إيران على أعتاب القنبلة النووية.. كيف سترد واشنطن عسكريا؟

مقدمة الترجمة:

مع امتلاك إيران كميات كافية من اليورانيوم المخصَّب بنسبة 60%، جنبا إلى جنب مع أجهزة الطرد المركزي المتطورة، تصبح حيازتها للمواد الانشطارية اللازمة لصنع القنبلة مسألة أيام أو أسابيع قليلة في أبطأ الأحوال، وهو سيناريو غير مسبوق في تاريخ الأزمة النووية الإيرانية. كيف ستتصرف واشنطن حينها؟ وما خياراتها للرد الدبلوماسي والعسكري؟ هذا ما يتناوله إريك برووِر، المدير الأول في مبادرة التهديد النووي (مبادرة غير حكومية معنية برصد ومنع انتشار التهديدات النووية)، والعضو السابق في مجلس الأمن القومي، ومجلس الاستخبارات الوطني الأميركي، في مقاله المنشور مؤخرا بمجلة “فورين أفيرز”.

نص الترجمة:

دخل البرنامج النووي الإيراني الشهر الماضي نطاقا جديدا وخطيرا: لقد بات لدى طهران الآن ما يكفي من اليورانيوم عالي التخصيب لصُنع قنبلة نووية (واليورانيوم عالي التخصيب تتجاوز فيه نسبة التخصيب، أو نسبة اليورانيوم-235، 20%)*. وستكون هذه المادة المُخصَّبة بنسبة 60% حاليا بحاجة إلى المزيد من التخصيب إلى 90% تقريبا قبل استخدامها في سلاح نووي، وهو ما يُطلَق عليه اليورانيم الصالح لصنع القنبلة النووية. بيد أن هذه العملية المُسمَّاة “بالاختراق النووي” (Nuclear Breakout) لن تستغرق سوى أسابيع الآن نظرا إلى التقدُّم الذي حقَّقته إيران على الصعيد النووي منذ عام 2019؛ حينما بدأت طهران تتحلَّل من قيود الاتفاق النووي المُوَقَّع عام 2015 بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية. ورغم أن هذا التطور وحده لا يمنح إيران القنبلةَ النووية، فإنه الخطوة الأهم على طريق صناعة القنبلة.

إن عواقب هذه القفزة المُهِمة هائلة جدا. فحتى هذه اللحظة، كان لدى المجتمع الدولي شهور، إن لم تكُن أعواما، لكبح أي اندفاع إيراني نحو صنع القنبلة النووية، وهو مُتَّسَع من الوقت سمح بحلِّ الأزمة دبلوماسيا. وفي حال فشلت الدبلوماسية، احتفظت الولايات المتحدة لنفسها بخيارات الحل العسكري ملاذا أخيرا. وقد ساهمت هذه الحقيقة بالفعل في ردع إيران عن محاولة تصنيع قنبلة نووية، بيد أن قدرات إيران في الوقت الراهن وصلت إلى نقطة تُمكِّنها من “إنتاج ما يكفي من الطاقة لصناعة القنبلة النووية قبل أن نكون على علم بها، فضلا عن إيقافها”، كما صرَّح المبعوث الأميركي “روبرت مالي” الشهر الماضي. وبالنظر إلى أن الجمهوريين والديمقراطيين أكَّدوا مرارا وتكرارا أنهم لن يسمحوا لإيران بأن تُنتج أسلحة نووية، فإن حقيقة أن الولايات المتحدة قد لا تكون قادرة على كبح وصول إيران إلى أعتاب صناعة القنبلة يجب أن تكون مُقلقة بشدة.

وفيما يبدو، فإن الحل الأيسر لهذه المشكلة، وهو الحل الذي يبدو أن الولايات المتحدة لا تزال تُعوِّل عليه، هو العودة إلى الاتفاق النووي، فمن شأن هذا الحل أن يمنحنا الوقت لإحداث تراجع في الخطوات النووية المتقدِّمة التي أحرزتها إيران، ويُبطِّئ المسار الزمني للاختراق النووي الإيراني إلى ستة أشهر تقريبا بدلا من أسابيع معدودة. غير أن المحادثات بشأن إحياء الاتفاق النووي تعثَّرت بسبب مطالبة إيران لوزارة الخارجية الأميركية بأن تُزيل الحرس الثوري من قوائم الإرهاب، وهو ما يبدو أمرا بعيدا للغاية بالنسبة إلى إدارة الرئيس بايدن. ولكن المشكلة في انتظار صياغة صفقة ما تكمُن في الآتي: كلما طال أمد الأزمة، قلَّت احتمالية إبرام صفقة من الأساس، حيث تقِل المنافع المرجوَّة من أي اتفاقية في نظر كلٍّ من طهران وواشنطن.

