عكا… ألحاج حسين حتحوت… توفي عام 1975
بقلم: ساميه قزموز بكري
.
جدي لأمي، ألحاج حسين حتحوت – توفي عام 1975
كان مؤذن جامع الجزار ثم جامع الزيتونة … حج ثلاث عشرة حجة أيام فلسطين اذ عشق مقام الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)
عاش مائة وعشرين عاما كما يقال (غير مؤكد العمر لكبره وضياع الأوراق الثبوتية)
حدثني والدي طيب الله ثراه أن كانت له هيبة بالغة.. فكان يقف أول فتحة سوق عكا ويصرخ بصوته الجهوري المعهود: “وحدوه… وحدوه…ألصلاة يا مؤمنين…ألصلاة“- لذا لقب بالحاج حسين ألموحد – فيترك التجار محالهم حتى الصائغ يشدد والدي كان يضع كرسيا مائلا على مدخل محله ويهرول لمسجد الجزار لاقامة شعائر صلاة الجمعة …”كانت الدنيا أمان يابا والناس عفيفة النفس لا يمكن أن تمد يد لتسرق“… أما صوته فكان يسمع ما بعد نهر النعامين … وما بعد مقام سيدي عز الدين شمالا… وقد سمعته خالاتي القادمات تهريبا في مركب من لبنان فجرا فدمعت أعينهن: “يا بوي يا حبيبي …هذا صوته“.
كان عكازه مميزا يجذب نظرنا أطفالا وعندما كبرت عرفت أن حمو الطوقة من فتوة عكا وكان قواس المطران (يجب أن يكون مسلما) قد أهداه اياها عكازته قبل الرحيل عن عكا عام 48… وعرفها فورا عمي والد زوجي رحمة الله عليه الشيخ مصطفى البكري (مناضل شارك في معركة الليات) عندما حكيت له حكايتها فوصفها “هالغلظة, مؤشرا بأصابع يديه, من خشب الزعرور حبوب ناتئة تغطي سطحه.. “فأخذتها له ووضعها بجانبه وكلما دخل شيخ من أصدقائه سأله لمن هذه العكازه؟!
والجميع مأخوذ بها … ويبدأ بسرد قصتها وقد وجد موضوعا مثيرا لمجلسه العامر.
طلب منه الشيخ أسعد الشقيري – والد أحمد الشقيري رحمهما الله– أن يخاوي زوجته في رحلة الحج ففعل وعندما خجلوه بالحاحهم أن يصعد الى جبل عرفات معهم في السيارة … لم يدخل تلك الحجة في عدد حجاته …لأنه اعتبر أن الصعود الى عرفات مشيا أكثر حلالا …
وبعد الـ 48 عندما حرم الحج بسبب اغلاق اسرائيل الحدود كان يبكي شوقا لضريح الرسول (صلى الله عليه وسلم) وبيت الله الحرام… الى أن ذات ليلة وفي أيام الحج الحزينة عليه … أخذته غفوة وهو في سريره داخل (ألعقد) والنساء الجارات يسهرن مع جدتي في الطرف الاّخر من البيت .. علا صوته المدوي فهز جدران البيت وقد أقام كل شعائر الحاج… وحتى ذكر: “يا حاجة هدى ضعي بالله عليك بقجة من الجهة اليمنى للهودج لأنه مائل..”فقد كان حادي القافلة متطوعا للخير… همست أنذاك جدتي ان لا توقظوه وقد رأت دموعه تهطل مدرارة من ذقنه البيضاء وهو يلبي “لبيك أللهم لبيك” وعندما أفاق من وهلته.. لم يتذكر شيئا أبدا… فقالت له “انكتبت لك حجة أخرى يا حاج “.




