عكا ذاكرة وتاريخ…. سور عكا يلتفّ حول مدينة قهرت نابليون

 

تقرير : رزق ساحوري

 

سور عكا من أهمّ وأضخم الأسوار في العالم، وذو شهرة تاريخيّة إذ استطاع أن يمنع ويصدّ غزوات الكثيرين، ولعلّ أبرزها حملة نابليون بونابرت. يلتفّ السور حول مدينة عكّا بطول 2850 مترًا، وأما عرضه متّسع خاصّة من الجهة الجنوبية الشّرقية، حيث يتمّ الصّعود إلى سطحه من خلال ممرّين عريضين مبلّطين، يعلوهما عند ظهر السُّور برجان صغيران يطلاّن على المدينة. خارج السّور يوجد خندق عريض وعميق جدًا، وبعد الخندق يوجد سور آخر خارجيّ. يمتدّ هذان السوران المتوازيان من شرق المدينة إلى غربها والخندق بينهما. وكانت مياه البحر تفتح عليه ليمتلئ ويمنع الغزاة من اجتيازه.
شكل سور عكّا عمارة قوية ومنيعة، ميّزت عكا حتى أصبحت أمثولةً في ذلك. وتشير المصادر التّاريخية إلى أنّ بناء السّور يعود إلى العهد اليوناني أثناء حكم الإسكندر المقدوني، في الثلث الأخير من القرن الرابع قبل الميلاد. وجرت عليه ترميمات وتصليحات تاريخيّة عدّة وفق المراحل التاريخية التي مرت بها المنطقة. تُعتبر الإضافات والعنايات الإسلامية التي تمّت في هذا السّور من أرقى ما تمّ، سواء في عهد ظاهر العمر الزيداني أو في عهد أحمد باشا الجزّار، أو في المراحل الإسلامية التي سبقت ذلك. وسور عكا عبارة عن عدّة أسوار بُنيت في عهود متتالية لتشكّل سورًا حديديًّا لحماية المدينة. كما يشمل السّور أبراجًا عديدةً، منها برج السلطان وبرج الحديد وبرج سنجق وبرج المدورة أو برج كريم.
وقد قيل في بناء السور قصيدتا شعر، إحداهما لشاعر مجهول حفرت على السور فوق البوابة، والأخرى للشاعر نقولا الصائغ وتاريخها 1751م فيما يلي نصها:
سور منيع عاصم عكا فما
تغتال إن قد عيد منه الداثر
من ظاهر العمر الذي اشتهرت له
بين البرية أنعم ومآثر
تمت محاسنه فيرنو ناظر فيه
لما بناه الشيخ ظاهر عنوة
أغناه تاريخ بناه ظاهر
————–

وهناك شعر آخر فوق البوابة القديمة نصه:
بأمر الله هذا السور قاما
بعكا من فتى بالخير قاما
أبى الفرسان ظاهر المفدى
أعز دولته دواما
فباطن بابه الرحمات فيه
وظاهره العذاب لمن تعامى
وذا بالله صار حمي فأرخ
بناك الله فخر الأياما

 

عكا: قلعة، بوابات محصّنة، أبراج، وتل نابليون
لمدينة عكا بوابتان: واحدة برية وتسمى باب الشام وتتميز بدقة صنعها وضخامتها، والثانية بحرية وتسمى باب الميناء. كما في عكا يوجد التل الذي عسكر عليه ناپليون، جنوب شرق أسوار مدينة عكا، ويوجد في عكا أيضاً شارع نابليون بونابرت. أمّا قلعة عكا فهي تقع في منتصف الجزء الشمالي من السور، مقابل الجهة الشمالية لجامع الجزّار، وتتألّف من برج الخزنة والثكنة العثمانية والجَبَخانة. وكانت هذه القلعة تسيطر على السّهل الشمالي سيطرةً تامّةً. كما يشمل السّور أبراجًا عديدةً، منها برج السلطان وبرج الحديد وبرج سنجق وبرج المدورة أو برج كريم.
مراحل بناء السور…
خلال القرون القديمة كانت مدينة عكا محصنة في أيام الخلافة الإسلامية الفاطمية التي كان مقرها القاهرة. وفي عام 950 أمر الحاكم ابن طولون ببناء الجدار حول مدينة عكا لحمايتها من مهاجمة الأعداء الصليبيين. وتمّ تجديد الجدار في عام 1071 قبل الغزو السلجوقي، ومرة أخرى قبل الغزو الصليبي في عام 1099. ومع استيلاء الصليبيين على القدس قاموا بتجديد أسوار عكا في أوائل القرن الثالث عشر الميلادي، وقاموا ببناء أبراج جديدة لحماية المدينة من الهجمات المتكررة. وفي 1291 دمر المماليك تماماً سور المدينة. وفي عام 1750 أعاد حاكم الجليل ظاهر العمر السور مجدداً لتحصين عكا القديمة. وفي 1799 تضرّرت أسوار المدينة بشدة أثناء حصار الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت، بعد انتصاره على المماليك ودخوله القاهرة في 1798. وبعد ثلاثة شهور تراجع نابليون عن حصار المدينة وعاد إلى مصر بعد فشل قواته في احتلال عكا. وبين أعوام 1800 و1814 تمّ بناء جدران جديدة حول عكا وأطلق عليها أسوار الجزار، نسبة إلى أحمد باشا الذي لُقب بالجزار لقسوته ووحشيته في التعامل مع أعدائه، وكانت هذه الجدران مزدوجة وضخمة وواسعة ومجهزة بأبراج مراقبة قوية، وعلاوة على ذلك تمّ وضع المدافع الثقيلة على الجدران من أجل تعزيز حماية المدينة من هجمات الأعداء. ومنذ ذلك الحين لم تجر أية تعديلات رئيسية على سور المدينة، باستثناء تشييد بوابتين في الجدران، واحدة في الجدار الشمالي، واخرى في الركن الشمالي الغربي من المدينة تمّ بناؤهما في عام 1910. وفي عام 1912 تمّ بناء منارة عكا في الركن الجنوبي الغربي. ومن أبرز الإضافات التي شيّدها العهد الإسلامي على فلسطين، سواء في عهد زيدان الظاهر أو في عهد أحمد باشا الجزار. وشملت هذه الأسوار مرابض ضخمة للمدفعية (في أثناء الحصار الفرنسي بلغ عدد المدافع نحو 250 مدفعاً) وخندقاً حول الأسوار وصل عمقه إلى ثمانية أمتار. وقد أثبتت هذه الأسوار مناعتها في صمودها أمام حصار نابليون للمدينة.


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007. يرجى ارسال ملاحظات لـ [email protected]
استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007. يرجى ارسال ملاحظات لـ [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد الأخبار