للأسف، قد يجد المجتمع الدولي نفسه واقفا أمام إيران وهي على عتبة صناعة سلاح نووي في المستقبل المنظور. وسيكون على واشنطن أن تُفكِّر تفكيرا مغايرا ومبتكرا حيال كيفية إدارة هذا الوضع في حال أرادت أن تتجنَّب ظهور القنبلة النووية الإيرانية والعواقب السلبية التي ستترتَّب عليها.

المسار الزمني “للاختراق النووي”

من المفيد أن نفكر في التحديات التي يفرضها حدوث اختراق نووي باعتبارها محكومة بـ”ثلاث ساعات”: الساعة الأولى تقيس الزمن الذي ستستغرقه إيران لإنتاج مواد كافية لصنع قنبلة نووية، والساعة الثانية تقيس الزمن الذي سيستغرقه المُفَتِّشون الدوليون أو العواصم الغربية لرصد هذه الأنشطة النووية، أما الساعة الثالثة والأخيرة فتقيس الزمن الضروري للمجتمع الدولي كي يَرُد على هذه الأنشطة. وعلى مدار التاريخ القريب، لطالما كان الزمن المستغرَق في الساعة الأولى أطول من الساعتين الأخيرتَين، بيد أن الأمور في يومنا هذا لم تعُد كما كانت.

قد تحتاج إيران، وفقا للمسؤولين الأميركيين، إلى “بضعة أسابيع” لإنتاج ما يكفي من المواد لصناعة القنبلة، بينما يُقدِّر خبراء آخرون بأن طهران يُمكِنها القيام بذلك في غضون عشرة أيام (وتلك هي الساعة الأولى)، كما يُرجَّح أن يتقلَّص هذا المسار الزمني مع تقدُّم البرنامج الإيراني. ويزور المُفَتِّشون مواقع التخصيب مرة أسبوعيا تقريبا (وتلك إذن الساعة الثانية). ومن ثمَّ بمقدور إيران أن تضبط زمن الاختراق النووي بحيث يصل المُفَتِّشون ويكتشفون أنها أنتجت ما يكفي لصناعة القنبلة بعد فوات الأوان. ويُمكِن لإيران أيضا أن تختلق ذريعة تمنع بموجبها المُفَتِّشين من حق دخولهم الطبيعي إلى المواقع النووية، فيكتمل صنعها للمادة النووية اللازمة في غيابهم.

الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي يلقي خطابًا عامًا في إقليم شارمحال وبختياري بإيران في 9 يونيو 2022، ردًا على القرار الذي وافق عليه المجلس التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة الذرية ضد بلاده. (وكالة الأناضول)

سيُخبِر المُفَتِّشون الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) بالوضع، لكن هذه المعلومات لا بد أن تصل إلى واشنطن بعد ذلك. ومن الممكن أيضا -وإن لم يكُن مؤكدا- أن تكتشف الولايات المتحدة أو أحد حلفائها الاستعدادات الإيرانية للاختراق النووي عن طريق المعلومات التي تجمعها أجهزة الاستخبارات الخاصة بها. وقد ترغب الولايات المتحدة، مع ذلك، في تحليل هذه المعلومات، وجمع كبار المسؤولين لمناقشة الخيارات المتاحة والجدال بشأنها، وهي عملية قد تأخذ المزيد من الوقت.

