عكا… العيش في مدينة مختلطة… بقلم: سهيل كيوان

العيش في مدينة مختلطة…

سهيل كيوان

في رأيي المتواضع أن أجمل الكتابات  هي أسهلها، وهي تلك التي نستمدُّها من واقعنا، من ذكرياتنا، ومن أحداث عشناها، ونكتبها بصدق.

وجدت الصدق والعفوية في كتاب “أعيشك عكا” للكاتبة وسام دلال خلايلة التي ولدت في عكا، وعاشت فيها إلى أن تزوّجت وانتقلت لتعيش في مجد الكروم حتى يومنا، وهي تعمل مدرِّسة ومرشدة للّغة العربية.

كتبَتْ عن مسقط رأسها المدينة المحبوبة عكا، التي تحوّلت إلى مدينة مختلطة من العرب الذين بقوا فيها بعد النكبة، وعرب أتوا إليها من القرى المهجرة، ويهود أتوا من شرق أوروبا وشمال أفريقيا.

عكا مقسومة جغرافيًا، داخل السُّور وخارجه، ومثل عائلات كثيرة تنقسم أسرة الكاتبة داخل وخارج السّور،  وهناك قسم خارج الوطن.

كتبت في لغة بسيطة وسلسة على شكل قِطع نثرية، تبدأ في وصف بيت الأسرة وهو بيت “عربي”، هكذا يطلقون على البيوت المبنية من الحجر خارج الأسوار، وهو يقع في محيط من العمارات ذات الشقق، لم يسكنها عرب في تلك الأيام! تصف جدران البيت العربي، وبلاط الأرض الملوّن، وما يحيط به من بيوت وشجر، قبالة البحر.

كانت أسرتها العربية الوحيدة في الشارع.

الخبز كذلك مقسوم، فهو خارج الأسوار” افرنجي” وداخل الأسوار”عربي”.

تتحدث بلسان من عرف ورأى وعاش التجربة، مثل دخول السّبت حيث يعم الهدوء في الشارع، ويدخل المصلّون اليهود الكنيس الذي كان يومًا بيتا عربيًا أصحابه في الشتات.

الحياة خارج السور غير الحياة داخله،  خارج الأسوار طقوس حياة عادية،  أما داخل الأسوار فالحياة عشقٌ وحقيقة أخرى.

لدى القرويين فضول حول سكان المدن البحرية، هل يتقنون السِّباحة منذ ولادتهم؟ ألا يخافون من البحر؟

تصف الكاتبة أول درس لها في العوم بإشراف الوالدة، وزيارة البحر والسباحة فيه، مكافأة للأبناء على تحصيلهم في المدرسة أو على سلوكهم الطّيب، الخروج إلى البحر، يشبه خروج القرويين إلى الجبل لقضاء يوم في أحضان الطبيعة.

لا بد في مدينة مختلطة من الولوج إلى العلاقات بين اليهود والعرب، ولكنها لم تدخل في السياسة إلا برفق ومن خلال لمحات سريعة، وتركز على الاجتماعي، فالجارة البلغارية تشكي همومها لجارتها العربية والدة الكاتبة، تشكي علاقتها الرديئة مع كنّتها الرومانية المتعجرفة!

ثم علاقة المراهقات والصداقة بين فتاتين عربيتين إحداهما الكاتبة وأخرى يهودية، تنعم الصديقة اليهودية بعلاقة حميمة مع صديق لها، وترشدها والدتها كيف تتجنب الحَمل من صديقها الذي تقضي معه كل نهار السبت! بينما تبتلع  العربيتان ريقيهما وتطلبان من اليهودية شرح المزيد عن هذه العلاقة المحرمة عليهما.

تأخذ القارئ إلى حيث الرغبات والأحلام الإنسانية الأولى، قبل أن يشوهُّها واقع السياسة الذي سنراه في زيارة العم المشرّد في الشتات إلى العائلة في عكا، وسوف نراه بوضوح في نهي سيدة يهودية طفلتها من ملامسة يد فتاة أخرى لأنها عربية، وسنراه عندما تذهب إلى مكتب الداخلية برفقة صديقتها العربية  المسيحية، لاستصدار بطاقة هوية شخصية، فيصرُّ الموظَّف على معرفة ديانة كل منهما، مسلمة أم مسيحية، وهو الأمر الذي لم تكونا تعيرانه انتباها، تحوّل في وزارة الداخلية إلى أمر مركزي أصرَّ الموظف على معرفته!

“يوم الاستقبال” هو يوم في الشهر، تستقبل فيه الجدة في بيتها داخل الأسوار نساء العائلة من مختلف الأعمار، ويمنع الذكور من الدخول، وفي هذا اليوم المليء بالحلوى، تأخذ النساء حريتهن في الغناء والرقص واللباس، والملفت أن الجدَّة نفسها هي التي تعزف على آلة العود.

هذه كما يبدو إشارة واضحة إلى الأصول الفنية التي يتمتع بها عدد لا بأس منه أبناء عائلة (دلال) في عكا وخارجها وخصوصا الموسيقى.

نضيف إلى هذا أن للجد فضلاً كبيرًا في بناء قبة عباس الحالية في حيفا، ولديه شهادة تقدير معلقة على جدار غرفة الاستقبال” نجحَ حيث فشل كبار المهندسين”.

بعد 111 صفحة من الحجم المتوسط في عكا، تنتقل للعيش مع شريكها في مجد الكروم حيث يحلّ الزيتون والحقول مكان البحر، تتحدث فيها عن مكان إقامتها الجديد وعلاقتها بأهله وجيرانها الجدد الذين تعتبرهم أهلها.

في الصفحة الأخيرة 135 تختتم بقصيدة بعنوان “أعيشك عكا”، تعبِّر فيها عن حنين لا يخبو إلى مدينتها الجميلة. 

إنها تجربة أولى للكاتبة، وهي بلا شك ناجحة، فيها الكثير من الصِّدق والشفافية والعفوية والتجربة الذاتية في الحياة في مدينة مختلطة، وهو القسم الأساسي من الكتاب.

صادر عن دار الرعاة للدراسات والنشر رام الله، توزيع “جسور” عمّان.

    

              

          

         

guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض كل التعليقات
جديد الأخبار