بقلم: م.محمد نبيل كبها
سألت نفسي مرّة: “لماذا يُطلق علينا الغرب دول العالم الثالث؟”
بديهيّاً، بما أنّ الغرب أطلق علينا دول العالم الثالث، إذن هناك دول العالم الثّاني والأوّل، وهذا المصطلح هو تقسيم سياسي صكه عالم الديمغرافيا والاقتصاد الفرنسي “ألفرد صوفي Alfred Sauvy”، ثم استحال لاحقا الى مفهوم اقتصادي واجتماعي قسم العالم الى ثلاثة معسكرات، حيث أن المعسكر الأخير -دول العالم الثالث- هي الدول التي لا تنتمي إلى العالمين الأوّل والثاّني، وهي الدول الصناعية المتقدمة.
في القرن العشرين (1900 – 2000) أنتج الإنسان من المعرفة أكثر ممّا أنتجه الإنسان من زمن سيدنا آدم -عليه السّلام- إلى عام 1950! ومن هذه الإنجازات جُلّها سألت نفسي أيضاً: “ما هو حظّ الإنجاز والإنتاج العربي والإسلامي من بينها؟ ماذا قدّمنا نحن للكوكب؟”، قدّمنا أكبر كمّامة وأعظم سدر منسف يدخلان موسوعة غينيس!”، وفي الحقل العلمي وحتى عام 2026، حاز5 علماء من خلفيات عربية وإسلامية على جائزة نوبل فقط من اصل 659 عالم! وهم (أحمد زويل “مصر” منجي الباوندي “تونس” عمر ياغي “الأردن” محمد عبد السلام “باكستان” عزيز سانجار “تركيا”) لذلك نحن دول العالم الثالث!!
هل يرانا الغرب متخلّفين عن الرّكب الحضاري؟
نعم، لأن الفرق بيننا وبين الغرب أنّنا نلجأ إليهم لكي نتعلّم صناعة السيارة والحسابات والروبوتات، والسؤال الذي يفرض نفسه: “لماذا لا نُنتجها نحن؟”.
نهضة مصر واليابان حدثت بنفس التّاريخ، ولكن الفرق بين اليابان ومصر هو أنّ مصر لم تُنتج المعرفة، بينما اليابان أنتجتها، ولهذا قامة قيامة اليابان من مخترعات، كصناعة السيارات والدراجات وغيرها من الإلكترونيات والحاسبات والرّوبوتات، بينما مصر لم تقم قيامتها بعد، وأتمنّى من كل قلبي أن تقوم قيامة مصر المعرفية.
الإمام الشّافعي -رحمه الله- زار مصر 200 هجري، وكان عدد سكان مصر حينها 2 مليون تقريبا، والآن بلغ عددهم 120 مليون، ولم يتجاوز أي مصري إلى هذه الّلحظة عقل الشّافعي؟ّ! بينما الأوروبيّون اعتبروا الفيلسوف والطبيب والفلكي والفيزيائي “إبن رشد” البوابة الرئيسية لتشكيل العقل الأوروبي، وأطلقوا عليه لقب Averroes حيث تعلّموا منه كل شيء، وليس هذا فحسب، بل طوروا منهجه لتحدث النهضة الأوروبية.
لقد تجاوز الأوروبيّون إبن رشد، لكن هل نحن تجاوزنا الشافعي؟ كلا، لم نتجاوز عقل الشافعي، وهو إلى هذه الّلحظة مازال يُعتبر المرجعيّة العظمى بالنسبة لنا!
إن المفاهيم هي هي نفسها من 1000 عام حتى هذه اللحظة!
من دول العالم الثالث الى الجنوب العالمي
عام 1990م ظهر مصطلح جديد، وهو “الجنوب العالمي” عِوضاً عن دول “العالم الثالث”، اختلف المصطلح لكن المعنى لم يتغير! فهو تعبير اقتصادي، وسياسي، وتاريخي لمجموعة البلدان والتي تقع في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية وتواجه تحديات تاريخية واقتصادية، وتعتمد على مراكز القرار والقوة في دول الشمال.
والسبب في أننا مازلنا عالقين في هذه المسميات، هو أن العقل العربي المعرفي يعيش حالة من “الإنفصام الحاد”؛ فهو يستهلك أدوات ومنتجات الحداثة والتكنولوجيا لدول الشمال.
المعرفة هي اكتشاف القوانين وليس استعمالها
من خلال قراءة بسيطة للعقل المعرفي العربي والإسلامي الحالي، نجد أنّ المعرفة تسير بنا إلى الوراء! وبسبب هذه العقليّة الماضوية والتلقينية أصبح التّاريخ يسير بنا إلى الوراء أيضاً.
نحن حاليّا نسير بعقل الشافعي، إبن سينا، إبن كثير، الغزالي -رحمهم الله جميعا وجزاهم الله عنّا كل خير- ولكن، لماذا لا نجتهد ونسعى لكي يظهر لنا أديسون العرب، أو تسلا المسلمين؟
متى يواجه العقل العربي ذاته بالتشريح والنقد كما فعل الغرب؟ وهل سيأتي يوم يمر فيه العقل العربي بمرحلة مخاض وتدافع فكري لتقوم قيامته؟!
إن المعرفة هي اكتشاف القوانين وليس استعمالها، اكتشاف الذرّات والإلكترونات وحتّى الّلقاحات، وليس استعمال الّلقاح بعد اكتشافه!
.
م.محمد نبيل كبها- فيلسوف ومفكر اسلامي، عضو الإتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، والعرب، ومنتدى الكتاب العربي، والإتحاد الدولي للمثقفين العرب، والإتحاد الدولي لجامعات العلوم والبحوث والثقافة.