ومع اقتراب إيران من إتمام الاختراق النووي، سيكون على واشنطن أن ترُد بسرعة (حيث نكون حينئذ في الساعة الثالثة). ولكن المؤسف أنه لن يكون هناك وقت للدبلوماسية حينها، وستحتاج الولايات المتحدة إلى أن تتدخل عسكريا. والحال أن توفر الخيار العسكري من عدمه في تلك اللحظة سيتوقَّف على عدة عوامل أخرى، فربما ترغب الولايات المتحدة باستعمال مُخترِق الذخائر الهائلة (Massive Ordnance Penetrator)، وهو حسبما نعرف السلاح الأقدر على الوصول إلى المنشآت الإيرانية المدفونة تحت الأرض، حيث ستتم عملية الاختراق النووي، وهو سلاح محمول بقاذفات من طراز “بي-2” الموجودة في ولاية “ميزوري”. وقد يستغرق زمن الرحلة إلى إيران ما يربو على ثلاثين ساعة، وهو وقت طويل جدا لن يَحول دون حدوث الاختراق النووي في هذا السيناريو، علاوة على ما تقتضيه الرحلة من طائرات مُزوَّدة بالوقود من طراز “بي-2” أيضا. ثم يبقى لدينا سؤال: هل ستكون هذه الطائرات جاهزة في التوِّ واللحظة عند الطلب؟

لربما تصير الأمور أعقد وتستغرق وقتا أطول بعد هذا السيناريو. فقد ترغب الولايات المتحدة بضرب عدد من المواقع النووية، وباستهداف أنظمة الرادار والدفاع الجوي الإيرانية؛ لتقليل مخاطر إسقاط الطائرات الأميركية، وقد ترغب بامتلاك دفاع صاروخي وغيرها من القدرات العسكرية في المنطقة للدفاع عنها ضد عملية انتقامية إيرانية. والحال أن بعضا من هذه الخيارات سيكون مستحيلا تنفيذه ضمن تلك الأُطُر الزمنية الضيقة، ولذا قد يدفع ذلك بالولايات المتحدة إلى العدول عن اتخاذ أي إجراء على الإطلاق.

عوضا عن محاولة إحراز “الاختراق النووي” في مواقع نووية معروفة، قد تحاول إيران أن تنقل موادها النووية إلى مُنشأة سرية خلال الوقت بين دورية تفتيش دولية وأخرى، من أجل مزيد من التخصيب بحيث تصل إلى نسبة 90%. وستحتاج إيران حينئذ إلى مُنشأة تخصيب سرية ليست هناك مؤشرات حاليا على وجودها (رغم أن منع المُفَتِّشين من الوصول إلى الكاميرات التي تراقب آلات الطرد المركزي الإيرانية منذ فبراير/شباط 2021 يجعل التأكُّد من ذلك أمرا صعبا). وخلافا لما كان عليه الحال في الماضي، حين كانت إيران تستعمل الجيل الأول لأجهزة الطرد المركزي البطيئة، واليورانيوم ذا التخصيب المنخفض؛ لدى إيران اليوم مخازن متنامية من المواد المُخصَّبة بنسبة 60% و20%، ولديها أجهزة طرد أكثر تقدُّما أيضا. وهذا إن عنى شيئا فإنما يعني أن طهران قد تبني وحدة تخصيب أصغر يَصعُب اكتشافُها، مما يُمكِّنها من تخصيب اليورانيوم بنسبة 90% أسرع من ذي قبل. وقد تحتاج الولايات المتحدة إلى معرفة موقع المنشأة السرية والمواد النووية الناقصة إذا قررت استخدام القوة العسكرية لإيقاف مسيرة إيران نحو امتلاك سلاح نووي.

بطبيعة الحال، امتلاك المواد الانشطارية لصنع القنبلة النووية لا يُكافئ امتلاك القنبلة بحدِّ ذاتها، إذ ستحتاج إيران إلى مدة أطول -ربما إلى عام أو عامين- لبناء سلاح نووي وتحميله على صاروخ. بيد أن المواد الانشطارية تظل الجزء الأكثر خضوعا للرقابة الدولية، ومن ثمَّ تُمثِّل الجزء الأكثر قابلية للكَشف في مسيرة صناعة القنبلة النووية. فقد تجري أنشطة التسلُّح في مجموعة من المنشآت المُبعثَرة التي لا تخضع للرقابة الفعَّالة ولا تحمل سوى عدد قليل من إشارات النشاط العسكري. وقد تكافح الولايات المتحدة من أجل الكشف عن عمليات التسلُّح الجارية بعدما تكون إيران قد أنتجت المواد الانشطارية الضرورية.

