أنظمة مغلقة، وكبر وسط حروب مفتوحة، وشاهد الخرائط تتغير أكثر مما شاهد مستقبله يتشكل.
كم يجب أن يكون الواقع قاسياً حتى يصبح الوهم أكثر جاذبية من الحقيقة؟
وكم يجب أن يكون الأفق مسدوداً حتى يتحول الموت إلى وعد؟
هذه الأسئلة لا يطرحها المؤلف مباشرة، لكنها تظل تحوم فوق الكتاب كله مثل ظل ثقيل لا يغادر القارئ.
إن الكتب المهمة لا تقدم أجوبة نهائية.
الكتب المهمة تجعلنا أكثر وعياً بأسئلتنا.
ولهذا فإن القيمة الحقيقية لهذا العمل لا تكمن في المعلومات التي يجمعها أو الوقائع التي يوثقها، بل في قدرته على دفع القارئ إلى إعادة التفكير في المسلمات التي اعتادها.
فبعد الصفحة الأخيرة لا يبقى السؤال: كيف صعدت “الدولة الإسلامية”؟
بل يصبح السؤال:
لماذا أخفقت الدولة العربية في منع صعودها؟
ولماذا بدت بعض المجتمعات مستعدة لتصديق أكثر الأحلام تطرفاً؟
وهل انتهت الظاهرة فعلاً، أم أن جذورها ما زالت كامنة في التربة ذاتها تنتظر ظروفاً جديدة؟
لقد كتب عبد الباري عطوان، في الظاهر، كتاباً عن تنظيم هزّ العالم لسنوات.
لكنه كتب، في العمق، كتاباً عن الجرح العربي المفتوح.
عن العلاقة المأزومة بين السلطة والمجتمع.
وعن الانكسار الطويل الذي أصاب فكرة الدولة.
وعن الإنسان حين يفقد ثقته بالمستقبل.
ولهذا فإن الكتاب يتجاوز موضوعه المباشر، ويتحول إلى شهادة فكرية على مرحلة عربية كاملة.
مرحلة لم يكن أخطر ما فيها سقوط المدن، ولا تمدد الرايات السوداء، ولا ضجيج الحروب.
بل كان أخطر ما فيها أن المعنى نفسه بدأ يتصدع.
وما إن يتصدع المعنى حتى يصبح كل شيء قابلاً للانهيار.
فالأوطان لا تسقط أولاً على الخرائط.
الأوطان تسقط أولاً في الوعي.
والدول لا تموت حين تفقد حدودها.
بل حين تفقد قدرتها على إقناع أبنائها بأن البقاء فيها يستحق الأمل.
وهذه، في تقديري، هي الفكرة الأعمق التي يخرج بها القارئ من كتاب عبد الباري عطوان.
إنه كتاب عن التوحش، نعم.
لكنه قبل ذلك، وبعده، كتاب عن اللحظة التي فشل فيها الوطن في حماية المعنى.