وحتى إذا لم تُصنِّع طهران القنبلة النووية أو المواد الانشطارية الضرورية، فإن بقاءها بوصفها دولة ذات مقدرة نووية سيولِّد تحديات سياسية جسيمة، إذ ستغدو السياسة الخارجية الإيرانية أكثر جرأة وعدوانية إن هي آمنت بقدرتها على التلويح بسيف الاختراق النووي وتسليطه على رقبة المجتمع الدولي. وبمقدور إيران أيضا أن تُعزِّز من حصانتها النووية بطرق لا تقتضي وجود برنامج تسليح نووي شامل، بما في ذلك عن طريق تطوير صواريخ باليستية عابرة للقارات.

وأخيرا، ففي سبيل مواجهة إيران وهي على أعتاب صنع قنبلة نووية، ومع الشكوك حيال قدرة واشنطن على صدِّها؛ يُمكِن أن تشرع دول المنطقة في جهود التحصُّن النووي الخاصة بها أو في برامج لحيازة قنبلة، وهو ما يُشكِّل تحديا إضافيا لنظام حظر انتشار السلاح النووي دوليا. ولعل حلفاء الولايات المتحدة وشركاءها يحاولون التهديد بأنهم سيتسلَّحون نوويا للضغط على واشنطن من أجل ضمانات أمنية ومُساعَدات دفاعية أقوى، وهي إستراتيجية اتَّبعها حلفاء الولايات المتحدة في آسيا. وقد تجدُ واشنطن نفسها عالقة بين خيارين أحلاهما مُرٌّ؛ إمَّا المزيد من الالتزام العسكري تجاه الشرق الأوسط في وقت تُفضِّل فيه الانصراف إلى مكان آخر، وإما البقاء على مسافة من المنطقة، ومن ثمَّ المُخاطرة بمزيد من انتشار السلاح النووي والصاروخي حول العالم.

إعادة عقارب الساعة إلى الخلف

بينما يقف مصير الاتفاق النووي الإيراني على المحك، ليس لدى طهران حافز كبير لوقف تقدُّمها النووي، وهو ما تعتقد أنه يُشكِّل ضغطا على الغرب، وستترسَّخ هذه الحقيقة أكثر وأكثر إذا أخفقت محادثات إحياء الاتفاقية. وبينما تنتظر واشنطن ثمار الدبلوماسية، عليها إذن أن تُركِّز على ما يسعها التحكُّم به في تلك الأزمة: الساعات الثانية والثالثة، أي تسريع الكشف والاستجابة.

لزيادة احتمال اكتشاف المجتمع الدولي لأي اختراق نووي إيراني، ينبغي للولايات المتحدة وحلفائها، والصين وروسيا إذا أمكن، الضغط على إيران كي تسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيارات يومية إلى مواقع التخصيب وتخزين المواد النووية. وعلاوة على ذلك، يجب أن تستأنف إيران استخدام أجهزة مراقبة التخصيب عبر الإنترنت، وهي تقنية مُمَيْكَنة تراقب مستويات التخصيب باستمرار حين لا يكون مسؤولو الوكالة الدولية للطاقة الذرية حاضرين. وقد كانت هذه التدابير سارية بموجب الاتفاق النووي الإيراني، غير أن إيران تخلَّت عنها بعدئذ. كما أن على الولايات المتحدة زيادة جهود جمع المعلومات الاستخباراتية الخاصة بها، وكذلك التنسيق مع حلفائها للمساعدة في توفير أطول قدر ممكن من الوقت اللازم للتحذير. وحين يكون أمام إيران أيام معدودة ومواد كافية لصنع قنبلة، فإن كل ثانية قد تُحدِث فارقا، ومن شأن هذه التدابير أن توفِّر وقتا ثمينا، وأن تساعد في ردع إيران عن تحقيق اختراق نووي.

ثمَّة أسباب عديدة تدعو للاعتقاد بأن إيران قد تتبنَّى مثل هذه الشروط: أولها أن هناك حُجَّة قوية وغير سياسية مفادها أن هذه الاحتياطات الإضافية ضرورية للوكالة الدولية للطاقة الذرية كي تقوم بمُهِمَّتها الرقابية، فإيران هي الدولة الوحيدة التي تُنتج اليورانيوم عالي التخصيب ولا تمتلك أسلحة نووية. وثانيها أن هذه الإجراءات ستساعد في توفير ضمانات مهمة للمجتمع الدولي بأن إيران لا تُسابِق الزمن للحصول على القنبلة، ومن ثمَّ تقليل احتمالات توجيه ضربة عسكرية إليها، وهو أمر يُفترَض أن تراه إيران في مصلحتها. ومع هامش الخطأ المتضائل هذا، فإن أي تأخير في وصول المُفَتِّش إلى المواقع الإيرانية -حتى وإن كان بسبب سوء تفاهم أو مجرد حادث عارض لا محاولة لتنفيذ اختراق نووي- قد يؤدي إلى سوء تقدير ستحرص إيران على تجنُّبه. أخيرا، لن تتطلَّب أيٌّ من هذه الخطوات من طهران وقف أيِّ تقدُّم نووي، مثل التخصيب بنسبة 60% أو زيادة مخزونها من المواد النووية أو إضافة أجهرة طرد مركزي مُتقدمة، التي تعتقد إيران بأن حيازتها توفر لها ضغطا تفاوضيا مهما.

قد تحتاج الولايات المتحدة وحلفاؤها أيضا إلى التسريع من قدرتهم على الرد. وسيتعيَّن على مجلس الأمن القومي الأميركي أن يؤسِّس لجنة تنعقد فور تلقِّي معلومات تُشير إلى اختراق نووي إيراني. لكن الخطوة ذات الأثر الأكبر التي يُمكِن أن تتخِذها الولايات المتحدة تتمثَّل في اختصار زمن الرد العسكري، ولعل تلك الخطوة هي الأصعب. وأحد الخيارات قد يكون زيادة الجاهزية والتأكُّد من أن كُل القدرات العسكرية المطلوبة للضربة -مثل طائرات التزوُّد بالوقود- بوسعها الاستعداد في وقت قصير. وهناك خيار آخر يتمثَّل في نشر الطائرات وأنظمة الدفاع الصاروخية وغيرها من أشكال الدعم العسكري في المنطقة، على سبيل المثال، تنتشر القاذفات الأميركية “بي-2” دوريا خارج الولايات المتحدة، لكن دون وجود دائم لها في الخارج، ولربما تحتاج واشنطن إلى النظر في زيادة عمليات الانتشار المُتكرِّرة أو التمركُز الدائم خارج الولايات المتحدة، وما يلزم ذلك وما يصاحبه من مخاطر. فهذه الخطوات من شأنها أن تمنح الولايات المتحدة مرونة أكبر حال نشبت أزمة، وستكون إشارة ودليلا إلى الحلفاء وإيران في الوقت نفسه بأن واشنطن على أُهبة الاستعداد للتحرُّك إذا لزم الأمر.

وختاما، على واشنطن أن تحسب هذه الخطوات الدبلوماسية والعسكرية وأن ترتِّبها بصورة ملائمة، وأن تُفكِّر بتأنٍّ في الخطوات التي يجب الإفصاح عنها وأيُّها لا بد أن يبقى طي الكتمان حتى لا تُفضي جهودها بغير قصد إلى سيناريو تريد تجنُّبه: اندفاع إيران نحو السلاح النووي. ورغم أن إيران قد ترفض الفكرة، فلا بد للولايات المتحدة أيضا أن تدفع لتأسيس خط تواصل مباشر مع طهران لإدارة الأزمات المُحتمل نشوبها. وأخيرا، على واشنطن أن تنفتح على خيار تأجيل بعض الخطوات العسكرية حال اختارت طهران سياسة ضبط النفس والشفافية فيما يتعلَّق بالتسلُّح النووي، إذ إن الهدف في نهاية المطاف ليس ضرب إيران، بل الحيلولة دون صناعة قنبلة نووية إيرانية.

سيتوافق هذا النهج مع الجهود الأميركية المبذولة للوصول إلى اتفاق دبلوماسي، لكنه سيقتضي من الولايات المتحدة أن تواجِه حقيقة مُزعِجة، وهي أنها لا تستطيع أن تُعلِّق آمالها على إحياء الاتفاق النووي فحسب من أجل حل المُعضِلة القائمة حاليا. والحال أن هذه الخيارات ليست خيارات مثالية، بيد أن عدم استعادة الاتفاق النووي حتى الآن يجعل منها كلَّ ما يبقى بحوزة واشنطن لكبح جماح إيران عن التسلُّح النووي.

——————————————————————————————————————————————

هذا المقال مترجم عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع عكانت.

ترجمة: كريم محمد.

المصدر : مواقع إلكترونية
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض كل التعليقات
جديد الأخبار